فهرس الكتاب

الصفحة 901 من 2255

إن كل مجتمع صغيرا كان أو كبيرا يأخذ بزمام المبادرة ويسعى في غرس هذه الشجرة المباركة في أرضه فإنه يتفيؤ ظلالها عندما تنمو وتكبر، أما من يفرط ويهمل فإنه يتجرع الغصص ويتكبد الخسائر، ويعيش في جحيم الخلاف والشقاق طول حياته.

الهدف الثاني: العمل.

إن وجود هذا الهدف عند كل مسلم من أقوى الدوافع للعناية بالسنة والإقبال عليها والاشتغال بها، والحرص عليها.

فمتى علم المسلم أن في السنة ما يحقق له النجاة والحياة الطيبة، ما يجيبه على التساؤلات اليومية التي تمر به، ما يعينه على التعايش مع الواقع الذي يعيش به، ما يكشف له الجواب الصحيح في كل موقف يتعرض له، ما يؤمن له المستقبل في الحياة الآخرة فإنه يحرص عليها أشد الحرص، ويقدرها حق قدرها ويوليها اهتماما بالغا وعناية خاصة.

المسألة الأولى: حرص السلف على العمل بالسنة.

لقد فقه سلفنا الصالح هذا الهدف فقرنوا العلم بالعمل وتواصوا به وأكدوا عليه دائما، فلم يكن حظهم من السنة الرواية، بل قرنوا الرواية بالدارية والربط بشؤون الحياة كلها.

وأورد هنا بعض النماذج لبيان هذا الجانب المشرق في حياة الصحابة رضي الله عنهم شحذا للهمم للتأسي بهم، والسير في طريقهم:

1-عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، وإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. (16)

2-عن عمر رضي الله عنه: أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. (17)

3-وعن يعلى بن أمية قال: طفت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحِجْر أخذت بيده ليستلم ، فقال: أما طفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، قال: فهل رأيته يستلمه؟ قلت: لا، قال: فانفذ عنك، فإن لك في رسول الله أسوة حسنة. (18)

4-وعن سعيد بن المسيب قال: رأيت عثمان رضي الله عنه قاعدًا في المقاعد فدعا بطعام مما مسته النار فأكله ثم قام إلى الصلاة فصلى ، ثم قال عثمان: قعدت مقعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأكلت طعام رسول الله، وصليت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. (19)

5-وعن علي ين أبي طالب رضي الله عنه: أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما فقال: ألا أخبرك ما هو خير لك منه؟ تسبحين الله عند منامك ثلاثا وثلاثين وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين وتكبرين الله أربعا وثلاثين، قال علي رضي الله فما تركتها بعد، قيل: ولا ليلة صفين؟ قال ولا ليلة صفين. (20)

6-وعن ميسرة الطهوي قال: رأيت عليا يشرب قائما، قال: قلت له: تشرب قائما؟ فقال: إن أشرب قائما فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائما، وإن أشرب قاعدًا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قاعدًا. (21)

7-وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرا ،وسبحان الله بكرة وأصيلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من القائل كلمة كذا وكذا؟ قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء، قال ابن عمر رضي الله عنهما: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. (22)

8-وعن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تمنعوا إماء الله أن يصلين في المسجد، فقال ابن له: إنا لنمنعهن، فقال: فغضب غضبا شديدا وقال: أحدثك عن رسول الله وتقول إنا لنمنعهن، وفي رواية: فانتهره عبد الله، قال: أفٍ لك، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: لا أفعل. (23)

9-وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر. (24)

والنصوص في هذا الباب عن الصحابة والتابعين وأئمة الفقه كثيرة كلها تؤكد هذا المعنى وتهيج النفوس إليه ، وتبرز هذا الجانب المهم من حياة المسلم في تعامله مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

المسألة الثانية: مراتب اتباع السنة.

مراتب اتباع السنة أربع:

الأولى: سماع الحديث أو قراءته والتأكد من صحته.

الثانية: حفظ لفظ الحديث.

الثالثة: فقه الحديث وحفظ معانيه.

الرابعة: العمل والتنفيذ.

هذه مراتب اتباع السنة، فأولا تسمع الحديث أو تقرأه، ثم تحفظه، ثم تتفكر في معانيه وتتدبره وتتأكد من فقهك له بسؤال أهل العلم أو بالسماع أو بالقراءة، ثم تنطلق للعمل مباشرة بما سمعته عن الرسول صلى الله عليه وسلم دون تأخير أو توان.

لقد كان تعامل الصحابة رضي الله عنهم مع السنة تعاملا مباشرا وسهلا، يأتي أحدهم النبي صلى الله عليه وسلم فيسأله، ثم يستمع إلى الإجابة ويحفظها ثم ينطلق للعمل بها، أما كثير من الناس اليوم فإما أن يحرموا أنفسهم سماع السنة والعلم بها، أو يحرموا أنفسهم فورية التطبيق والتنفيذ بحجج واهية وأعذار وهمية، فتنقضي أيام حياتهم وفي كل يوم يفوتهم خير عظيم.

المسألة الثالثة: التربية والتدريب على العمل بالسنة.

إن العمل بالسنة وتطبيقها يحتاج إلى التدرج في التطبيق شيئا فشيئا، وينبغي أن يبدأ ذلك في وقت مبكر منذ سنوات الطفولة الأولى بحيث يتسع الوقت للبناء، وتوجد مساحة كافية للتدريب والتكرار حتى ترسخ العادات التربوية الجيدة.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حافظوا على أبنائكم في الصلاة وعودوهم الخير فإن الخير عادة. (25)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تعودوا الخير عادة، و إياكم و عادة السواف من سوف إلى سوف. (26)

وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: عودوا أنفسكم الخير؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الخير عادة ،والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. (27)

إن كل عمل دلنا عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حري بنا أن نعود أنفسنا عليه، وكل عمل من هذه الأعمال له مستويات ودرجات و يؤخذ بالتدريج يوما بعد يوم، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، ولا نظن أن ما نسمع عن السلف من اجتهاد في الأعمال الصالحة جاء طفرة وفجأة إنما جاء بالتدريج والتربية والتعويد سواء كان في تربية الإنسان لنفسه أو تربية المربي لغيره، فلا يمكن أن يحصِِّل الشخص كل أبواب الخير وبأعلى درجة في يوم أو في سنة وأيضا ليس مطلوبا منه ذلك إنما البناء يكون بالمجاهدة والمصابرة وبالرياضة. وأن يبدأ رحلة المجاهدة وفي نيته إتمامها، ولو مات قبل إكمالها فإنه يكتب له ثواب ما نوى، وأن يكون خط سير الرحلة على الأحاديث، نبدأ بها حديثا حديثا، وكل حديث أيضا نأخذه بالتقسيط فمثلا حديث أبي هريرة أوصاني خليلي بثلاث: نبدأ أولا بأن نتعود أن نوتر قبل أن ننام، ثم بصلاة الضحى، ثم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإذا أتقناه ذهبنا للحديث الذي بعده، فتكبر وتنمو حصيلتنا التربوية يوما بعد يوم فتضفي على حياتنا النور والبهجة والسرور، وتسهم بشكل سريع وقوي في علاج مشاكلنا الموجودة ووقايتنا مما لم يوجد.

الإنسان مركب ومكون من آلاف العادات الصغيرة التي تتشكل وتتركب مع بعضها لتكون عادات أكبر ثم تشكل الشخصية الكلية للإنسان.

ومن المعلوم أن في بداية تركيب وتثبيت العادة وبنائها يحصل شئ من الاهتزاز والتأرجح حتى تثبت وتصلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت