إن تدبر السنة والتفقه فيها يوفر الوقت ويختصر الطريق على المربي والواعظ والخطيب إذ أنه في أي قضية يريد الحديث عنها فإنه سيجد من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم ما يوصله إلى هدفه من أقرب الطرق وأيسرها وأسهلها وأوضحها، أما إن كانت صلته بالسنة ضعيفة فإنه سيشرق ويغرب ويهيم في أودية الكلام ويسلك طرقا ملتوية وطويلة للوصول إلى الهدف المنشود فيطيل بذلك على السامعين ويثقل عليهم، وقد بين هذا المعنى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في عبارة موجزة واضحة لمن عقل وتدبر فعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان لسحرا. (14)
فأي خطيب عادته إطالة الخطبة فاعلم أنه غير فقيه في الخطابة مهما كانت قوة خطبه وتأثيرها الحماسي المؤقت، أما التأثير التربوي طويل الأجل فهي عنه بمعزل.
إن بعض الخطباء يظن الخطبة قناة تلفزيونية أو جريدة أو مجلة أو دار نشر، حتى إن بعض الخطباء لما ختم خطبته قال: هذا ما تيسر جمعه في هذه العجالة؛ وقد زادت خطبته عن نصف الساعة، فالخطيب أو الواعظ حينما يتكلم مدة عشرين أو ثلاثين دقيقة ماهدفه؟ هل هدفه أن يعمل الناس بما يقول؟ فكيف سيحفظ المستمعون كل ما قال؟ إن إيجاز الخطبة يوجد الحب للخطيب أو الواعظ وبالتالي الانتفاع بما يقول، وبهذا لا نحتاج إلى شخص موهوب يجمع بين التطويل والتشويق حين يخطب أو يعظ، فالخطب والمواعظ العلمية التربوية تختلف تماما عن الخطب الأدبية والترفيهية، والكلام الكثير مع السرعة ينسي بعضه بعضا والذي يحصل أن المستمع يشرد ذهنه؛ خاصة إذا كان التطويل عادة لذلك الخطيب أو الواعظ أو كان موضوع الخطبة علميا دقيقا، أما إذا حولنا الخطبة إلى قصص وحكايات وترفيه ومسرح للأحداث فصحيح أنه سيوجد التركيز وشد الذهن والاهتمام لكن بهذه الطريقة نكون قد جارينا الناس بما تهوى أنفسهم ويقل نفعه لهم مع مخالفة السنة في التطويل، التطويل يصلح ويحسن في بعض الأحيان وحين تكون المناسبة ملحة، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم شئ من ذلك أما أن يكون التطويل هو الأصل ، والإيجاز غير ممكن لأنه دليل على العي والقصور فهنا انتكاس في المفاهيم وجهل واضح بالسنة.
المسألة السادسة: تدبر السنة وقاية من الانحراف الفكري
إن من يقرأ السنة بتدبر وبنية صحيحة مبتغيا وجه الله تعالى لا وجوه الناس فإنه بإذن الله تعالى يعصم من أي انحراف فكري وخاصة إذا تربى على هذا الأمر من صغره بطريقة صحيحة.
قرأت في احد المواقع موقفا يحكيه عن نفسه بعض المضلين فيقول: كنت يومًا في العاصمة التونسية داخل مسجد عظيم من مساجدها، وبعد أداء فريضة الصلاة جلس الإمام وسط حلقة من المصلّين وبدأ درسه بالتّنديد والتكفير لأولئك الذين يشتمون أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) واسترسل في حديثه قائلًا: إيّاكم من الذين يتكلّمون في أعراض الصّحابة بدعوى البحث العلمي والوصول لمعرفة الحق، فأولئك عليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، إنهم يريدون تشكيك النّاس في دينهم، [ ثم استشهد الإمام بحديث] فقاطعه أحدُ المستبصرين كان يصحبني قائلًا: هذا الحديث غير صحيح وهو مكذوب على رسول الله! وثارت ثائرة الإمام وبعض الحاضرين والتفتوا إلينا منكرين مشمئزّين، فتداركت الموقف متلطّفًا مع الإمام وقلت له: يا سيدي الشيخ الجليل ... ... ... ، .... ... .."ثم بدأ هذا المضل يلقي بشبهاته وأباطيله إلى أن قال:"ولما عرف الإمام تأثيري في الحاضرين من خلال حفظي للأحاديث التي رويتها قال في هدوء: نحن قرأنا على مشايخنا رحمهم الله تعالى بأنّ الفتنة نائمة فلعن الله من أيقظها، فقلت: يا سيدي! الفتنة عمرها ما نامت، ولكنا نحن النّائمون..."إلى أن قال هذا المضل:"....وبعد شهر واحدٍ كتب إليَّ رسالة لطيفة يحمد الله فيها أن هداه إلى صراطه المستقيم"؟"
فهذا الموقف وأمثاله يتكرر يوميا عبر وسائل الإعلام والاتصال - التي تطورت في عصرنا الحاضر - ويحتاج منا إلى وقفة جادة في طلب العلم النافع والتفقه في دين الله تعالى، وأن الأمر جد لا يحتمل التأخير أو التهاون والتواني، فنحن مسؤولون أمام الله عزوجل عن تقصيرنا في هذا الواجب العظيم.
إنها كلمة أوجهها إلى المسؤولين عن التربية والتعليم في العالم الإسلامي: إن أردتم الأمن والسلامة من المشكلات الفكرية والتربوية فليس أمامكم إلا القرآن والسنة ببرامج مكثفة وبيان واضح يمنع الانحراف في فهمها وتنزيلها على غير مادلت عليه، إن التاريخ يشهد أن العلاقة طردية بين العلم ومنه التوحيد وبين الأمن وقبل شهادة التاريخ شهادة رب العالمين إذ يقول: ?الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ? [ (82) سورة الأنعام] فمحاولة إبعاد العلوم الشرعية عن مناهج التعليم أو تقليصها مع الإغراق في العلوم الدنيوية بحجة سوق العمل فهذا سيكون على حساب أمن المجتمع واستقراره على المدى البعيد وبوادر ونذر هذا الخطر بدأنا نذوقها من أقرب الناس إلينا إن العودة الصادقة لتدبر القرآن والسنة بطريقة صحيحة وبآليات كافية لهو السبيل لتحقيق الأمن المنشود والرخاء المقصود.
إن تغييب بعض نصوص القرآن والسنة بحجة علاج المشكلات الفكرية هو سبب في توليد مثل هذه المشكلات، فهذه النصوص إن لم يسمعها الناشئة من صغرهم في مدارسهم ويسمعوا بيانها الصحيح في مناهج التربية والتعليم فسيسمعونها من هنا او هناك مقلوبة محرفة ثم يطبقونها تطبيقا خاطئا فيجنون على أنفسهم وأمتهم.
المسألة السابعة: السنة وفرضيات البرمجة اللغوية العصبية.
يوجد في البرمجة اللغوية العصبية عدد مما يسمى بالفرضيات وهي عندهم قواعد وأصول سلوكية نفسية يبنى عليها عدد من الإجراءات والتقنيات في هذا العلم، وحينما تستمع لمدربي البرمجة وهم يشرحون فرضياتها، أو يدافعون عنها ويجيبون عما أورد عليها من ملاحظات فإنك تتعجب وتستغرب كيف يحاول هؤلاء التشبث بمثل هذه الفرضيات والدفاع عنها مع أن عندهم أضعاف أضعاف....أضعافها من حكم وقواعد موجودة في السنة النبوية تظهر لمن قرأها وتدبرها وأطال الوقوف عند حكمها.
إن مثل هذا التمسك والاعتداد والفرح بهذه الفرضيات يقبل من أولئك الذين لا يعرفون القرآن ولم يطلعوا على سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأن هذا منتهى علمهم وهم يحسبون بما قرروه أنهم حازوا سبقا علميا واكتشفوا أدوات لم تكن موجودة في هذا الوجود.
فيحسن بالمشتغلين بهذا العلم أن يعطوا من وقتهم القدر الكافي لتدبر السنة والتأمل في مضمونها إذ إنهم لو فعلوا ذلك لوجدوا ضالتهم المنشودة ولا ستغنوا بما عندهم عما عند غيرهم ولعلموا أن ما يسعون لتحقيقه من تغيير وتطوير موجود في السنة النبوية.
فيأيها المدربون ويأيها المبرمجون خذوا من السنة النبوية ما تشاءون؛ من المسلمات التربوية والقواعد النفسية فهي معين لا ينضب وكنز لا يفنى، خذوا واشرحوا واعقدوا الدورات لتطوير الحياة.