إن كلاما بهذه العظمة وبتلك الأهمية لا يمكن أن نعامله كغيره من الكلام فنطبق عليها مبادئ القراءة السريعة أو القراءة التصويرية أو غيرها من موديلات وموضات القراءة التي غزت قاعات التطوير وبناء الذات ، بل ينبغي أن نطبق عليه قواعد القراءة التربوية والتي من أهم مفاتيحها الترتيل ويراد به التمهل والتأني كمن يسير في منطقة ذات طبيعة خلابة مليئة بالمناظر والثمار وبالجواهر والكنوز المباحة لمن مر بها يأخذ منها ماشاء ويقطف منها ما تشتهيه نفسه وتلذ به عينه فهل ترى من يسير في أرض هذا شأنها يسير بسرعةعالية أم أنه يتمهل في السير وربما يقف بل ويطيل الوقوف في كل نقطة منها ليستمتع غاية الاستمتاع ويستثمر غاية الاستثمار .
المفتاح العاشر: الجهر والتغني.
وهذا المفتاح هو أشبه بالحلاوة التي توضع في أدوية الأطفال لتذهب مرارة الدواء، وأشبه الحداء للإبل لتنشط في السير، فالتغني بالكلام مع الجهر ومحاولة التطريب يساعد على مواصلة السير، وهذا أمر مشاهد في واقع الناس في كل كلام يستحسنونه ويتلذذون به وللناس في هذا فنون وفنون بل لهم فيه علوم وفهوم، فأهل اللهو والطرب، وأهل الأوراد والموالات ، والأناشيد، كل هؤلاء يسعون للفت الأنظار لكلامهم وتوصيله إلى قلوب المستمعين له بهذه الطرق وتلك الوسائل وليس في الدنيا كلام يستحق مثل هذه الرعاية وتلك العناية سوى كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فهو الكلام الذي لا يليق بعاقل أن يتغنى بغيره ولا أن يمتع نفسه بسواه على أن يكون في ذلك متبعا لا مبتدعا فيكون تغنيه حسبما ورد عمن أمره بالتغني والجهر به كما تناقله المسلمون جيلا عن جيل وحفظه القراء لنا تاما مضبوطا بحركاته وسكناته هذا في حق القرآن، ويمكن التغني بقراءة السنة بطريقة خاصة بها لا لاعتقاد مشروعيته كما هو في حق القرآن إنما لإعانة النفس على قراءة السنة وطول الوقوف مع أحاديثها والتأمل في معانيها.
قال أبو هلال العسكري: وينبغي للدارس أن يرفع صوته في درسه حتى يسمع نفسه فإن ما سمعته الأذن رسخ في القلب ولهذا كان الإنسان أوعى لما يسمعه منه لما يقرأه ... وقال: وحكي عن أبي حامد أنه كان يقول لأصحابه: إذا درستم فارفعوا أصواتكم فإنه أثبت للحفظ وأذهب للنوم. (76)
وعن الزبير بن بكار قال: دخل علي أبي وأنا أروي في دفتر ولا أجهر، أروي فيما بيني وبين نفسي، فقال لي: إنما لك من روايتك هذه ما أدى بصرك إلى قلبك فإذا أردت الرواية فانظر إليها واجهر بها فإنه يكون لك ما أدى بصرك إلى قلبك وما أدى سمعك إلى قلبك. (77)
الخاتمة
أخي القارئ ها قد انتهيت من قراءة هذه الرسالة، فماذا فهمت؟ وماذا تنوي أن تفعل؟
هل ستضع الكتاب في مكانه من مكتبك ثم تنسى ما فيه من العلم إلى الأبد؟ إن كان هذا قرارك فأعد النظر فيه.
لست بهذا الكلام أدعو إلى تكرار قراءة كتابي أو كلامي، بل أدعو إلى تكرار قراءة ما تضمنه من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال السلف في هذه القضية الكبرى في حياتنا.
إن كان هذا قرارك فأنت تكرر معاناة الكثيرين الذين يقولون: نقرأ ولا نتغير ولا نترقى !
إن القراءة المجردة العابرة لا تحقق تغييرا ولا تأثيرا.
إن أردت الطريق للتغيير والتطوير فأسأل نفسك: كم سيبقى ما تعلمته من هذا الكتاب حاضرا في قلبك يوم؟ شهر؟ سنة؟
إنه بقدر حضور هذا العلم في قلبك بقدر ما تحصل من تقدم ورقي وأنت الحكم.
نسأل الله بمنه وفضله أن يهدينا للصراط المستقيم، ويجعل مآلنا جنات النعيم ، إنه قريب مجيب ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم
أبو محمد مور كِبِي
خريج كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية
بالجامعة الإسلامية (المدينة النبوية)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين, وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن كل من تأمل شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجرد وإنصاف يدرك حقيقة, هي أنه صلى الله عليه وسلم أكبر شخصية عرفه التاريخ.
ولعلك أول ما تقرأ هذا الكلام أو تسمعه ستقول: هذا مجرد دعوى, وليس عليها أي دليل مقنع؛ بل فاعل ذلك هو فلان أو فلان؛ ممن تعرفهم أو تأثرت بهم, لكن اسمح لي أن أطرح عليك سؤالا واحدا, وحسن ظني بك أنك عاقل ومنطقي, وأنك مؤهل لخوض أية مناقشة علمية جادة, إذن فلا تغمض عينيك لتكتفي بما عندك ولا تسمع ما عند الآخر, بل من دلائل رجاحة عقلك أن تستمع إلى الآخر وإن خالفك في الرأي, فإن كان الحق فيما يقوله استفدته منه وهو ربح, وإن كان فيما كنت تعتقد ازددت عليه يقينا وهو ربح, ولكن كن متجردا تريد الحق حقا.
والسؤال الذي أطرحه عليك وآمل منك الجواب عنه بإنصاف هو: بما أنك منطقي ومنصف مع الناس, هل نفيك لما قلته مبني على علم صحيح عن محمد وتاريخه, أو هو مبني على قيل وقالوا ؟
أو على تصوير مشوه له ولتاريخه ؟
أو هو مبني على ما تراه وتسمعه يوميا من أحداث وتهم تلصق بالإسلام والمسلمين؛ حتى أوجد ذلك منك ردة فعل, ولذلك لا يمكنك قبول ما قلت ؟
أو أنك - بكل صراحة - من العصبيين الذين ينظرون إلى العرب نظر دون, ويرون أنهم أحقر من أن يكون منهم ذاك الرجل ؟
وأنا - إن شاء الله - سأبين لك رجاحة ما قلته في حديثي معك, إن منحتني فرصة لبيان ذلك, بأن تنظر معي في شخصيته صلى الله عليه وسلم من خلال خمسة جوانب مهمة جدا في التحقق من صدق ما قلته:
الجانب الأول: ما الوقت الذي بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؟
الجانب الثاني: أي قوم عايشهم, وعلى أي مستوى كانوا من الحضارة.
الجانب الثالث: ما حال بقية العالم آنذاك, وهل كان ثم ما يغني عن نظام جديد أو لا ؟
الجانب الرابع: مقارنة الوضع قبل, بالوضع بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم؛ للتحقق من هل حدث بالفعل تغير وانقلاب - سلبا أو إيجابا- في سير العالم أم لا ؟
الجانب الخامس: مقارنة الوسائل التي استعملها النبي صلى الله عليه وسلم لتغيير ذاك النظام السائد في ذلك الوقت؛ لمعرفة هل الحكمة كانت تقتضي استعمالها - بعجالتها - لإحداث التغيير الذي كان لا بد منه ؟
أم تقتضي إبقاء المجتمع على الوضع المتفكك الذي كان عليه ؟
هذه التساؤلات الخمسة, يمهد لنا الجواب عنها الطريق إلى تصور مدى التجديد والإصلاح اللذين حدثا في سيران العالم بمجيء هذا الرجل العظيم, وهل كان العالم في حاجة إليهما أم لا ؟
وأنه أكبر شخصية عرفه التاريخ البشري.
الجانب الأول: هل الوقت الذي بعث فيه الرسول صلى الله عليه وسلم كان مناسبا للانقلاب والإصلاح اللذين أوجدهما في العالم ؟
إن الوقت الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فترة من الوحي السماوي, وكان الناس قد سلطوا عقولهم وأيديهم على البقية الموروثة من تعاليم الرسل بالتغيير والتبديل؛ حتى اندثرت تلك التعاليم بالكلية من بعض المجتمعات, وبالأغلبية من البعض الآخر.
ودعوات الرسل التي ظهرت قبل, لم تشمل الشعوب جمعاء, فلم تتصف أي واحدة منها بالعالمية والشمولية التي لا تخص شعبا دون شعب, بل كانت كلها منحصرة في ساحة قوم دون غيرهم.
الأمر الذي أوجد فراغا روحيا في العالم لم يكن من تغطيته بد, وواقع الحال في ذلك الوقت شاهد بأن الأديان والأنظمة السائدة آنذاك لم يكن لها أن تصد ذاك الفراغ الموجود, وأن صده يتطلب دينا قويا مع نظام جديد؛ ليوجه سير العالم نوح الأكمل والأفضل.