فهرس الكتاب

الصفحة 1504 من 2255

ثم يثني على الآخر البعيد، وهو الغرب الكافر، فيعزو نجاحه وتقدمه المطرد على المستوى السياسي والفكري - حسب تعبيره - إلى إيمانه بمنظومة قيمية، تقوم على القبول بالآخر، والتسامح معه، والحق في الاختلاف، ونسبية الحقيقة، ونسبية المعرفة .. الخ وقد نسي أو تناسى جرائم الغرب التي يرتكبها في كل زمان ومكان لتحطيم المسلمين وإذلالهم وقتلهم وتشريدهم، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر .. ولو صدق لقال إن الهزيمة النفسية، والإعجاب بالغرب الكافر، والخضوع له، هو السبب الرئيس في تخلف المسلمين وتأخرهم، وهو الداء العضال الذي أصاب هذا الكاتب وأمثاله ممن يدعون أنهم من أصحاب الفكر المستنير .

ولا يقف الكاتب عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى إنكار ما يسمى بالغزو الفكري أو الثقافي للعالم الإسلامي في مقال له في الصحيفة ذاتها (عدد: 429) بعنوان (وهم الغزو الثقافي) ويسخر من العلماء والدعاة الذين حذروا من هذا الغزو، كأمثال محمد محمد حسين، ومحمد رشيد رضا ، وقد عد رجوع هذا الأخير عن المنهج العقلي في تفسير النصوص، إلى المنهج السلفي ردة إلى الوراء، ونكوصًا عما أسماه بـ (المشروع النهضوي الكبير) ..!!!

ويعزو لجوء هؤلاء العلماء والدعاة الأجلاء للتحذير من الغزو الفكري إلى العجز الذي ظهرت تجلياته - كم يزعم - في الخطاب الإسلامي عن تقديم بديل سياسي، ثقافي، اقتصادي للمجتمعات الإسلامية، فيلجئون إلى الشعارات المعلبة الجاهزة، والأسطوانات المكرورة، ويعلقون عليها فشلهم الحضاري عن اجتراح البديل .. هكذا يفسر جهود أولئك العلماء والمصلحين .

ثم يخلص إلى القول أن لا قضية حقيقية في هذا الموضوع ، فلا يوجد ثمة غزو ولا من يغزون .. كل ما هنالك أن ثمة حضارة غربية علت وهيمنت .. الخ .

وأقول: هاهنا مكمن الداء، فإن الحضارة الغربية قد علت ماديًا، لكنها روحيًا تتمرغ في الحضيض، ونحن المسلمين ، نحن الأعلون بإيماننا وعقيدتنا ومبادئنا كما قال تعالى: (( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ) (آل عمران:139) .

فمتى ما تخلينا عن عقيدتنا ، وأحسسنا باستعلاء الكافر علينا ، كانت الهزيمة الحسية والمعنوية كما هو حال المسلمين اليوم، وهذا ما يفسر انتصار المسلمين الأوائل الذين لم يعرفوا الحضارة المادية، على أكبر حضارتين في العالم آنذاك: فارس والروم .

وختامأً: فإني أنصح هذا الكاتب بتقوى الله عز وجل، وأن يكف عن لمز المؤمنين ، وتنفير الناس عن منهج السلف، فالخير كل الخير في اتباع منهج السلف الصالح .

والله ولي التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد .

صناعة الفكر

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد:

ففي هذه الأيام التي لا نزال نلتمس فيها طريق النهضة وطريق التغيير ، نحن بحاجة إلى مفكّرين"فقهاء"علماء ، يعرفون سنن التغيير ، وأمراضنا الاجتماعية ، وواقعنا وواقع غيرنا تمام المعرفة .

وإذا كان الغرب ينتقل إلى الهم الاقتصادي والثورة التقنية ، فإننا في بلاد المسلمين لا زلنا بحاجة إلى التخطيط الفكري ، فإن هذه البضاعة لا تزال عزيزة ، وإذا وُجدت فإنها بضاعة غير رائجة .

ولهذا ، فإن المنزلة الأولى للخطيب والواعظ وصاحب الحديث الجذاب والبلاغة الأدبية ، بينما نرى المجلة الفكرية والمحاضرة الفكرية ثقيلتي الظل على السامع أو القارئ المسلم بشكل عام .

وإذا حدث ودُعيَ مفكر لندوة أو محاضرة ، فهي من باب التملح أو لكسر الروتين السائد .

عندما كان العلماء الفقهاء هم الحكام أو الموجهون ، كانت الأمور تسير سيرًا صحيحًا ، وعندما انفصلت السياسة عن الفكر ، أصيبت بالانحراف ثم بالتدمير ، ونحن لم نمارس هذه الصناعة إلا في القليل ، ولعل السبب في ذلك هو ما تعودنا عليه من حب للسهولة ، فلا نريد أن نتعب أنفسنا بالتفكير العميق في مشكلة من المشاكل ، وكيف تُحل ، وإنما نكتفي بكلام عام وصحيح في نفس الوقت ، كالطبيب الذي يصف لكل مريض أقراص الأسبرين ، فلا هي تضره ولا هي تنفعه النفع المطلوب ، فأنت تسمع من يقول لك: حل المشكلة في الرجوع إلى الله ، وهذا كلام صحيح ، ولكن كيف الرجوع إلى الله ، كيف تُحل العُقد الاجتماعية المتشابكة ، كيف نستفيد من الطاقات ونجمعها ونضعها في موضعها الصحيح ؟ هذا لا جواب عليه .

إننا مطالبون بالتفكير في آيات الأنفس والآفاق ، في أسرار التشريع في سنن التغيير .

وهذا التفكير يأتي بالتأمل والتعمق في فهم الأمور ، يقول الشيخ الأديب"محمود محمد شاكر":"فإن العقل هبة الله لكل حي ، ولكن أساليب تفكيره كسب يكتسبه من معالجة النظر ، ومن التربية ومن التعليم ومن الثقافة ، ومن آلاف التجارب التي يحياها المرء في هذه الحياة"ا.هـ

إننا نتمنى أن يزداد عدد الفقهاء الحكماء ، ليقودوا الأمة ، فإنهم هم المؤهلون لهذا ، وعند فقدهم يسود الأغرار ، وتسود لغة العاطفة التي لا تغني عن الحق شيئًا .

أيها الأخوة الأحباب: يطيب لنا أن نقف وقفة فاحصة مع التفكير الموضوعي ، ولعلها تكون لَبِنة مقبولة صحيحة في الفكر الإسلامي ، تفتح الباب لغيرنا ، يلجه وينهل من معينه ."مجلة البيان"عدد (28) ص (4-6) .

لماذا نفكّر:

التفكير أشق عمل يمكن أن يقوم به الإنسان ، ومن ثمَّ فإن الإنسان لا يلجأ إليه إلا عند الحاجة ، ولسنا نعني بذلك النوع من التفكير الذي لا يخلوا منه أحد ، كالتفكير بتوصيل الأولاد إلى المدرسة ، وكيفية الخلاص من الزحام ، والاتصال بشخص ليس عنده هاتف ، إن هذا التفكير هو نوع من الهموم اليومية التي تتحول مع شيء من التكرار إلى عادات يمارسها الإنسان دون أن يجهد دماغه .

وإنما نعني بالتفكير: ذلك الترديد للعقل ترديدًا مُركّزًا في مشكلة ما ، كالذي يمارسه العلماء والقادة في شأن من الشؤون المستعصية ، ونستطيع أن نقول: إنه لا تفكير بدون مشكلات .

إن الإحساس بالمشكلة هو الذي يدفع إلى التفكير ، وهنا تبرز مكانة المفكر في الأمم ، وينبغي أن يكون المُفكّر مالكًا لرؤية نقدية شاملة ، ينقل من خلالها تناقضات مجتمعة ، والصعوبات التي يُعاني منها ، إلى حسّ الناس وأعصابهم ، وإنّ أمةُ تَحرم هذا النمط من الرجال ، فإنّ تأزماتها مرشحة للبقاء والتوسع ! وقد ذكرت بعض الدراسات أن السرّ في قوة دول الغرب الآن"هو تكامل الفكر والسياسة ، واعتماد رجال التخطيط والتنفيذ في دوائر السياسة والإدارة ، على ما يقدمه رجال الفكر العاملون في مراكز البحوث والدراسات ، خلال اللقاءات الدورية التي تجمع بين الفريقين ، لمناقشة وتقويم القضايا الداخلية والخارجية ."

ففي بلد كالولايات المتحدة ، هناك حوالي تسعة آلاف مركز بحوث ودراسات متخصّصة في بحث شؤون السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والتربية ونحو ذلك ...""

ومما لا شك فيه: أن الغرب يمارسون هذه الصناعة ويشجعونها ، بل عندهم بنوك للأفكار ، فالذي يُقدِّم فكرة جديدة ، تُخزّن حتى تأخذ طريقها للتنفيذ .

"فصول في التفكير الموضوعي"لعبد الكريم بكار ص (28-29) ،"مجلة البيان"عدد (28) ص (5) .

معنى التفكير وطبيعته:

يُلاحظ أن كثيرًا من العلماء يُؤكّد على خاصتين هامتين في التفكير ، وهما: تكامل الخبرات السابقة وتنظيمها من ناحية ، واكتشاف الاستجابات الصحيحة من ناحية أخرى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت