وما تخلف المسلمون إلا لأنهم فرطوا في سنن الرقي والتقدم، وارتفع غيرهم بسنن لله وقوانين في هذا الكون لا ترحم أحدًا، إن تمسك بها الكافر وصل، وإن أخذ بها المسلم وصل، فتخلف المسلمون عن ركوب صهوة تلك السنن وامتلاك ناصية العلم بها كما كان أسلافهم من قبل، واشتغلوا زمنًا بأفكار وثقافات بالية من علم الكلام والتصوف والجمود المذهبي، وتمسك بها الغربيون، فكان الفضل والسبق للمتقدم.
وما تفوق الحضارة المادية الغربية في هذا العصر، إلا درسًا ضربه الله لنا مثلا وعبرة، لمن يعتبر بسنة التولي والعجز والهوان المفضية إلى الاستبدال. فالأيام والحضارات دول بين الناس، يتولاها القوي حين يعجز عن قيادتها الضعيف.
وليس المراد هنا أن يستبدل الله مؤمنا بكافر استبدال اصطفاء، فذلك محال لقوله - تعالى: (( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) )، ولكن المراد استبدال الدور الحضاري للأمم بعلو أهل الباطل، إملاء واستدراجا، حين يضعف أهل الحق ويتولون عن مقام القيادة والريادة، كما قال - تعالى: (( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ) [آل عمران: 140] .
أما استبدال الاصطفاء فلا يكون إلا للمؤمنين، كما في قوله - تعالى: (( هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) ) [محمد: 38] .
فالتفوق العلمي والمدني للغرب اليوم شبيه بدرس الغراب يستفيد منه بنو آدم في كل عصر، كما يقول الأستاذ المفكر محمد ابريش:"إن الغرب في هذا الزمان شبيه بغراب بعثه الله في هذا الزمان، ليرينا كيف نواري سوءاتنا الفكرية، ونعالج جراح هزائمنا الحضارية" [5] .
ونحن لا ننسى أن الغرب كان سببًا في كثير مما أصاب الأمة من ويلات، بما كسبت أيدينا، لما وجد فينا من القابلية لذلك، لكننا اليوم مع ذلك نتلوا بلسان حالنا قوله - تعالى: (( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ) ) [المائدة: 31] .
ولن يرتفع عن الأمة هذا الغبن إلا إذا سلكت سبيل التعلق بسنن الله الشرعية والكونية في رقي الأمم وانعتاق الشعوب والحضارات من أسر التبعية، وهي سنن لا ترحم أحدًا...
[1] - روح المعاني للألوسي 1/3.
[2] - الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي.
[4] - انظر مقدمة ابن خلدون: 147.
[5] - محاضرة توجيه النظر إلى تجارة الفكر، ألقاها بجامعة ابن طفيل، القنيطرة المغرب، عام 1419هـ 1998.
بوش يتحمل مسؤولية موقفه من البيئة وكيوتو... كاترينا: هشاشة العلاقة بين مدن الحضارة وأرضها
الاربعاء:14/09/2005
(الشبكة الإسلامية) الحياة
مشهد عجيب
انه الماء. انه الماء. هل بات قاتلًا لإنسان القرن 21؟ انه الماء: بدءًا من غرق مدينة كوزموبوليتية فوّارة مثل نيواورلينز بمياه بحيرة بونتشارترين ونهر المسيسيبي، الى غرق الزوار في ماء دجلة، ووصولًا الى ماء المحيط الهادئ الذي حمله التسونامي الى دول جنوب آسيا وشرقها. هل بات الماء مُعادلًا للموت راهنًا؟ كأن الحضارة على عكس أخيلتها، بما في ذلك ما يرويه العلم، عن اتصال الماء بالحياة. ظهرت الحضارات الأولى على ضفاف الماء في الهند والصين ومصر.
وعلى النقيض من ذلك، تبدو مدن حضارة القرن العشرين وكأنها على خوف من الماء. أمطرت في أوروبا قبل صيف، فغرقت مدن كبرى بالماء، من ضفاف نهر الدانوب إلى نهريّ السين واللوار ووصولًا الى جوار سدود درسدن وبراغ.
ستينات الحداثة المتوثبة تلاها تراجع
الأرجح أيضا انه الإنسان، وليس الماء ولا الطبيعة. لا تسقط طائرات الشارتر لأن البيئة قست عليها، بل لأن جشع الشركات يصر على استخدامها فوق طاقتها، مع التهرّب من الصيانة المُناسبة. هَوَت الكونكورد محترقة في مطار شارل ديغول لأن قطعة معدنية تركتها يد الإهمال على المدرج كانت كافية لاحراقها. غرقت الغواصة النووية كورسك في بحر الشمال، قبل 5 سنوات، لأن الدولة التي تمتلكها (روسيا) باتت اقل اقتدارًا في ادارة تلك الأداة المتقدمة علميًا.
وفي تلك الأحوال، بدا واضحًا إن علاقة الإنسان المعاصر مع الوسائط العلمية الكبرى في المواصلات، باتت عرضة للاهتزاز. ومع تهاوي نيواورلينز أمام الإعصار، بدت إحدى المدن الأكثر تقدمًا في العمران والاجتماع المعاصرين وكأنها لا تقوى على مقاومة عنصر طبيعي مألوف نسبيًا. يشكل ذلك كله أفقا متراجعًا، بالنسبة إلى الطموح الإنساني في السيطرة على الطبيعة وعناصرها، والذي يمثّل العلم واحدًا من وجوهه البارزة. ويبدو ذلك خلافًا الأجواء المتوثبة والمتفائلة (والارادوية الى حد كبير) التي وصلت إلى ذروتها في ستينات القرن العشرين. فمثلًا، مع الوصول إلى القمر، بدا الفضاء الكوني وكأنه ملعب مفتوح أمام قدرة العقل الإنساني على استكشاف الكون. أين توثّب العقل والإرادة هذا، من الحذر والخوف، اللذين سادا مشاهد احتراق المكوكين تشالنجر وكولومبيا، والهلع الذي رافق مشاكل المكوك ديسكوفري أخيرًا. لقد صار مجرد الصعود إلى الفضاء الخارجي مغامرة غير مأمونة، بعد إن كانت النجوم حلمًا دانيًا. وفي سياق مشابه، يمكن القول إن الكونكورد كانت وعدًا علميًا كبيرًا. حمل في افقه إن تصبح المسافة بين أقصى نقطة في العالم وأقصاها اقل من رحلة داخلية، كأن تكفي ثلاث ساعات مثلًا لقطع المسافة بين باريس ونيويورك.
حلم خبا ثم اندثر على أرض مطار شارل ديغول. وعلى رغم التجربة المُرّة مع القنبلة الذرية، إلا إن المفاعلات الذرية كانت تنتشر، واعدة بتطويع اعتى قوة عرفها الإنسان إلى الآن، لمصلحة التقدم البشري، بما في ذلك استخدام الذرة في اكتشاف الكون، وتطويع الزمن مع نسبية اينشتاين. ثم جاء انفجار مفاعل تشيرنوبيل ليتحوّل التوثّب خوفًا. وذوت تلك الأحلام العلمية مجددًا مع غرق الغواصة كورسك، التي يديرها محرك ذري.
ويمكن تبسيط الأمر بالقول إن الستينات مثلت صعودًا متفاخرًا للعقل الإنساني، وتحديدًا للعقلانية. ولربما كانت الإرادة في السيطرة على الطبيعة مُبالغة في التفاخر الى حد فقدان التحفظ العلمي وتواضعه، وكذلك حسه النقدي. وأيًا كان الأمر، فان مزاجًا مختلفًا كان سائدًا في شكل عام. والأرجح إن اللحظة الراهنة تمثل شيئًا ما يعاكسه، أو على الأقل لا يشبهه كثيرًا. هل انه تبسيط مُخلّ؟ ربما. ثمة تبسيط آخر، يتردد كثيرًا، إذ يساوي البعض ميكانيكيًا بين صعود الحداثة (ويعتبر انه وصل ذروته في تلك الستينات) وبين مزاج ما بعد الحداثة السائد راهنًا. ويحتاج هذا التبسيط الى نقاش من نوع آخر.
بين كيوتو ونيواورلينز
الأرجح إن الحدث الطبيعي لا يكفي وحده لصنع كارثة. فعلى موقع «مؤسسة مراقبة