ولست أدري هل غفل هؤلاء عن الدولة الإسلامية المترامية الأطراف - والتي استمرت لمدة تقرب من الأربعة عشر قرنًا - وعاش في ظلها غير المسلمين أحسن من عيشتهم في ظل دياناتهم ، مع أن الصليبيين حينما احتلوا الأندلس لم يبقوا فيها مسلمًا واحدًا ظاهرًا إسلامه على عكس وضع كل الطوائف في الدولة المسلمة، بل إن اليهود استمروا تحت حكم هذه الدولة الإسلامية على دينهم طوال هذه الفترة.
د- القول بتغير الفتوى بتغير الزمان: فالعلمانيون يذكرون هذه القاعدة في أكثر كتاباتهم، ويلفون حولها ويدورون ، ويقيمون الحجج لها، وينقلون النصوص ، ويحشدون أقوال السلف على صحتها وأهميتها، وهذه قاعدة صحيحة لا غبار عليها، وقد بحثها علماء الإسلام بحثًا دقيقًا وأصّلوها تأصيلًا شرعيًا، ولم تحتجْ الأمة إلى العلمانيين كي يذكروها بها، ويفردوا الصفحات في كتبهم لمناقشتها، ولكن من يناقش وهو معظِّم لنصوص الشريعة ومحترم لها، غير من يناقش لكي يسقط بعض أحكام الشريعة، ولهذا لم يورد العلمانيون أن هذه الفتاوى التي تتغير بتغير الزمان والمكان إنما هي الفتاوى الاجتهادية في أحكام المعاملات ، أما العبادات وأحكام الأسرة والمواريث فهي ثابتة لا تتغير"ونص هذه القاعدة عام في ظاهره ، فالتغير في الظاهر شامل للأحكام النصية وغيرها، ولكن هذا العموم ليس مقصودًا ؛ لأنه اتفقت كلمة الفقهاء على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس إنما هي الأحكام الاجتهادية فقط ، المبنية على المصلحة، أو على القياس أو على العرف ، أو على العادة، وعلى ذلك فالأحكام النصية ثابتة لا تقبل التغيير، ولا تدخل تحت هذه القاعدة وقد رأى بعضهم أن يكون نص القاعدة"لا يُنكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الزمان"دفعًا لهذا اللبس وهذا قيد حسن" (8) ، وعمومًا ففتاوى علمائنا شاهدة على تطبيق هذه القاعدة بدون أن يلفت العلمانيون انتباههم إليها.
الهوامش:
1 -بل إن بعض الاحزاب أصدرت أوامر إلى بعض مفكريها بأن يطرحوا أنفسهم من جديد بشكل إسلامي .
2-فؤاد زكريا، الصحوة الإسلامية في ميزان العقل ، ص39-40.
3-انظر: العلمانية والدولة الدينية لشبلي العيسمي ، ص10 ، وص180 ومراجع أخرى، وكثيرًا ما تُذكر هذه القاعدة في كتب العلمانيين وأشباه العلمانيين ، وردًا على هذه الشبهة يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه"أحمد بن حنبل"، ص359 أن هذا الرأي"رأي شاذ بين علماء الجماعة الإسلامية"، ويقول في صفحة 363 عن الطوفي واتهامه بالتشيع"إن مهاجمته للنصوص ونشر فكرة نسخها أو تخصيصها بالمصالح هو أسلوب شيعي..."نقلًا عن مفهوم تجديد الدين لبسطامي سعيد.
4-العلمانية والدولة الدينية ، شبلي العيسمي ، ص140.
5-راجع فصول الاجتهاد وأحكامه في كتب أصول الفقه ، وكتاب إعلام الموقعين ، لابن القيم ، حول ضوابط الاجتهاد ومجالاته وشروطه.
6-مجلة"فكر"، فبراير عام 85م ، مقال مفهوم العلمانية، ص71 ، بقلم فضل شلق .
7-مجلة"فكر"، فبراير عام 85م ، مقال مفهوم العلمانية، ص74، بقلم فضل شلق.
8-الوجيز في إيضاح قواعد اللغة الكلية ، د.محمد صدقي البورنو ، ص254، وانظر في تبيين مسألة تغير الفتوى بتغير الزمان رسالة"الاجتهاد"للشيخ صالح الفوزان ، وانظرها في مواضعها في كتب أصول الفقه والقواعد الفقهية.
مجلة البيان
الأمة بين الصالح والصالح المصلح
طارق حسن السقا
في محطة القطار اجتمعوا ليودعوا صديقهم المسافر إلى مدينة الإسماعيلية - شمال مصر- ليتسلم عمله الجديد هناك . وفي انتظار وصول القطار امضوا وقتهم يتجاذبون أطراف الحديث. كان من بين المودعين رجل ذو تقوى وصلاح . كان آخر ما قاله وهو يودع الصديق المسافر:
إن الرجل الصالح يترك أثرا صالحا أينما حل .
ونحن نأمل أن يترك صديقنا أثرا صالحا في هذا البلد الجديد عليه""
صافرات القطار قطعت شجون حديثهم , فهموا بوداع صديقهم الذي استقل القطار وجلس وحيدا يفكر في المجهول الذي ينتظره في الإسماعيلية , وفي تلك الكلمات التي سمعها والتي أخذت مكانها في نفسه , و التي عاش بها وعاش لها بقية حياته والتي لم تدم طويلا .
إن تلك النصيحة التي قيلت للمسافر منذ ما يقرب من نصف قرن بينت له ووضحت أن هناك فرقا بين الصالح و الصالح المصلح. و أن المسافة بين الصالح , والصالح المصلح مسافة شاسعة . لذلك أيقن الرجل حينها أن الأمة ليست في حاجة إلى نموذج الفرد الصالح , بقدر حاجتاها إلي نموذج الفرد الصالح المصلح الذي يجب أن يترك أثرا صالحا أينما حل وأينما نزل وأينما تواجد . هكذا فهم المسافر , وهكذا عمل , ومن ثم أخذ يورث الفكرة إلي طلابه وأحبابه وإخوانه في كل مكان . وهذا ما يجب أن نؤمن به نحن اليوم .
فالواقع البئيس للأمة اليوم يدعونا أن نتساءل عن جدوى وجود أهل الصلاح و أهل التقوى في مجتمعات لا يعود تأثيرهم علي من يحيون داخل هذه المجتمعات ؟!!! وما جدوى وجود أهل العلم وأهل الخير كل داخل محرابه يصلي لله, ويعبده حق عبادته , بينما المجتمع من حولهم يعج بصنوف الفساد والمفسدين ؟!!! ما فائدة علم لا ينفع المجتمع ولا ينهض به ولا يعالج مشكلاته ويضمد جراحاته ؟!!! . ما فائدة أبحاث ودراسات مؤلفات بذلت فيها الجهود الميدانية المضنية ومع ذلك انتهى بها المقام إلى أن تكون حبيسة الأدراج ؟!!!.
إن الأمة أحوج ما تكون إلي نموذج الفرد الصالح المصلح. الذي يتحرك بصلاحه وعلمه ,وفقهه , وأخلاقه, وسلوكه بين الناس .يعيش في قلب الواقع بحلوة ووحله . يوقظ النائم . يذكر الغافل. ينصح المقصر . ينبه العاصي .يشجع الجاد . يحي السنة ويميت البدعة. يرد الناس إلى الله ردا جميلا .. يأمر بالمعروف بمعروف. وينهى عن المنكر بمعروف . يرد الظالم عن ظلمه .يرد الناس إلى الله , والي منهج الله , والى كتاب الله . يحبب عباد الله إلى الله , ويحبب الله إلى عباده. والا فما فائدة صلاح الصالحين , وعلم العالمين, وتقوى المتقين دون أن يكون لها اثر ومردود؟
إن مشكلة الكثيرين منا أننا نخلط بين الوسائل والأهداف . فمثلا الصلاة والزكاة والصيام والحج ما هي إلا وسائل. وسائل الهدف منها خلق إنسان صالح في المجتمع .هذا الإنسان الصالح إذا ما تحقق في المجتمع ووجد , فيجب أن يكون لها دور في العمل وفي الإصلاح. دور في البناء, و في تقليل هوامش الفساد في المجتمع. دور في جعل الإنسان يعيش على هذه الأرض بالطريقة التي يحبها الله ورسوله. وليس مطلوبا منه أن ينعزل عن الناس ومشاكلهم وهمومهم .
أما أن يصلي المصلون ولا يكون لصلاتهم مردود في ارض الواقع ,أو يصوم الصائمون ولا يكون لصيامهم اثر يعود بالنفع على من هم حولهم . أن يذهب الحجيج في رحلات شاقة يحجون فيها أو يعتمرون ويعودون بلا مردود يجود الواقع الذي يعيشون فيه . فهذا هو الخلل , بل هو الخلل الكبير . نفس الخلل - بل وأفظع منه - أن يتواجد في المجتمع عدد من الصالحين ولا يكون لهم لا مردود ملموس , ولا تأثير ايجابي على المجتمع الذي يعيشون فيه .