وفي تموز - يوليو 1981 ألقي القبض على راشد، وأُحيل إلى المحاكمة في تشرين الأول سنة 1981 مع مجموعة من قيادة حركة الاتجاه الإسلامي بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مشروعة، وحكم عليه بالسجن لمدّة عشر سنوات، وبعد ثلاث سنوات من الاعتقال جرى إطلاق سراحه في 02-08-1984 بعفو رئاسي، بعد وساطة من رئيس الحكومة -آنذاك- محمّد المزالي .
وعندما كان راشد الغنوشي معتقلا تولىّ قيادة حركة الاتجاه الإسلامي كلٌّ من: الفاضل البلدي، وحمّادي الجبالي . وفي شهر كانون الأول - ديسمبر 1984 عقدت حركة الاتجاه الإسلامي مؤتمرا سريّا، انتهى إلى تثبيت راشد الغنوشي، وعبد الفتّاح مورو على رأس الحركة .
وفي 06- 06 - 1985 عقدت حركة الاتجاه الاسلامي مؤتمرا صحفيّا، كشفت فيه علانيّة في الذكرى الرابعة لتأسيسها عن وثائق مؤتمرها السرّي، وأسماء أعضاء المكتب السياسي، والذين كان من بينهم راشد الغنوشي وعبد الفتّاح مورو، وصالح كركر، وصادق شورو، وحمّادي الجبالي، وعلي العريض، وفاضل البلدي , وكان هؤلاء يتولون مسؤوليّات مركزية في حركة الاتجاه الإسلامي .
و أعيد اعتقال راشد الغنوشي في شهر آب - أغسطس 1987 وحوكم مع مجموعة من رفاقه بتهمة قيام عناصر من حركة الاتجاه الاسلامي بتفجير أربعة فنادق سياحية في تونس العاصمة في شهر آب - أغسطس 1987 .
وقد أنكر راشد الغنوشي هذه التهمة، ونددّ بأعمال العنف التي شهدتها تونس، غير أنّ محكمة أمن الدولة حكمت عليه بالسجن المؤبّد، بتهمة تهديد أمن الدولة، والاتصال بدولة أجنبيّة هي إيران , كما حكم بالإعدام على سبعة من رفاقه و نفّذ الحكم في اثنين منهما.
وبعد ذلك أصدر الرئيس (زين العابدين بن علي) عفوًا عن راشد الغنوشي بمناسبة عيد الفطر في 15 - 05 - 1988 حيث غادر بعدها تونس (3) . (1) مستقبل الأصولية في العالم العربي: إصدار المركز العربي للمعلومات في بيروت .
(2) الإسلام الاحتجاجي في تونس: لعبد الباقي هرماسي .
(3) انظر الحركة الإسلامية في تونس لمصطفى التواني , وتحليل العناصر المكونة للحركة الإسلامية في تونس لراشد الغنوشي
فكرة تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي ذات الطابع السياسي لم تكن محل إجماع بين كل عناصر الجماعة الإسلامية , و حول مستقبل الاتجاه الإسلامي برز اتجاهان: الأول يمثله راشد الغنوشي، وعبد الفتاح مورو، وكانا يريان ضرورة المضيّ بالحركة نحو بلورة تنظيم على غرار تنظيم الإخوان المسلمين , والاتجاه الثاني ومن رموزه صلاح الدين الجورشي، وأحميدة النيفر، وزيّاد كريشان الذين رفضوا النموذج الإخواني، واقترحوا إبقاء الحركة في بوتقتها الفكرية والثقافية , ومن رحم الاتجّاه الثاني تأسس ما عرف بالإسلاميين التقدميين.
وكانت هناك مبررات عديدة جعلت الجماعة الإسلامية تخرج من الدائرة الفكرية إلى الدائرة السياسية , ومن هذه المبررات:
-نضج الخطاب الإسلامي وبداية اقتناع كوادر الفكرة الإسلامية بضرورة لعب دور في الواقع السياسي التونسي .
-إغراق السلطة التونسية في حال التبعية، وضرورة التصدّي لها من خلال المساهمة في التغيير السياسي .
-تحديّات التيارات والقوى العلمانية والتغريبية.
-التحديات التي عاشها العالم العربي والإسلامي، مثل: أحداث أفغانستان، ولبنان، وفلسطين، وغيرها .
-انتصار الثورة الإسلامية في إيران .
وكل هذه العوامل الداخلية والخارجية أملت على راشد الغنوشي ورفاقه ضرورة تكوين حزب سياسي . وفي حزيران - يونيو 1981 أعلن راشد الغنوشي عن تحويل الجماعة الإسلامية إلى حزب سياسي تحت اسم الاتجاه الاسلامي برئاسة راشد الغنوشي , وعضوية عبد الفتاح مورو، الذي أصبح أمينا عاما لحركة الاتجاه الإسلامي , وبن عيسى الدمني مسؤولا عن الاتصالات، وحبيب المكني مكلفا بالإعلام .
وقد رفضت وزارة الداخلية التونسية جملة وتفصيلا الترخيص لحركة الاتجاه الإسلامي وللحول دون أن تكبر في الواقع السياسي التونسي بادرت إلى اعتقال كل قيادات حركة الاتجاه الإسلامي .
وفي بيانها التأسيسي ركّزت حركة الاتجاه الإسلامي على ضرورة تحصين الشخصية التونسية من الذوبان في إفرازات التغريب ووضع حدّ لحال التبعية المطلقة للغرب , وإعادة بعث الإسلام الحضاري؛ ليلعب دوره الكامل في الواقع التونسي المتجذّر في عمق الحضارة الإسلامية , والمساهمة في تأسيس كيان تونسي منسجم كل الانسجام مع حضاريّة الإسلام وإعادة توزيع الثروات توزيعا عادلا .
وكانت السلطات التونسية تنظر إلى هذا التنظيم السياسي الجديد بكثير من القلق والحذر خوفا من تكرر التجربة الإيرانية في تونس، والتي كان راشد الغنوشي ورفاقه يمدحونها كثيرا ويبدون إعجابهم بها , وكانوا يعلنون جهارا تأييدهم لها , وخوفا أيضا من تكرار التجربة الجزائرية، حيث خرجت التنظيمات الإسلامية في الجزائر من قمقمها إلى العمل العلني , وبروز الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر بقيادة مصطفى بويعلي (1) .
وما زاد في قلق السلطات التونسية هو وقوع انفجارات في بعض الفنادق التونسية , ومعروف أنّ تونس تعتمد بالدرجة الأولى على صناعة السياحة , ولأجل كل ذلك قامت السلطة التونسية باعتقال راشد الغنوشي، حيث حدث عندها أول صدام سياسي بين السلطة التونسية وحركة الاتجاه الإسلامي و خصوصا عندما تورّط بعض الإسلاميين في أعمال عنف اتخذتها الحكومة التونسية ذريعة للقمع والعنف الرسمي , ويورد بورجا صاحب كتاب (الإسلام السياسي) , صوت الجنوب مشاهد عديدة لبدايات الصدام بين السلطة والإسلاميين في تونس منها ما حدث في الحرم الجامعي في شباط - فبراير 1981 حيث تمّ سجن عميد كلية جامعية وتهديده بالقتل عندما تدخلت الشرطة في الحرم الجامعي واشتبكت مع الإسلاميين , وكذلك حاول الإسلاميون منع المفطرين في شهر رمضان وتصادموا مع الشرطة في حزيران - يونيو 1981 بعد حريق الباخرة الروسية التي كان يجري تصليحها في الميناء , وكان المتظاهرون يرفعون شعارات إسلامية , كما وقع تخريب لنوادي القمار في تونس ووقع تصادم بين الإسلاميين والشرطة التونسية في 17 تموز - يوليو 1981 و في اليوم التالي من هذا التاريخ جرى اعتقال راشد الغنوشي زعيم حركة الاتجاه الإسلامي وأمين الحركة العام عبد الفتّاح مورو وعدد من أعضاء المكتب السياسي باستثناء الحبيب المكني وعدد كبير من المتعاطفين مع حركة الاتجاه الإسلامي , وقد صدرت ضدّهم مجموعة من الأحكام تراوحت بين عامين إلى اثني عشر عاما .
وقد تمّ تعيين حمادي الجبالي مسؤولا للمكتب التنفيذي الجديد . وذهب الإسلاميون التقدميون إلى القول بأنّ الجماعة الإسلامية أو حركة الاتجاه الإسلامي لو بقيت على ما كانت عليه وانصرفت إلى الدعوة الإسلامية بشكل هادئ ومتزن لما تعرضّت الحركة الإسلامية التونسية إلى هذه المحنة , وكانت عناصر من جماعة الإسلاميين التقدميين ترى أنّ المجتمع التونسي لم ينضج بعد لاستيعاب مفاهيم الإسلام السياسي خصوصا وأنّ نهج الحكم العلماني والتغريبي قد خلفّ في تونس أثارا لها أولّ وليس لها أخر على المجتمع التونسي أفضت إلى تشويه الشخصية التونسية .
والجدل الواسع بين الثقافي والسياسي داخل الحركة الإسلامية التونسية وعلى رأسها حركة الاتجاه الإسلامي استمرّ متواصلا إلى وقت لاحق حتى عندما أصبحت حركة الاتجاه الإسلامي تحمل عنوانا جديدا هو حزب النهضة .