وإذا كانت السلطة التونسية قد اتهمّت حركة الاتجاه الإسلامي بالوقوف وراء أعمال العنف , فانّ الحركة الإسلامية التونسية وعلى رأسها حركة الاتجاه الإسلامي كانت تدفع عنها تهمة العنف , ويته راشد الغنوشي السلطة التونسية بأنها هي صانعة العنف ومهندسته الأسّاسية وفي هذا السيّاق يقول:
أبرز ما يسم علاقة الدولة التابعة بمجتمعها هو علاقة العنف , إنّ التغريب في حدّ ذاته هو أبرز وأفدح ألوان العنف الذي تمارسه الدولة , انّه عملية سلخ مجتمع عن أصوله وضميره من أجل ما يسمى بالحداثة وهي في الحقيقة ديكتاتورية الغرب على شعوبنا من خلال وساطة جماعة التحديث والتغريب على النمط الغربي نقيضا كاملا للديموقراطية من كل وجه. (2)
ويكمل الغنوشي الصورة بقوله: فإذا أضفنا إلى هذا القمع الاجتماعي والسياسي الرسمي ما تمارسه بعض فصائل المعارضة بدافع الغيرة والحسد والخوف من تنامي الاتجاه الإسلامي وما تمارسه من دسّ وإيغار للصدور بل من عنف ضدّ كل منافسيها السياسيين الذين استطاعت بأساليبها الإرهابية أن تصفيّهم تقريبا وتخرجهم من حلبة الصراع حتى إذا جربّت ذلك مع الاتجاه الإسلامي تصدّى لها دفاعا عن الحرية العامة .
ويجزم الغنوشي أنّ حركة الاتجاه الإسلامي كانت ترفض العنف وهذا ما يفسّر وقوف قواعد الاتجاه الإسلامي ضدّ أعمال التخريب التي كان يغذيها شعور الفتيان في المعاهد التعليمية بالحيرة والقلق وغموض المستقبل وديكتاتورية الإدارة كما تغذيها أطراف سياسية داخل النظام وخارجه تتبنىّ العنف منهاجا , وعلى رغم ما أجتهد بعض الحاقدين ممن لا خلاق لهم في إلباس الاتجاه الإسلامي لبوس العنف في الأحداث المدرسية الأخيرة فإنني أؤكد وسيكشف التاريخ ذلك أنّه لولا تصدّي الاتجاه الاسلامي في المدارس لأعمال التخريب لما بقيّ شيئ قابل للكسر أو الحرق لم يكسر ولم يحرق .
ويقول الباحثون الذين تتبعوا مسار الحركة الاسلامية التونسية أنّ الغنوشي كان يرفع شعار الديموقراطية وحقوق الانسان ونبذ العنف في مرحلة كان يعمل فيها على تكريس حزبه الاتجاه الإسلامي في الواقع السياسي التونسي , ذلك أنّ قواعد اللعبة السياسية كانت تقتضي أن يناور الغنوشي إلى حدّ ما , لكن بعدما تبينّ له أنّ السلطة التونسية لا يمكن على الاطلاق أن تستوعب وجود حركة إسلامية سياسية تتبنىّ المشروع الإسلامي وتحارب التغريب .
وبعد انقلاب السلطة الجزائرية على مشروع الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر , بدأ الغنوشي يطلق تصريحات ومواقف تدين كافة الأنظمة , وأخذ يدعو إلى الجهاد على
على المنظومات السياسية القائمة وفي تصريحه لصحيفة الانقاذ الوطني السودانية قال الغنوشي: والجهاد ضدّ أنظمة الكفر والاستبداد والعشائرية والتجزئة والولاء للأجنبي - وتكاد أنظمة العالم الاسلامي لا تخرج من هذه الأوصاف - فانّ للأمة الاسلامية أن تنهض بمهام الصراع الحضاري والشهادة للمشروع الحضاري الاسلامي , فلا مناص من تركيز الجهد الجماهيري على مجاهدة هذه الأنظمة الخائنة لتعريتها وتوهينها وارضاخها لسلطة الشعب والاطاحة بها (3) .
وهذا الكلام الذي كررّه راشد الغنوشي في أكثر من مكان وأدلى به لأكثر من منبر إعلامي أخذ يطلقه بعد مغادرته تونس حيث حكم عليه بالسجن المؤبّد .
ويمكن القول أنّ الغنوشي بات مقتنعا أنّ الديموقراطية هي حكر على طبقة سياسية معينة , وفي حال حققّ التيار الإسلامي لأيّ نجاح وعبر القواعد المعترف بها فانّ مصير هذا التيار وعاقبته ستكون على وتيرة ما حدث في الجزائر عندما ألغت الدبابة المشروع الديموقراطي,
وعندما أسقطت الدبابة اختيار الشعب الجزائري .
المنطلقات الفكرية لحركة الاتجاه الإسلامي:
تعتبر حركة الاتجاه الإسلامي جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي التونسي وهي وإن لم تتمكّن من التحول إلى الرقم الصعب في المعادلة السياسية التونسية , الاّ أنّها أستطاعت أن تهزّ الواقع السياسي والذي كانت ترسم مساراته ومنحنياته القوى العلمانية والتغريبية .
وعندما تأسست حركة الاتجاه الإسلامي كان المناخ السائد في تونس مناخا تغريبيا تتجلى فيه الأنماط الغربية بكل صورها , وكان مشروع حركة الاتجاه الإسلامي مناقضا لمشروع الحكم والقوى السياسية التي كانت تسبح في فلك السلطة .
وكانت حركة الاتجاه الإسلامي ضدّ العلمانية مع الإسلام الحضاري , ضدّ الظلم مع الدولة العادلة ودولة الانسان والعدالة , ضدّ الأحادية السياسية مع التعددية السياسية والإعلامية , ضدّ اغراق تونس في التبعية للغرب ومع عودة تونس إلى أصالتها وشخصيتها في نطاق المنطلقات الإسلامية , ضدّ مشروع بورقيبة الذي أغرق تونس في كمّ هائل ولا حدود له من المعضلات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والمعيشية , مع مشروع مغاير هو مشروع دولة الإسلام .
صحيح أنّ الغنوشي لم يكن يطرح هذا الطرح بشكل مباشر الاّ أنّه وفي خطابات حركة الاتجاه الإسلامي كان يركّز على ضرورة المشروع الإسلامي وجاهزيته لقيادة الأمة .
وفي كتابه الحريات العامة في الدولة الإسلامية يقول راشد الغنوشي: أنّ السلطة وظيفة اجتماعية لحراسة الدين والدنيا والقيمّون على الدولة ليسوا الاّ موظفين وخدّاما عند الأمة, والسلطة هي مدنيّة على كل وجه لا تختلف عن الديموقراطيات المعاصرة الاّ من حيث علوية سيادة الشريعة الإسلامية أو التقنين الإلهي على كل سيادة أخرى في هذا النظام , أمّا ما تبقى فهو وسائل يؤخذ بها على قدر مساهمتها في تحسين أداء تلك الوظيفة ألا وهي في دحض الظلم وإقامة العدل على مقتضى الشرع الإلهي أي بحسب ما نصّ عليه أو تضمنّه أو بحسب ما لايخالفه .
ويتضح من خلال هذا الكلام أنّ راشد الغنوشي كان يملك تصورا لما يجب أن تكون عليه الدولة أو السلطة , وهذا النموذج الذي كان يتحدث عنه مغاير كل المغايرة لما كان سائدا في المنظومة السياسية التونسية , وقد فهمت السلطة التونسية أنّ الغنوشي ومن خلال هذا الطرح إنمّا يعمل على قيادة انقلاب شامل على البورقيبية في أبعادها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية , وأنّه يعمل وحركة الاتجاه الإسلامي من منطلق نسف المنطلقات الإيديولوجية الذي قام عليها نظام الحبيب بورقيبة في تونس , وكانت دوائر القرار في تونس تتخوّف أن يتحوّل هذا الجنين إلى غول خطير يأكل اليابس والأخضر في المستقبل القريب , ومثلما كان لحركة الاتجاه الإسلامي مشروعها في التعاطي مع النظام القائم والمجتمع , كان النظام القائم يملك استراتيجية تعتمد في الراهن على الاستئصال , وفي المستقبل على المجابهة الشاملة … (1) انظر كتاب الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر ليحي أبوزكريا , الصادر عن دار التعارف في بيروت .
(2) الحريات العامة في الدولة إلاسلامية لراشد الغنوشي , و حركة الاتجاه الإسلامي للغنوشي أيضا .
(3) صحيفة الإنقاذ الوطني السودانية في تاريخ 25-04-1991 .
لم يكن في نيّة مؤسس حركة الاتَّجاه الإسلامي (راشد الغنوشي) أن تكون حركته حركة ثورية تغيّر الواقع العلماني في تونس عن طريق (الحتميّة الثورية) , وإعجاب الغنوشي بمشروع الثورة الإيرانية هو إعجاب بمشروع الثورة بشكل عام , وإذا كانت الظروف سنحت لهذه الثورة أن تنتصر في أرض فارس , فقد لا تسنح الظروف لأن تنتصر ثورة مماثلة في حقول جغرافية أخرى .