فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 2255

= أن الصِّدام المباشِر ، والمساس الواضِح أبلغ وأيقَظ للقلوب .. وهذا يُبيِّن مدى خطورة الغزو الفكري ، وأنه أخطر من الغزو العسكري - وإن كان مُدمِّرًا - .

ذلك أن اليهود والنصارى يقولون في الله قولًا عظيمًا .. ومع ذلك وُجِد من يُحبّهم أو يتعاطَف معهم .. إلا أن هذا الذي صَدَر من نصارى ( الدانمارك ) أيقظ في الأمة قلوبًا غافلة ، أو مُستَغفَلة ! ..

فالنصارى قالت قولًا عظيمًا في الله من قَبْل ومن بعد .. قالوا في الله قولًا عظيمًا (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا(90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) .

وما قالته النصارى في حقّ الله أعظم وأكبر ..

وقد أخبر الله وخبره الحقّ ، وقال وقوله الصِّدْق (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) .

وإن تلك الحملات الشعواء على الإسلام وأهله .. لم تُغيِّر قناعات الشعوب ..

يقول مُحدِّثي: سَافَرْتُ إلى بلد أفريقي في رِحلة عمل .. فاقتضى الأمر أن أتعامل مع (أفريقي نصراني) .. فلما انتهى تعاملنا معه .. سألناه عن أفضل مدينة سياحية في بلدهم .. فأرشدنا إليها .. فسألناه عن طبيعتها وأمْنِها .. فأخبرنا أن غالبية سُكانِها من المسلِمين ..

يقول صاحبي:

فسألته: كيف تكون الأكثر أمْنًا وغالبية سُكانها من المسلمين ؟ .. مع ما نسمع في وسائل الإعلام عن المسلمين ؟!

فقال النصراني: هذه جعجعة إعلامية !

نحن نعرف المسلمين .. فَدِينُهم يأمرهم بذلك !

يقول: فتعجّبت من شهادة النصراني وهو في بلده ..

إن ما يُقال أو يُثار ضد الإسلام أو ضدّ نبيِّه صلى الله عليه وسلم يسوء كل مسلم ..

إلا أنّ هذا الشرّ لا يَخلو من خير ..

هُم يُريدون أمرًا .. والله يُريد أمرًا .. (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)

دبّروا .. ومكروا .. وقلّبوا الأمور .. فأبْطَل الله سعيهم .. ووردّ كيدهم في نحورهم .. وحاق بهم مكرهم ..

وهذه سُنَّة الله في نصر أوليائه ، وخُذلان أعدائه ..

لقد سَعى المنافقون بكل حيلة .. فَصَرّفوا الأمور ، وأرادوها ظهرا لبطن ، وبَطْنًا لِظَهْر وطلبوا بكل حيلة إفساد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

فَنَصَرَ الله نبيّه .. وأظْهَر دينه ..

قال تعالى: (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ)

(وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ) أي دَبَّرُوها من كل وجه ، فأبْطَل الله سعيهم . كما قال ابن جُزيّ .

قال ابن كثير: يقول تعالى مُحَرِّضًا لِنبيه عليه السلام على المنافقين (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ ) ، أي لقد أعْمَلُوا فكرهم ، وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك ، وخُذلان دِينك وإخماده مدة طويلة ؛ وذلك أول مَقْدَم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة رَمَتْه العرب عن قوس واحدة ، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها ، فلما نصره الله يوم بدر ، وأعلى كلمته ، قال عبد الله بن أبي وأصحابه: هذا أمْرٌ قد تَوَجَّه ! فَدَخَلُوا في الإسلام ظاهرا ، ثم كلما أعَزّ الله الإسلام وأهله غاظهم ذلك وساءهم ، ولهذا قال تعالى: (حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) . اهـ .

وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على نُصْرَة هذا الدِّين ..

فقال عليه الصلاة والسلام: ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وَبَر إلا أدخله الله هذا الدين ، بِعِزّ عزيز ، أو بِذُلّ ذليل ، عِزًّا يعز الله به الإسلام ، وذلا يذل الله به الكفر . رواه الإمام أحمد .

والله ليكونن هذا وإن رَغِمَتْ أنوف !

والله ليُتمَّنّ الله نوره ولو كَرِه الكافرون ..

مِن دعاء عمر رضي الله عنه في القنوت:

اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يُكذبون رسلك ، ويقاتلون أولياءك ، اللهم خالف بين كلمتهم ، وزلزل أقدامهم ، وأنزل بهم بأسك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين . رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي .

الفكر طبيعته وأهميته

أ.د. عبدالكريم بكار

كلمة (الفكر) والتفكير والأفكار من الكلمات الشائعة جدًا على ألسنة العامة والخاصة اليوم ؛ وعند عودتنا إلى معاجم اللغة نجد أنها تعرف الفكر بأنه:

(إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة مجهول) .

ويقولون: فكّر في مشكلة: أعمل عقله فيها ليتوصل إلى حلها [1] .

ولعلنا نعرف التفكير بأنه (إعمال الإنسان لإمكاناته العقلية في المحصول الثقافي المتوفر لديه بغية إيجاد بدائل أو حل مشكلات أو كشف العلاقات والنسب بين الأشياء) [2] .

ومن خلال هذا التعريف ندرك أن الفكر ليس شيئًا مطابقًا للأحكام والمبادئ ، ولا مطابقًا للثقافة أو العقل أو العلم ، وإنما هو استخدام نشط لكل ذلك بغية الوصول إلى المزيد من الصور الذهنية عما يحيط بنا من أشياء وأحداث ومعطيات حاضرة وماضية وتوسيع مجال الرؤية لآفاق المستقبل .

وبناء على هذا فإن العالم غير المفكر ، فقد يكون المرء عالمًا ولايكون مفكرًا . وقد يكون مفكرًا ولايكون عالمًا ، وذلك لأن الميدان الأساس للعلم هو الإلمام بالجزئيات ؛ أما ميدان الفكر فهو إبصار (الكليات) والاشتغال عليها ؛ وقليل أولئك الذين يسمح لهم الاشتغال بالجزئيات بالتوجه إلى النظر الكلي ، كما أن طبيعة الاشتغال بالقضايا الكبرى (تزهد) المفكرين في الاهتمام بالمسائل الجزئية ، حيث يرون أنها مندرجة في أنظمة أشمل تتحكم فيها .

ومع افتراق الطبيعتين إلا أن هناك خطوطًا عريضة تجمع بينهما أهمها:

أن كلًا من المعطيات الفكرية العامة والجزئيات العلمية الصغيرة يميل إلى الظن والتخمين والبعد عن اليقين ؛ وذلك بسبب أن الجزئيات هي مناط الاجتهاد ، ونتائج الاجتهاد تكون في الغالب ظنية ، كما أن وفرة العناصر والمعطيات التي تساعد في تكوين الرؤى الكلية تجعلها بعيدة أيضًا عن الصلابة والجزم ؛ لكن (الإحالات الثقافية) والخبرات المتراكمة تنقلها إلى حيز اليقين أو الرفض أو التعديل بعد مدة زمنية معينة .

لكن هذا لايهوّن أبدًا من شأن المعطيات الفكرية ؛ فقد أثبتت التجربة التاريخية أنه (لاشيء يضيع) ؛ فالفكرة مهما كانت ، تترك انطباعا معينًا سلبيًا أو ايجابيًا ؛ فقد تشكك في مسلمة من المُسلّمات ، وقد تعزز ظنًا من الظنون ، وقد تنبه إلى شيء منسي ، وقد تنقذ أمة من كارثة محققة ! !

وكثيرًا ما يحدث أن تأتي الفكرة قبل أوانها أو في غير محيطها ؛ فلا تحدث اضطرابًا في الواقع العملي ، وهي أيضًا لا تضيع لأنها ستشكل الخميرة التي سوف تنبت يومًا ما أفكارًا أو حلولًا حين تجد المناخ المناسب [3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت