فهرس الكتاب

الصفحة 2012 من 2255

ثانيًا: وإذا كان التعاون أمرًا لازمًا فيجب أن يكون السعي لبعث الحضارة الإسلامية أبعد شيء عن الحزبية. إن بعض الناس يخلط بين العمل الجماعي المنظم ـ وهو أمر لا بد منه ـ وبين الحزبية التي تحول التنظيم إلى غاية كثيرًا ما يُضحى في سبيلها بالغاية التي أُنشئ من أجلها والتي كان في البداية مجرد وسيلة إليها. الحزبية أن تحصر علاقات الأخوة الإسلامية وواجباتها في من دخلوا ضمن إطار التنظيم، وأن لا يعان على عمل خير بل ولا يعترف به إلا إذا كان من منجزات الجماعة المنظمة.

ثالثًا: الالتزام الصارم الشديد بقيم العدل والصدق والأمانة والوفاء حتى في معاملة الأعداء. لأن هذه القيم قيم مطلقة لا تختص بحال دون حال. قال تعالى:

ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.

قال المفسر الكبير ابن كثير: إن العدل واجب على كل أحد، مع كل أحد، في كل حال؟

لكن بعض العاملين للإسلام اليوم يحيدون عن هذه القيم لأوهي الأسباب، ويسلكون سلوك السياسيين الميكيافليين. ناسين أن هذه القيم قيم يحبها الله، وأن الالتزام بها ـ حتى مع الأعداء ـ عبادة لله. وأنك لا يمكن أن تنصر دين الله بارتكاب مساخط الله.

رابعًا: على الأفراد وعلى الجماعات غير الحكومية أن تلتزم التزامًا معلنًا وصارمًا بالطرق السلمية. هذا هو الذي يدل عليه شرع الله، وهو الذي ينتهي إليه كل من اتعظ بالتجارب المريرة للجماعات التي دخلت في صراعات دموية لم تكن لها بكفء. إنك لا تحمل السلاح على من أنت تحت سلطانه، وإنما الذي يشرع لك هو الدعوة مع كف الايدي وإقامة الصلاة، فإذا كانت لك أرض مستقلة وقوة مادية فآنذاك:

أذن للدين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير.

اللَّهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

أستغفر الله، وأصلى وأسلم على خاتم رسل الله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مفهوم الحضارة

الحمد لله الغني الحميد، المبدئ المعيد، ذي العرش المجيد، الفعّال لما يريد, أحاط بكل شيء علمًا, وهو على كل شيء شهيد، أحمده سبحانه وأشكره، وأسأله من فضله المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا معين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله وخليله، أفضل داع إلى الإيمان والتوحيد، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المزيد..

أما بعد:

أيها الناس: إن من المفاهيم الخاطئة والمغلوطة عند بعض الناس:"مفهوم الحضارة"؛ ذلك أن بعض الناس يفهم من معنى الحضارة أنها مظاهر الحياة المختلفة التي طورها الإنسان وأبدع صنعها وزخرف بنيانها، وليس هذا هو المفهوم الصحيح للحضارة، بل هو مفهوم ناقص لمعنى الحضارة؛ بل الأدهى والأمر من هذا كله من يزعم أن الحضارة تعني ترك الدين، والتخلي عن أخلاق المسلمين، ومسايرة الكافرين في أفكارهم وأقذارهم، وما أشبه ذلك مما عليه الكفرة من الشرك بالله والفسق عن دينه ومجاهرته بالموبقات، كما يفهم ذلك بعض المستغربين من بني جلدتنا الذين مسخت وانتكست فطرهم، وهذا لا شك أنه مفهوم خاطئ بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

فهذا ليس من التقدم بل هو قمة التخلف الذي لا يرضاه الله ورسوله، وإذا كان هذا هو التقدم والتحضر فبطن الأرض خير من ظهرها..

قال الشاعر:

إذا كان ترك الدين يعني تقدما *** فيا نفس موتي قبل أن تتقدمي

وأما ما يفهمه البعض من أن الحضارة هي المدنية وعمارة الأرض، وتشييد القصور، فإن ذلك فهم ناقص لمعنى الحضارة، فإن الحضارة تعني البقاء والدوام والاستمرار، وهذه الدنيا كلها فانية وغير مستمرة، يقول ابن الوردي -رحمه الله- في ضمن قصيدته اللامية الشهيرة:

كُتب الموتُ على الخلقِ فكم *** فَلَّ من جيشٍ وأفنى من دُول

أين نمرودُ وكنعانُ ومن *** ملكَ الأرضَ وولَّى وعزل؟

أين من سادوا وشادوا وبنوا *** هلك الكلُّ ولم تُغنِ القُلل؟

اين أربابُ الحِجى أهل النهى*** أين أهلُ العلمِ والقومُ الأُول؟

سيعيد الله كلًا منهمُ *** وسيجزي فاعلًا ما قد فعل

أيها الناس: إن المفهوم الصحيح للحضارة ليس مقتصرا على التمدن والتحضر، وعمارة الأرض"الدنيا"فحسب، بل الحضارة أعم من ذلك وأشمل، فهي تشمل عمارة الدنيا والآخرة؛ فقد بين الله -تعالى- أن المشركين ليسو أهلًا لعمارة المساجد عمارة حسية ومعنوية؛ فقال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} سورة التوبة (17) ..

ثم بين أن أهل الإيمان والتوحيد أهلًا لبناء المساجد بناء حسيًا ومعنويا؛ فقال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} سورة التوبة (18) ..

أيها الناس: إن الحضارة في الإسلام تشمل ثلاثة أنواع:

أولًا: حضارة التاريخ"حضارة الدول"؛ وهي الحضارة التي قدمتها دولة من الدول الإسلامية لرفع شأن الإنسان وخدمته، وعند الحديث عن حضارة الدول ينبغي أن نتحدث عن تاريخ الدولة التي قدمت هذه الحضارة، وعن ميادين حضارتها، مثل: الزراعة، والصناعة، والتعليم، وعلاقة هذه الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، وما قدمته من إنجازات في هذا الميدان.

ثانيا: الحضارة الإسلامية الأصيلة؛ وهي الحضارة التي جاء بها الإسلام لخدمة البشرية كلها، وتشمل ما جاء به الإسلام من تعاليم في مجال: العقيدة، والسياسة، والاقتصاد، والقضاء، والتربية، وغير ذلك من أمور الحياة التي تسعد الإنسان وتيسر أموره.

ثالثًا: الحضارة المقتبسة؛ وتسمى حضارة البعث والإحياء، وهذه الحضارة كانت خدمة من المسلمين للبشرية كلها، فقد كانت هناك حضارات وعلوم ماتت، فأحياها المسلمون وطوروها، وصبغوها بالجانب الأخلاقي الذي استمدوه من الإسلام، وقد جعل هذا الأمر كُتاب العالم الغربي يقولون: إن الحضارة الإسلامية مقتبسة من الحضارات القديمة، وهما حضارتا اليونان والرومان، وأن العقلية العربية قدْ بدَّلت الصورة الظاهرة لكل هذه الحضارات وركبتها في أسلوب جديد، مما جعلها تظهر بصورة مستقلة.

وهذه فكرة خاطئة لا أساس لها من الصحة، فالحضارة الإسلامية في ذاتها وجوهرها إسلامية خالصة، وهي تختلف عن غيرها من الحضارات اختلافًا كبيرًا، إنها حضارة قائمة بذاتها، لأنها تنبعث من العقيدة الإسلامية، وتستهدف تحقيق الغاية الإسلامية، ألا وهي إعمار الكون بشريعة الله لنيل رضاه، لا مجرد تحقيق التقدم المادي، ولو كان ذلك على حساب الإنسان والدين كما هو الحال في حضارات أخرى، مع الحرص على التقدم المادي؛ لما فيه من مصلحة الأفراد والمجتمع الإنساني كله.

أما ما استفادته من الحضارات الأخرى فقد كان ميزة تحسب لها لا عليها، إذ يعني تفتح العقل المسلم واستعداده لتقبُّل ما لدى الآخرين، ولكن وضعه فيما يتناسب والنظام الإسلامي الخاص بشكل متكامل، ولا ينقص من الحضارة الإسلامية استفادتها من الحضارات السابقة، فالتقدم والتطور يبدأ بآخر ما وصل إليه الآخرون، ثم تضيف الحضارة الجديدة لتكمل ما بدأته الحضارات الأخرى1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت