فهرس الكتاب

الصفحة 900 من 2255

إنها دعوة مفتوحة إلى من آتاهم الله العلم بركنيه الفهم (الذكاء) ، والحفظ (الذاكرة) أن يبينوا للناس القواعد التربوية، والمسلمات النفسية ويدربوا الناس عليها ويبنيوا لهم تطبيقاتها في الحياة، إن هذه القواعد هي التي تمكن بها النبي صلى الله عليه وسلم من تغيير الناس وتطويرهم من أمة بدوية بدائية إلى أمة ذات حضارة قوية مكينة استمرت قرونا طويلة ولا تزال تملك تلك الطاقة التي تمكنها بعون الله أن تعود إلى ما كانت عليه.

المسألة الثامنة: مشهد من الواقع.

في أحد المساجد النشيطة قرأت لوحة رسم فيها خطة لمشروع تربوي يحتضن الناشئة في المرحلة الابتدائية، وكان البرنامج يحتوي على أنشطة متنوعة للطلاب منها: حفظ القرآن، ومذاكرة الكتب المدرسية، والترفيه، وغيرها، والذي استوقفني في الإعلان هو أن البرنامج يشمل دورات يلقيها عدد من المتخصصين في التربية وعلم النفس لتعليم الآباء والأمهات كيف يربون أبناءهم ويتعاملون معهم؟ فقلت: هل وصلت التبعية التربوية للغرب حتى إلى المساجد، إن كان أهل القرآن والسنة لا يستطيعون أن يعرفوا كيف يربون أبناءهم ويتعاملون معهم إلا بمساعدة المؤهلين في تلك العلوم من جامعات شرقية أو غربية ؟ إذا ما أثر القرآن والسنة في حياتهم ؟ أين هم من سنة المربي الأول صلى الله عليه وسلم ؟ الذي استطاع تكوين خير جيل عرفه التاريخ، أين هم من خبراته وتجاربه ومن قواعده وهديه ؟ إن كان المراد أن هؤلاء جمعوا بين التخصص في القرآن والسنة وبين العلوم التربوية والنفسية وسيكون طرحهم بواجهة القرآن والسنة وتحت لوائهما فحسن ، أما إن كانت الأخرى وهو الواقع والمشاهد فلا .

المسألة التاسعة: الاستيراد والتصدير الفكري.

إن من مظاهر الانهزامية والتبعية في وقتنا الحاضر هو ذلك الاستيراد الثقافي الذي نشط في السنوات الأخيرة نشاطا ملحوظا واتخذ قوالب مختلفة منها ترجمة الكتب ومنها دورات التطوير والتغيير كلها ينتهي إسنادها إلى الحضارة الغربية ومقطوعة الإسناد عن القرآن والسنة.

إن التبعية الفكرية للحضارات القوية في العالم انهزامية غير مقبولة مهما كان المبرر والواجهة التي تغلف بها والجسر الذي تعبر فوقه إلى ثقافتنا وحضارتنا.

لماذا الاستيراد؟ والانتاج المحلي متوفر بل يفوق المستورد.

إننا لن نتحرر ماديا حتى نتحرر فكريا بشكل كامل ومطلق.

والسبب في وجود هذه الظاهرة عدم التفريق بين الاستيراد الممنوع وبين الانتفاع المشروع بما عند الحضارات الأخرى في أمور الحياة المادية، فهذه مسالة يقع الخلط فيها كثيرا ولا يوفق للبصيرة في هذا الأمر إلا من هدي إلى الصراط المستقيم؛ الذي فرض على المسلم أن يدعو بالهداية إليه كل يوم سبعة عشر مرة على الأقل.

إن لكل حضارة جانبين معنوي ومادي وهما ممتزجان بشكل يصعب الفك بينهما وإن بينهما خيط رفيع لا يراه إلا المبصرون ممن تدبر القرآن والسنة.

إننا بهذا الاستيراد نعمق في نفوس الناس وخاصة الجيل الجديد التبعية لتلك الأمم شئنا أم أبينا وسنظل نغرس الضعف والانهزامية دون أن نحاول الخروج وتحقيق النصر والعزة.

إن على المثقفين من المسلمين أن ينتقلوا من مرحلة الاستيراد إلى التصدير، أي تصدير مشروعنا الحضاري إلى الناس كافة خاصة أن المناخ مناسب والمنافسة مفقودة حيث تعاني الحضارات اليوم من فراغ نفسي شديد وهي بأمس الحاجة لأن ترى حضارة الإسلام بثوب عصري يجيب على كل تساؤلات الحياة إجابات مقنعة ويربط القرآن والسنة بكل دقائق الحياة في كافة الجوانب.

المسألة العاشرة: الوقود الذي يطلق القدرات.

إن السنة النبوية لمن فتح الله تعالى له أبوابها هي المنطلق لإطلاق قدرات الإنسان وهي الوقود الذي يولد الحماس والنشاط والطاقة والإبداع.

قال ابن القيم: وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي وما لجرح بميت إيلام، وإذا كانت السعادة معلقة بهديه صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من أحب نجاة نفسه أن يعرف هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن خطة الجاهلين، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (15)

هذا الكلام يعترف به كل مسلم نظريا ، أما من يطبقه إلى واقع عملي محسوس فهم في عصرنا قليل.

إن نشر السنة بين الناس وتدبرهم لها يسهم بشكل كبير في تربية النفوس وتهذيب الأخلاق ونتيجة لذلك تقل المشاكل والمخالفات والجرائم، ويوجد الجد في الحياة والالتزام في أداء الواجبات دون حاجة إلى أجهزة مراقبة أو حراسة أو إدارات متابعة فهناك رقابة داخلية تعمل على مدار الساعة فإذا تحقق هذا فانظر ماذا يترتب عليه من مصالح عظيمة.

وأيضا إذا وجد تدبر السنة يكون الحصول على القوي الأمين أمر سهل مما يمكن معه تحقيق الكثير من الأهداف العامة والخاصة وإنجاز الكثير من المشاريع بأقل تكلفة وأقل جهد، ما أقوله ليس أحلام شاعر، ولا أوهام كاهن بل هي حقيقة مقررة وأثره ملموس لكنه في نطاق محدود، إننا نملك أعظم طاقة معنوية لو استطعنا أن نوصلها بشكل صحيح وأن نستثمرها في تحقيق الرخاء والأمن للمجتمع، وتحقيق الحياة الطيبة لكافة أفراده.

المسألة الحادية عشرة: مقاومة تغيير المناهج.

يبنغي للمسلمين ألا يستسلموا لمن أراد تغيير مناهجهم وتقليصها؛ لكن لا يضيع وقتهم في الدفاع وينشغلوا به عن البناء حتى يغلبوا ويسقطوا، بل عليهم أن يبحثوا عن البدائل والحلول التي يقاومون بها هذا التغيير ويكفل للناشئة استمرار اتصالهم بالقرآن والسنة صلة صحيحة قوية محكمة، وبتلقائية وسهولة وهو ما يحققه مشروع تدبر القرآن والسنة بإذن الله تعالى.

لقد سجل التاريخ شهادات إجلال وإكبار لأقليات مسلمة عاشت متمسكة بدينها وعقيدتها تمسكا قويا متينا مع شدة ما تواجهه من ضغوط رسمية واجتماعية إنها فقط الرغبة الصادقة في البناء وامتلاك السيولة العلمية التي تدعم هذا المشروع الكبير.

فالأسرة المسلمة إذا كانت مبنية على أسس تربوية سليمة وبدأت بواجبها منذ نشأتها وتكوينها فلن تستطيع أي قوة في الأرض أن تفرض على أفرادها فكرا غير الفكر الذي رضعته منذ أيامها الأولى، أما إن تركت الوعاء فارغا وألقت بالتبعة على غيرها فهنا مكمن الخطر والثغرة التي ينفذ منها الأعداء إلى حصوننا، لقد ولى عهد النوم والكسل وبدأت مرحلة الجد والعمل، فكل منا على ثغرة من ثغور الإسلام فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبله.

المسألة الثانية عشرة: تدبر السنة اجتماع الكلمة وتوحيد الصف:

إن بعض الناس لا يعرف السنة إلا عندما يريد أن يجادل أو يخاصم فتراه يفتش في كتبها بحثا عما يقوي حجته ويشهد لرأيه وما عدا ذلك من أيام حياته فلا صلة له بالسنة فلا يفتش فيها بحثا عن أسباب نجاته وإصلاح نفسه وتزكية قلبه ، قد غاب عن ذهنه الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والتأسي به في شأنه كله.

فمثل هذا النوع من الناس هو الذي يزرع الخلاف والشقاق بين المسلمين ، وينشر الآراء الشاذة والمناهج المنحرفة سواء كان ذلك بحسن نية أو عدمها النتيجة واحدة.

أما حين يوجد تدبر السنة عند أفراد الأمة، يبدأ الجميع بتدبرها من الصغر وبنية صادقة ومنهج صحيح فإننا بإذن الله تعالى نأمن وجود هذه البذور الفاسدة في صفوفنا فتصفو الحياة وتجتمع الكلمة، وحتى لو وجد خلاف على بعض المسائل فإن القلوب صافية والنيات صادقة.

فهذه وسيلة سهلة ميسرة في متناول الجميع منحنا الله إياها فلم لا نوظفها لتحقيق الخير وجمع الكلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت