وينبغي أن يجعل لنفسه مقدارا كلما بلغه وقف وقفته أياما لا يزيد تعلما فإن ذلك بمنزلة البنيان؛ ألا ترى أن من أراد أن يستجيد البناء بنى أذرعا يسيرة ثم ترك حتى يستقر ثم يبني فوقه ولو بنى البناء كله في يوم واحد لم يكن بالذي يستجاد وربما انهدم بسرعة وإن بقي كان غير محكم (73) فكذلك المتعلم يبنغي أن يجعل لنفسه حدا كلما انتهى إليه وقف عنده حتى يستقر ما في قلبه ويريح بتلك الوقفة نفسه"اهـ (74) "
إن التكرار الأسبوعي المنظم من أنفع المفاتيح في البناء العلمي وتثبيت حفظ السنة لفظا ومعنى، فالأحاديث التي تطبق عليها هذا المفتاح تجد أنها دخلت في أعماق حياتك وملأت عليك تفكيرك بأمور إيجابية بعد أن كان مرتعا للأفكار السيئة ولوساوس شياطين الإنس والجن.
إن هذا أيسر علاج لمعظم الأمراض النفسية لمن قدر عليه وأحس بأهميته، بل هو وقاية منها قبل وقوعها فحينما يحرص عليها الإنسان في حال الرخاء أوالصحة والنشاط ينتفع بها حال الشدة أوالمرض والفتور، وحينما نربي عليها أطفالنا منذ الصغر فإن ألفاظ السنة ومعانيها ترسخ في قلوبهم تنمو مع نمو أجسامهم وتقوى مع قوة عظامهم.
فما كثرت في مجتمعنا الأمراض النفسية، وكثرت الانحرافات الخلقية إلا حينما أهملنا هذا الغذاء النافع المفيد وشغلنا حياتنا باللهو سواء المباح منه أو المحرم.
إن تطور تقنيات الإعلام والمعلومات في عصرنا الحاضر بدل أن يكون نعمة نستغلها في الخير صارت وبالا على الكثير من أفراد الأمة الإسلامية حيث اتخمت بكم هائل من المعلومات تنزل بساحتها صباح مساء فانشغلت به عن العلم الذي فيه بناؤها وقوتها وتماسكها مما أدى إلى ترهلها وإصابتها بأمراض معنوية كثيرة تماما كما حصل لها في أسلوب تغذيتها حيث صارت المصانع تزج بآلاف الأطعمة التي طليت بكثير من المحسنات والمشهيات فنتج عنه إصابتها بأمراض في بدنها لم تكن معروفة من قبل.
المفتاح السادس: الحفظ (75)
المسألة الأولى: حفظ السنة أمنية كل مسلم:
حفظ السنة مطلب وأمنية لكل مسلم لا لذات الحفظ ولا ليقال: حافظ وإنما لأجل النجاة والنجاح في الحياة ، لأجل أن تكون السنة حاضرة في القلب تسعفك بالجواب في كل خطوة تخطوها في حياتك كلما أصبحت أو أمسيت بحيث يكون العلم بالسنة حاضرا على مدار الساعة في قلبك يسعفك باتخاذ القرار الصحيح، ويمدك بالجواب في كل نازلة، فمتى كان أفراد الأمة بمثل هذا الحضور وتلك القوة العلمية فلتبشر بالنصر والتمكين ورفع الذل والصغار عنها، أما إن كان لا هم لأفرادها إلا قراءة المجلات والجرائد ومتابعة القنوات والبرامج ومجالس الترفية والتسلية فأنى لأمة هذا حالها أن تحقق نصرا أو ترفع ذلا وصغارا.
لقد كان السلف يحافظون على حزبهم من السنة كما يحافظون على حزبهم من القرآن، وكان الهدف من ذلك حياة القلب وصحة النفس والنجاح في الحياة.
المسألة الثانية: حفظ السنة وتطوير الذات:
إنه بقدر ما تحفظ من سنة النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ما يحصل في حياتك من تغيير وتطوير فابدأ الرحلة من الآن، احفظ الحديث الأول ثم الثاني ثم الثالث ... وبعد مدة راقب كيف تؤثر في حياتك كيف يتغير تفكيرك ومنطقك وكلامك كيف يدخل النور والهدى إلى قلبك، إن الإحساس بهذا الشعور سيدفعك إلى الانطلاق في الحفظ والنشاط فيه لكن عليك بالتأني واستحضار أهداف قراءة وحفظ السنة وقواعد الحفظ التربوي ليكون سيرك متزنا وخطواتك ثابتة ونتائج عملك سريعة.
إن حفظ السنة هو المنهج والطريق الصحيح لتغيير الإنسان وتطويره على أسس قوية، وقواعد راسخة لا تهزها الصعاب ولا توهنها الشدائد ولكن أكثر الناس عنها غافلون.
المسألة الثالثة: مشروع: (حفظ وفقه السنة للجميع) :
من أجل تيسير حفظ وفقه السنة وتقريبه لكل المسلمين مهما اختلفت أعمارهم أو تخصصاتهم أو اهتماماتهم أو قدراتهم فقد رسمت طريقا يسلكه كل من أراد الدخول في هذا المشروع العظيم من مشاريع الحياة وسميته: ( مشروع حفظ وفقه السنة للجميع) وهذا عنوان لكتاب مستقل للتعريف بهذا المشروع وبيان أهدافه وأسسه وفروعه، والجانب الذي يخص حفظ السنة يتمثل في (معجم السنة التربوي) والذي يستطيع الجميع ابتداء السير فيه ثم بعد ذلك تتفاوت الهمم والقدرات فكل يصل فيه إلى ما تيسر له وهو ينوي السير حتى النهاية فإن أمكنه ذلك فالحمد لله على منته وفضله، وإلا فهو مأجور على نيته الصادقة وله من الأجر والثواب مثل أجر من وصل الغاية وبلغ النهاية حتى وإن كانت هذه النية لم تأت إلا في سنوات العمر الأخيرة ففضل الله عزوجل عظيم ورحمته واسعة.
المفتاح السابع: تكرار قراءة الحديث.
فلا تكفي القراءة السريعة للحديث بل قف عنده وتأمل ما وراء الألفاظ من المعاني العظيمة التي تحول حياتك إلى جنة في الدنيا قبل جنة الآخرة، فكم يشقى الإنسان ويتنكد سنوات من عمره ثم يجئ حديث واحد فقط لينتشله من الهم والقلق والضيق الذي هو فيه وعندها يقول ما أجهلني إذ فرطت في هذا الكنز الذي في متناول يدي.
كرر قر اءة الحديث ومتع جميع حواسك بقراءته، قلِّبه على جميع الوجوه لتكتشف ما فيه من جواهر ونفائس.
وإن مما يساعدك على تطبيق هذا المفتاح فهمك واستيعابك للمفاتيح الأخرى وخاصة المفتاح الخامس الذي يضبط السير في قراءة السنة وحفظها، أما حين يضيع منك هذا المفتاح فستكون قراءتك للسنة تمر بشئ من العجلة والرغبة في الانتهاء مما لا تحس معه بالمتعة والرغبة في تكرار الحديث.
المفتاح الثامن: ربط الألفاظ بالمعاني وربطها بالواقع.
الألفاظ هي الشئ المادي المحسوس الذي يمكن أن نشاهده أن نسمعه وهو الحبل الذي نربط به المعاني لكي تثبت وتستقر، واعلم أن كل لفظ يختلف عن الآخر في المعاني التي يحتويها ويتضمنها، وكذلك يتفاوت الأشخاص في عدد المعاني التي يفهمونها من اللفظ الواحد، وأيضا يتفاوت الشخص نفسه من وقت لآخر في مقدار عمق فهمه للفظ من الألفاظ فيفتح له في وقت ويغلق عنه في وقت آخر، ولا وسيلة لعلاج مثل هذه الحالات والصور إلا الربط، وهو يحصل بالتكرار الأسبوعي والتكرار الآني مع تطبيق المفاتيح الأخرى التي تسهم في التنقيب عن المعاني داخل الألفاظ فتستخرجها وعليك أن تقوم بحفظ ما تستخرجه منها سواء كان هذا الاستخراج محض هداية من الله وفتح منه أو تكون سمعت به من عالم أو قرأته في كتاب، عليك بصيد المعاني واقتناصها بواسطة الألفاظ وحبسها فيها لئلا تطير.
وهنا سؤال: هل نحن نعي ونفقه ألفاظ السنة كما وعاها النبي صلى الله عليه وسلم أو وعاها الصحابة رضي الله عنهم؟ لو كنا كذلك فكيف تكون حالنا؟
إن المصطلحات تتبدل، والأحوال تتغير، والمسميات تختلف بشكل سريع ولا بد من ملاحقة هذا التسارع وأن نبين لكل ما نصادفه في الحياة موقعه من السنة وأن يكون الربط بين المصطلحات المستجدة وألفاظ السنة ربطا صحيحا دقيقا لا يحرف الحقائق ولا يبدل المعاني.
المفتاح التاسع: الترتيل.