وغيرها من الرقى النبوية التي يوقن المسلم بأثرها العظيم في تحقيق الشفاء ودفع البلاء، كما يؤمن بقضاء الله وتدبيره وبحكمته وعلمه إن تأخر الشفاء وأن ما قضاه الله وقدره لعبده هو خير له على كل حال.
والأمثلة والنماذج على حصول الشفاء بالسنة - على مر العصور- لا حصر لها وإنما أذكر هنا أربعة نماذج في الشفاء العلمي من أجل التوضيح وتأكيد هذا المعنى وتقريبه للنفوس:
المثال الأول:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة ما لي أراك جالسا في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال هموم لزمتني وديون يارسول الله، قال: أفلا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك؟ قال بلى يارسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله همي وقضى عني ديني. (45)
المثال الثاني:
عن أبي سلمة رضي الله عنه قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول وأنا كنت أرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره. (46)
المثال الثالث:
قال عبد الله بن وهب صاحب مالك: وكان أول أمري في العبادة قبل طلب العلم فولع مني الشيطان في ذكر عيسى بن مريم كيف خلقه الله عزوجل ونحو هذا، فشكوت إلى شيخ فقال لي: ابن وهب؟ قلت: نعم، قال: اطلب العلم فكان سبب طلبي العلم (47)
المثال الرابع:
وكانت بعض الصالحات يضيق صدرها وتحزن كلما جاءها الحيض أسفا على فوات الأعمال الصالحة التي كانت تواظب عليها وخاصة في رمضان فلما سمعت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما (48) علمت أنه يكتب لها ثواب نيتها الصادقة حال العذر ففرحت بذلك وزال عنها ضيق الصدر والهم، وسكنت نفسها واطمأن قلبها إلى رحمة الله تعالى وسعة فضله.
الهدف السادس: الإعلام والدعوة.
هذا الهدف من أهم المقاصد التي ينبغي للمسلم أن يحمل همها وأن يحرص على تحقيقها فيمن حوله، فيحصل التواصي بين الجميع باتباع السنة والعمل بها لتصلح النفوس وتحيى القلوب فتصلح الأحوال وتصفو الحياة.
لقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على غرس هذا المعنى في النفوس وأكد عليه في كل مناسبة، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: نضر الله امْرَأً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه. (49)
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه. (50)
وأيضا فإن كل نص من القرآن والسنة جاء فيه ذكر الدعوة والتبليغ والوعظ والبيان فإنه يشمل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله في جميع أمور الحياة.
ومن الأمور المهمة التي ينبغي التنبيه عليها في هذا المقام أن يكون تبليغ السنة مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم معزوا إليه قدر الاستطاعة لأن هذا أبلغ في التأثير وأقوى في الحجة، فهناك فرق كبير بين أن تقول: لا تشرب بشمالك، أو أن تقول له: هل سمعت بقول النبي صلى الله عليه وسلم ، فقط خبرا لا أمرا ولا زجرا، فالناس بأمس الحاجة لأن يسمعوا كلام الله، وأن يسمعوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس كلام فلان أو علان، فأنت بهذه الطريقة تجعله يسلم ويذعن احتراما للنبي صلى الله عليه وسلم لانك بهذه الطريقة أرسلت له رسالة خفية مفادها أن الذي يريد ذلك منك هوالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وليس أنت فيفهم قصدك ومرادك وأنها ليست مسألة شخصية او انتقاص له.
فكلما وجد في الأمة حفظ السنة ووجد إذاعتها ونشرها بين الناس في كل موقف يحتاج إليها فيه فإن هذا من أقوى الأسباب في الإصلاح والتغيير، فما وجدت النقائص وكثر التفريط والتقصير إلا لما غابت السنة عن واقع الحياة وإلا لو ملئت مجالسنا وملتقياتنا ومساجدنا ومدارسنا بنصوص القرآن والسنة وبآلية تامة لكان لواقعنا شأن آخر غير الذي نعيشه اليوم.
المفتاح الثالث: التركيز.
كان المفتاح الثالث بالنسبة لقراءة القرآن هو قراءته في صلاة ، والقرآن هو الكلام الوحيد الذي يشرع له هذا الحكم وما عداه من الكلام فلم تشرع قراءته في صلاة، إلا أنه يمكن الاستفادة من تقنيات التركيز التي تحققها القراءة في صلاة، ومنها:
1-تركيز القلب:
أي تركيز التفكير على الهدف الذي تريد وهو فهم نصوص السنة واستحضارها بعمق، بمعنى أن تكون واعيا لما تقرأ؟ فتتذكر أنك تقرأ كلاما مقدسا محترما ملزما بفقهه والعمل بما فيه فتكون في كامل وعيك حين القراءة.
2-تركيز العين:
أي تثبيت النظر إلى الكتاب الذي تقرأ فيه، وإن كنت تقرأ حفظا فتركيز العين على نقطة معينة أو تغميض العينين ليكون أقوى في التركيز.
3-تركيز اللسان:
بمعنى أن تمنع نفسك عن الكلام بغير السنة أثناء القراءة إلى أن ينتهي الوقت المخصص لها فلا تسمح لأحد أن يقاطعك ولا تجيب سائلا ولا تتدخل فيما حولك.
4-تركيز الوجه:
أي تثبيته إلى جهة محددة وفي هذا إعانة على التركيز على ما يقرأ.
5-تركيز اليدين:
أي كفهما عن الحركة فلا تسمح لنفسك أن تتحرك بأي حركة خارج ما أنت فيه من قراءة السنة فلا تجيب جوالا ولا تفتح درجا أو بابا إلا ما دعت الحاجة إليه.
6-الوقوف:
من المعلوم العلاقة بين القوة البدنية والقوة الذهنية للإنسان يدل على ذلك ماجاء عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يسقى على حوض له فجاء قوم فقال: أيكم يورد على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه فقال رجل أنا فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقه وكان أبو ذر قائما فجلس ثم اضطجع فقيل له يا أبا ذر لم جلست ثم اضطجعت؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فان ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع. (51)
فالمقصود إضعاف القوة الذهنية حتى يزول المؤثر ومن مفهوم المقابلة لهذا الحديث فإن الجلوس أعون على الفهم من الاضطجاع ، والوقوف أعون من الجلوس.
فهذه ستة أمور تفيد في تحقيق مستوى أعلى من التركيز وبالتالي الفقه والفهم فتطبيقها مع بقية المفاتيح الأخرى يساعد جدا على تدبر السنة والغوص في معانيها والوقوف على أسرارها وخفاياها.
المفتاح الرابع: أن تكون القراءة في ليل.
لأن الأصل في الليل أن يكون وقت الهدوء والصفاء، وخاصة حين يطول، وعبارات السلف تؤكد على أن الليل هو أولى الأوقات لما يراد حفظه أو فقهه من العلم.
1-قال الشافعي رحمه الله: الظلمة أضوء للقلب. (52)
2-وسئل رجل أبا حنيفة عما يورث الحفظ فقال: البزر البزر. (53)
3-وقال الخطيب البغدادي: واعلم أن للحفظ ساعات ينبغي لمن أراد التحفظ أن يراعيها .. فأجود الأوقات: الأسحار، ثم بعدها وقت انتصاف النهار، وبعدها الغدوات دون العشيات، وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار، قيل لبعضهم: بم أدركت العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح، وقال آخر: بالسفر والسهر والبكور في السحر. (54)