فهرس الكتاب

الصفحة 904 من 2255

4-وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جزأت الليل ثلاثة أجزاء: ثلثا أصلي، وثلثا أنام، وثلثا أذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي مثله عن عمرو بن دينار وسفيان الثوري. (55)

5-وقال المنذر لابنه النعمان: يابني ، أحب لك النظر في الأدب بالليل فإن القلب بالنهار طائر ، وبالليل ساكن ، فكلما أوعيت فيه شيئا عقله. (56)

6-وقال أحمد بن الفرات: لم نزل نسمع شيوخنا يذكرون أشياء في الحفظ فأجمعوا أنه ليس شئ أبلغ فيه إلا كثرة النظر ، وحفظ الليل غالب على حفظ النهار, وقال: سمعت إسماعيل بن أبي اويس يقول: إذا هممت أن تحفظ شيئا فنم وقم عند السحر فأسرج، وانظر فيه فإنك لا تنساه بعد إن شاء الله. (57)

ولأن آخر الليل يفترض فيه أن الجسم يكون في حالة النشاط وذروة القوة وهذا يساعد جدا على الصفاء والتركيز ومن ثم سرعة الحفظ والفهم، أما إذا حولنا أول الليل إلى لهو ولعب وآخره إلى إعياء وتعب فمتى سنربي أنفسنا ونطور قدراتنا الذهنية ونزيد حصيلتنا العلمية التي يتوقف عليها نجاحنا في الدنيا والآخرة.

المفتاح الخامس: التكرار الأسبوعي.

وهو الطريقة التي يمكن بها حفظ السنة لفظا ومعنى بسهولة وانسيابية دون تسويف أو استعجال بل أدومه وإن قل، بمعنى أن يكون لك حزب يومي تحافظ عليه بحيث تختم ما تحفظه كل أسبوع، بمعنى أن تقسم ما يتم حفظه من السنة إلى سبعة أقسام في كل ليلة قسم فتختمه كل أسبوع، وكلما زاد الحفظ أعدت التقسيم ليتناسب مع المقدار الجديد.

كما يمكن أن يكون التحزيب على أسبوعين أو شهر، لكن اعلم أنه كلما طالت مدة الدورة كلما ضعف أثره التربوي واختل الحفظ وأنت الحكم.

والبداية تكون بسبعة أحاديث بحيث يكون لكل يوم حديث ابتداء من يوم الجمعة، ثم تكون الزيادة بالطريقة نفسها التي وصفتها في الحفظ التربوي للقرآن.

هذا المفتاح وظيفته تثبيت حفظ الألفاظ والمعاني، وهو يقوم على أسس منها:

1-الأناة وعدم الاستعجال ويتمثل ذلك بتقليل المقدار.

2-مراعاة الفروق الفردية فكل شخص له طاقته وقدرته.

3-المحافظة على الجهد والوقت.

4-الحزم والمبادرة.

5-ضبط المحفوظ مقدم على حفظ الجديد عند التعارض.

6-الاستمرار وعدم التوقف.

7-التركيزعلى القليل حتى الإتقان.

وهذه المعاني أكد عليها علماء الحديث قديما وطبقوها على أنفسهم وطلابهم وأقوالهم في هذا مشهورة من ذلك:

1-عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: تزاوروا وتدارسوا الحديث ولا تتركوه يدرس. (58)

2-وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نكون عند النبي صلى الله عليه فنسمع منه الحديث فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه. (59)

3-وعن عطاء قال: كنا نكون عند جابر بن عبد الله فيحدثنا فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا حديثه. (60)

4-وعن ابن عباس قال: إذا سمعتم مني حديثا فتذاكروه بينكم. (61)

5-وعن سعيد بن جبير أن ابن عباس رضي الله عنه كان يقول له: يا سعيد اخرج بنا إلى النخل ويقول: ياسعيد حدِّث، قلت: أحدث وأنت شاهد؟ قال إن أخطأتَ فتحتُ عليك. (62)

6-عن علقمة قال: أطيلوا ذكر الحديث لا يدرس. (63)

7-عن سفيان الثوري قال: اجعلوا الحديث حديث أنفسكم وفكر قلوبكم تحفظوه. (64)

8-وعن ابن خلاد قال: قيل: الاحتفاظ بما في صدر الرجل أولى من درس دفتره، وحرف تحفظه بقلبك انفع لك من ألف حديث في دفاترك. (65)

9-وقيل للأصمعي: كيف حفظت ونسي أصحابك؟ قال: درست وتركوا. (66)

10 -وعن أبي حازم قال: كان الناس فيما مضى من الزمان الأول إذا لقي الرجل من هو أعلم منه قال: اليوم يوم غنمي فيتعلم منه، وإذا لقي من هو مثله قال: اليوم يوم مذاكرتي فيذاكره، وإذا لقي من هو دونه علَّمه ولم يَزْه عليه، قال: حتى صار هذا الزمان فصار الرجل يعيب من فوقه ابتغاء أن ينقطع منه حتى لا يرى الناس أن له إليه حاجة، وإذا لقي من هو مثله لم يذاكره فهلك الناس عند ذلك. (67)

11-وقال جعفر الصادق: القلوب ترب والعلم غراسها والمذاكرة ماؤها فإذا انقطع عن الترب ماؤها جف غرسها. (68)

12-وقال عبد الرحمن بن مهدي: إنما مثل صاحب الحديث بمنزلة السمسار إذا غاب عن السوق خمسة أيام تغير بصره. (69)

13-وقال أبو هلال العسكري: وإذا كان ما جمعته من العلم قليلا وكان حفظا كثرت المنفعة به، وإذا كان كثيرا غير محفوظ قلت منفعته. (70)

14-وقال الخليل بن أحمد: تعهد مافي صدرك أولى بك من تحفظ ما في كتبك. (71)

15-وقال الخطيب البغدادي: ولا يأخذ الطالب نفسه بما لا يطيقه بل يقتصر على اليسير الذي يضبطه ويحكم حفظه ويتقنه. (72)

16-وقال ابن علية: وكنت أسمع من أيوب خمسة، ولو حدثني بأكثر من ذلك ما أردت.

17-وقال عبد الرحمن بن مهدي: قال سفيان: كنت آتي الأعمش ومنصورا فأسمع أربعة أحاديث، خمسة ثم أنصرف كراهة أن تكثر وتفلت.

18-وقال شعبة: كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثين فيحدثني ثم يقول أزيدك؟ فأقول لا حتى أحفظهما وأتقنهما.

19-وقال الزهري: من طلب العلم جملة فاته جملة، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان.

20-وقال معمر: من طلب الحديث جملة ذهب عنه جملة وإنما كنا نطلب حديثا وحديثين.

21-وقال الزهري: إن هذا العلم إن أخذته بالمكابرة له غلبك ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذا رفيقا تظفر به.

22-وقال الخطيب البغدادي: ينبغي له أن يتثبت في الأخذ ولا يكثر بل يأخذ قليلا حسب ما يحتمله حفظه ويقرب من فهمه فإن الله تعالى يقول: ?وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا? [ (32) سورة الفرقان ] فقد روي أن حماد بن أبي سليمان قال لتلميذ له: تعلم كل يوم ثلاث مسائل ولا تزد عليها شيئا، واعلم أن القلب جارحة من الجوارح تحتمل أشياء وتعجز عن أشياء كالجسم الذي يحتمل بعض الناس أن يحمل مائتي رطل، ومنهم من يعجز عن عشرين رطلا، وكذلك منهم من يمشي فرسخا في يوم لا يعجزه، ومنهم من يمشي بعض ميل فيضر ذلك به فكذلك القلب؛ من الناس من يحفظ عشر ورقات في ساعة، ومنهم من لا يحفظ نصف صفحة في أيام فإذا ذهب الذي مقدار حفظه نصف صفحة يروم أن يحفظ عشر ورقات تشبها بغيره لحقه الملل وأدركه الضجر ونسي ما حفظ ولم ينتفع بماسمع، فليقتصر كل امرئ من نفسه على مقدار يَبْقى فيه ما لا يستفرغ كل نشاطه فإن ذلك أعون له على التعليم من الذهن الجيد والمعلم الحاذق، ولا ينبغي له أن يزج نفسه فيما يستفرغ مجهوده، وليعلم أنه إن فعل ذلك في يوم ضِعْف ما يحتمل أضر به في العاقبة لأنه إذا تعلم الكثير فإنه إذا عاد من غد وتعلم نسي ما كان تعلمه أولًا وثقلت عليه إعادته، وكان بمنزلة رجل حمل في يومه ما لا يطيقه فأثر ذلك في جسمه وكذلك إذا فعل في اليوم الثالث ويصيبه المرض وهو لا يشعر، ويدل على ماذكرته أن الرجل يأكل الطعام ما يرى أنه يحتمله في يومه مما يزيد فيه على قدر عادته فيعقبه ذلك ضَعْفًا في معدته فإذا أكل في اليوم الثاني قدر ما كان يأكله أعقبه لباقي الطعام المتقدم في معدته تخمة، فينبغي للمتعلم أن يشفق على نفسه من تحميلها فوق طاقتها ويقتصر من التعليم على ما يبقى عليه حفظه ويثبت في قلبه.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ألم أخبر أنك تقوم من الليل وتصوم النهار؟ إنك إن فعلت ذلك هجمت عينك ونقهت نفسك: لعينك عليك حق ولنفسك عليك حق فصم وأفطر وصل ونم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت