أما من يريد أن يأخذ الأعمال والدين جملة فإنه يذهب عنه جملة، وتنقضي حياته ولم يترق أو يصعد في سلم الخير.
وأذكِّر هنا بما قلته في كتاب (مفاتح تدبر القرآن) : أن مفتاح الإشعال والمنطلق في بناء الذات وتكوين المهارات هو القيام بالقرآن فهو الذي يهيئ النفس لتكون أرضا صالحة للزراعة وتربة خصبة تنمو فيها خصال الخير بقوة وحيوية.
إن المتربي بالإضافة إلى عمله وتطبيقه لهذه الأحاديث يتعلم أمرا مهما بل في غاية الأهمية إنه يتعلم كيف يعمل بالسنة كيف يتعامل معها، وكيف يطبقها خطوة بخطوة وبشكل مباشر.
إننا بنبغي أن نتربى على الفورية والمباشرة مع السنة وألا يكون بيننا وبينها وسطاء ننتظر منهم أن يقدموها لنا حتى إذا وصلتنا لا نذوق طعمها وحلاوتها، ونتهيب أن نحاول قراءة أو تطبيق أمر آخر غير ما قدموه لنا.
الهدف الثالث: الثواب.
كل نص من القرآن والسنة ورد فيه فضل العلم والحث عليه فإن حفظ السنة وقرائتها وتدبرها يدخل فيه دخولا أوليا وهناك نصوص خاصة في الحث على حفظ السنة وتبليغها إلى الناس ، وهذا طرف مما ورد في هذا الباب من النوعين:
1-قال الله تعالى: ? يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ? [ (11) سورة المجادلة] .
2-قال الله تعالى: ? قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ? [ (9) سورة الزمر] .
3-قال الله تعالى: ?قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ? [ (108) سورة يوسف] .
4-وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. (28)
5-وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما. (29)
6-وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نضر الله امرءً سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع. (30)
7-وعن صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متكئ على برد له أحمر فقلت له: يارسول الله إني جئت أطلب العلم ، فقال: مرحبا بطالب العلم إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها ثم يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب. (31)
8-وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره وولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه أو صدقه أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته. (32)
9-وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر حاج تاما حجته. (33)
10-وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغوا عني ولو آية. (34)
11-وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: القلوب أوعية فخيرها أوعاها ، الناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع لا خير فيهم. (35)
12-وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه وصلاح من بعده أفضل من عبادة حول. (36)
13-وعن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهما قالا: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع وباب من العلم تعلمه عمل به أو لم يعمل به أحب إلينا من ألف ركعة تطوع. (37)
14-وعن معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة قال: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل ولظمأ الهواجر في الحر الشديد ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر. (38)
15-وقال الشافعي: ليس شئ بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. (39) .
16-وقال سفيان الثوري: ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحت النية. (40)
17-وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، وقال: من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، وقال: من لا يحب العلم فلا خير فيه فلا يكن بينك وبينه معرفة ولا صداقة، وقال: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله ولي، وقال: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه. (41)
والنصوص في هذا الباب كثيرة كلها تحث وترغب في التوجه لطلب العلم النافع ونشره وتبليغه للناس.
الهدف الرابع: المناجاة.
تضمنت السنة عددا من الأدعية والأذكار التي يناجي بها العبد ربه، وهي ألفاظ عظيمة حملت معاني جليلة من حفظها وذكر الله بها أو دعا بها عظمت منزلته وارتفعت مكانته وقضيت حاجته وصار من أولياء الله المتقين الذين ? تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلاتَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ? [ (30،31) سورة فصلت] .
ومن المناجاة بالسنة أن تتذكر وأنت تكتب السنة أو تحفظها أن الله يراك ويسمعك ويبارك عملك ويحب ذلك منك، وأنه يمدحك ويعطيك فاجتهد في قراءة السنة، وكن سخيا في بذل الوقت والجهد في حفظها والعمل بها ونشرها بين الناس ما استطعت إلى ذلك سبيلا فإنك بأعلى المراتب وأفضل المنازل.
الهدف الخامس: الشفاء.
إن العيش مع السنة يحول حياتك إلى روضة من رياض الجنة تحس خلالها بالرضى والطمأنينة والسكينة، وتحس بوضوح الرؤية لأمور الحياة فتنجو من جحيم التردد والتذبذب والشك وتسلم من الانحراف عن الصراط المستقيم.
والشفاء بالسنة نوعان: شفاء علمي معنوي نفسي، وشفاء حسي بدني، وتحصيل هذين الشفاءين يكون بأمرين:
الأول: بتدبر السنة على أسس صحيحة.
الثاني: الدعاء بالسنة أوالرقية بها.
أما الأول: فهو موضوع الكتاب، ومن أهم المفاتيح العملية المحققة للشفاء بالسنة المفتاح السادس وهو الحفظ التربوي للسنة ، وبدونه فإن الشفاء بالسنة يكون محدودا وأثره ضعيف.
وأما الثاني وهو الدعاء بالسنة والرقية بها فقد جاء بيانه في عدد من الأحاديث وهي معروفة معلومة منها:
1-عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس أذهب الباس اشفه وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا. (42)
2-عن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل باسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. (43)
3-عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول: إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. (44)