يقول كرومر: ( إن المصري المتحرر يسبق الأوربي المتحرر في التنور، وحرية الفكر والحيرة، إنه يجد نفسه في بحر هائج لا يجد فيه سكانًا ولا ربانًا لسفينته، فلا ماضيه يضبطه، ولا حاضره يفرض عليه الحواجز الخلقية، إنه يشاهد أن الجمهور من مواطنيه يعتقدون أن الدين يعارض( الإصلاحات ) التي يراها جديرة كل الجدارة بالنفاذ، إن ذلك يثير فيه السخط، والكراهية الشديدة للدين الذي يؤدي إلى مثل هذه النتيجة، فيدوسه بقدمه وينبذه بالعراء، إنه إذا قطع الصلة عن دينه وتعاليمه فلا يحجزه عن التورط في المزالق الخلقية إلا مصلحته الشخصية السافرة، مع أن الأوربي الذي يحرس على تقليده، لا يزال متقيدًا بشرائع أمته الخلقية. إن المجتمع الذي يتكون من مثل هؤلاء الأفراد المتحررين في مصر، لا ينكر على الكذب والخديعة إنكارًا شديدًا، ولا يمنعه من ارتكاب الرذائل خوف سوء الأحدوثة في المجتمع، إنه إذا رفض دين آبائه، فإنه لا يلق عليه نظرة عابرة، إنه لا يرفضه فحسب، بل يرفسه ويركله برجله، إنه يترامى في أحضان الحضارة الغربية متعاميًا عن كل حقيقة، ويغيب عنه أن الجانب الزاهر البراق للحضارة الغربية ليس إلا الجانب الخارجي من جوانب هذه الحضارة، إن الحقيقة أن القوة الخلقية التي تنبع من التعاليم المسيحية هي التي تضبط سفينة الحضارة الغربية وتمنعها من الاضطراب الزائد في البحر الهائج، ولما كانت هذه القوة قوة باطنية، فإنها تتوارى في غالب الأحيان عن أنظار المتشبهين الزائفين بأبنائها الحقيقيين، إنه يحلف ويقول: إنه نبذ التعصب الديني، وأنه يحتقر تعاليم آبائه. إنه يقول لزميله الأوربي: إننا أصبحنا نملك الخط الحديدي، وقد أسسنا في بلادنا مدارس عصرية، وأنشأنا الجرائد والمحاكم، ومظاهر الحياة الحديثة، والمدنية العصرية التي تتكون منها حضارتكم، فكيف نُعتبر متخلفين عنكم وأحط شأنًا منكم؟ إنه يجهل أنه لا يستطيع أن يجاري زميله الغربي ويكون ندًا له، فإن المسيحي المتحضر وإن لم يكن راسخًا في دينه، ولكنه إلى حد كبير نتاج المسيحية، فإن لم تكن المسيحية التي مضى عليها ألف وتسع مائة سنة رصيده وسنده، لم يكن قط حيث هو الآن) . ( مصر الحديثة، لكرومر ، 2/232 ) .
وصدق الله تعالى: ( إذ تبرأ الذين اتبِعوا من الذين اتبَعوا ) فهل من معتبر ؟
الفكر العلماني
سعيد بن ناصر الغامدي
السؤال
من هم العلمانيون؟ وماذا يريدون؟ وما هي صفاتهم؟ وما هو السبيل إلى معرفتهم والرد على أفكارهم؟ أرجو من فضيلتكم التوضيح والتفصيل.
الجواب
العلمانيون هم: كل من ينسب أو ينتسب للمذهب العلماني، وينتمي إلى العلمانية فكرًا أو ممارسة.
وأصل العلمانية ترجمة للكلمة الإنجليزية (secula صلى الله عليه وسلم ism) وهي من العلم فتكون بكسر العين، أو من العالَم فتكون بفتح العين وهي ترجمة غير أمينة ولا دقيقة ولا صحيحة، لأن الترجمة الحقيقية للكلمة الإنجليزية هي (لا دينية أولا غيبية أو الدنيوية أولا مقدس) .
نشأت العلمانية في الغرب نشأة طبيعية نتيجة لظروف ومعطيات تاريخية -دينية واجتماعية وسياسية وعلمانية واقتصادية- خلال قرون من التدريج والنمو، والتجريب، حتى وصلت لصورتها التي هي عليها اليوم..
ثم وفدت العلمانية إلى الشرق في ظلال الحرب العسكرية، وعبر فوهات مدافع البوارج البحرية، ولئن كانت العلمانية في الغرب نتائج ظروف ومعطيات محلية متدرجة عبر أزمنة متطاولة، فقد ظهرت في الشرق وافدًا أجنبيًا في الرؤى والإيديولوجيات والبرامج، يطبق تحت تهديد السلاح وبالقسر والإكراه؛ لأن الظروف التي نشأت فيها العلمانية وتكامل مفهومها عبر السنين تختلف اختلافًا جذريًا عن ظروف البلدان التي جلبت إليها جاهزة متكاملة في الجوانب الدينية والأخلاقية والاجتماعية والتاريخية والحضارية، فالشرط الحضاري الاجتماعي التاريخي الذي أدى إلى نجاح العلمانية في الغرب مفقود في البلاد الإسلامية، بل فيها النقيض الكامل للعلمانية، ولذلك كانت النتائج مختلفة تمامًا، وحين نشأت الدولة العربية الحديثة كانت عالة على الغربيين الذين كانوا حاضرين خلال الهيمنة الغربية في المنطقة، ومن خلال المستشارين الغربيين أو من درسوا في الغرب واعتنقوا العلمانية، فكانت العلمانية في أحسن الأحوال أحد المكونات الرئيسية للإدارة في مرحلة تأسيسها، وهكذا بذرت بذور العلمانية على المستوى الرسمي قبل جلاء جيوش الاستعمار عن البلاد الإسلامية التي ابتليت بها.
ومن خلال البعثات التي ذهب من الشرق إلى الغرب عاد الكثير منها بالعلمانية لا بالعلم، ذهبوا لدراسة الفيزياء والأحياء والكيمياء والجيولوجيا والفلك والرياضيات فعادوا بالأدب واللغات والاقتصاد والسياسة والعلوم الاجتماعية والنفسية، بل وبدراسة الأديان وبالذات الدين الإسلامي في الجامعات الغربية، ولك أن تتصور حال شاب مراهق ذهب يحمل الشهادة الثانوية ويلقى به بين أساطين الفكر العلماني الغربي على اختلاف مدارسه، بعد أن يكون قد سقط أو أسقط في حمأة الإباحية والتحلل الأخلاقي وما أوجد كل ذلك لديه من صدمة نفسية واضطراب فكري، ليعود بعد عقد من السنين بأعلى الألقاب الأكاديمية، وفي أهم المراكز العلمانية بل والقيادية في وسط أمة أصبح ينظر إليها بازدراء، وإلى تاريخها بريبة واحتقار، وإلى قيمها ومعتقداتها وأخلاقها -في أحسن الأحوال- بشفقة ورثاء، إنه لن يكون بالضرورة إلا وكيلًا تجاريًا لمن علموه وثقفوه ومدّنوه، وهو لا يملك غير ذلك.
ثم أصبحت الحواضر العربية الكبرى مثل: (القاهرة-بغداد-دمشق) بعد ذلك من مراكز التصدير العلماني للبلاد العربية الأخرى، من خلال جامعاتها وتنظيماتها وأحزابها، وبالذات دول الجزيرة العربية، وقل من يسلم من تلك اللوثات الفكرية العلمانية، حتى أصبح في داخل الأمة طابور خامس، وجهته غير وجهتها، وقبلته غير قبلتها، إنهم لأكبر مشكلة تواجة الأمة لفترة من الزمن ليست بالقليلة.
ثم كان للبعثات التبشيرية دورها، فالمنظمات التبشيرية النصرانية التي جابت العالم الإسلامي شرقًا وغربًا من شتى الفرق والمذاهب النصرانية، جعلت هدفها الأول زعزعة ثقة المسلمين في دينهم، وإخراجهم منه، وتشكيكهم فيه.
ثم كان للمدارس والجامعات الأجنبية المقامة في البلاد الإسلامية دورها في نشر وترسيخ العلمانية.
ثم كان الدور الأكبر للجمعيات والمنظمات والأحزاب العلمانية التي انتشرت في الأقطار العربية والإسلامية، ما بين يسارية وليبرالية، وقومية وأممية، سياسية واجتماعية وثقافية وأدبية بجميع الألوان والأطياف، وفي جميع البلدان حيث إن النخب الثقافية في غالب الأحيان كانوا إما من خريجي الجامعات الغربية أو الجامعات السائرة على النهج ذاته في الشرق، وبعد أن تكاثروا في المجتمع عمدوا إلى إنشاء الأحزاب القومية أو الشيوعية أو الليبرالية، وجميعها تتفق في الطرح العلماني، وكذلك أقاموا الجمعيات الأدبية والمنظمات الإقليمية أو المهنية، وقد تختلف هذه التجمعات في أي شيء إلا في تبني العلمانية، والسعي لعلمنة الأمة كل من زاوية اهتمامه، والجانب الذي يعمل من خلاله.