لقد تبين اليوم بكل دليل أن الحضارة الغربية تمر بأزمة عميقة، وأن حصيلة الكشوف العلمية الهائلة معناها إن الإنسان قد وجد العالم وفقد نفسه وأن مفهوم التقدم الغربي (المفهوم المادي المفرغ من تكامله الروحي) لا يمكن أن يكون معيارًا للتقدم والتأخر.
كما تبين أن الهزيمة النفسية التي حملت كثيرًا من مثقفينا على الدعوة إلى متابعة الغرب متابعة كاملة تبتغ من رؤيا خاطئة تتمثل في دوام السيادة الحضارية للغرب مع أن التاريخ شاهد على أن هذا الاستمرار مناقض لقانون من أهم قوانينه وهو قانون (مداولة الأيام بين الناس) .
ومن هنا فنحن نقدم للبشرية منظومة الإسلام الباهرة:
هذا النسف من الحضارة الإسلامية الذي أعاد للبشرية التكامل بين الروح والمادة والتقدم من خلال الإيمان بالله تبارك وتعالى والمسئولية الفردية دون التصادم مع السنن والقوانين بل تقبل بالتوازن والتكامل، في إطار أقرار المسئولية الأخلاقية في المعاملات (الإيثار - العدل - الرحمة - الغيرية) وفي نطاق الموازنة بين الحاجات المادية والمطامح الروحية بما يحقق وظيفة الاستخلاف في الأرض.
.الأستاذ/ أنور الجندي
الحضارة الغربية وموقفها من الإنسانية:
في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها البشرية - الفترة التي يصل فيها الفزع إلى غايته ، والقلق إلى أقصاه - يبدو واضحا إلى أي مدى تخبطت البشرية حين ابتعدت عن الله وعن منهجه للحياة .
لقد تخبطت البشرية ما بين عبادة العقل وعبادة المادة وعبادة الحتمية التاريخية ، والحتمية الاقتصادية ، والحتمية الاجتماعية ، إلى آخر هذه الآلهة المزعومة التي يعبدها الناس في هذا الجهل ليهربوا بها من عبادة الله ، فكانت الشعوذة التي تفسد الأعصاب والنفوس ، وكان العذاب الذي يمس الأفراد والجماعات ، وكان الفزع الدائم من الدمار الرهيب (1) .
لقد حققت الحضارة الغربية المعجزات في عالم الاكتشافات وعالم العلوم ، ولكنها فقدت في أعماق نفسها البعد الذي كان يروح عليها ويرفه عنها ويسندها في وقت المحن ؛ لأنه يربطها بوجود الله ، فقد قادت العالم إلى حربين شاملتين خلال ربع قرن ، كما قادته إلى انقسام بين الكتلتين الشرقية والغربية ، وإلى تهديد دائم بحرب ثالثة ، وإلى اضطرابات في كل مكان وإلى جوع وعري وبؤس في ثلاثة أرباع المعمورة ، وأن النظام العالمي كله اليوم في حالة ذعر واضطراب وبحث عن أسس جديدة وتنقيب عن زاد روحي يرد الإنسانية إلى ثقتها بالمبادئ الإنسانية (2) .
إن حضارة القرن العشرين قد أفقدت وأتلفت قداسة الوجود في النفوس وفي الثقافة ، وفي الضمائر لقد أتلفت القداسة لأنها اعتبرتها شيئا تافها لا حاجة
(1) مالك بن نبي ، دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين . الدار العلمية 1974 م ، ص 40 .
(2) مالك بن نبي ، دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين . الدار العلمية 1974 م ، ص 24 .
للإنسانية به ، لقد انجرفت في إتلافها هذا بسبب منشأ ثقافتها التي يطلق عليها اليوم ( العلمية ) منذ عهد ديكارت ، لقد حاولت أوربا ونجحت في خطها الجديد هذا . ونجاحها قد يفسر لنا اليوم على المدى البعيد فشلها في الاستمرار عن البحث عن معنى الحياة ، وتأكيد القيمة الكيفية ، لقد نجحت في إخضاع كل شيء لمقاييس الكم ، ولكن نجاحها يفسر بالتالي الأزمة التي تمر بها حضارتها التي فقدت كل مبررات وجودها ؛ لأنها أفقدت الوجود وقداسته (1) .
وبقدر ما تراكمت الإمكانيات الحضارية الكمية اضمحلت القاعدة الأخلاقية الروحية المعنوية التي تتحمل في كل مجتمع عبأ الأثقال الاجتماعية والمادية ، إذ لا بد من قاعدة روحية متينة تتحمل هذه الأعباء التي ترزح وهي في خضم الأشياء التي تنتجها التكنولوجيا . إن الإنسانية بشطرها المتخلف وبشطرها المتحضر تعاني من هذه الأزمة الخطيرة ، والتي هي أخطر أزمة في وجودها على سطح الأرض ، ونحن باعتبارنا مسلمين وأمة تشاطر الإنسانية مصيرها ، إذا أردنا أن نسد هذا الفراغ في النفوس المتعطشة فلا بد أن نرفع مستوانا إلى مستوى الحضارة أو أعلى منها ؛ كي نرفع الحضارة بذلك إلى قداسة الوجود ، إلى ربانية الوجود ، ولا قداسة لهذا الوجود إلا بوجود الله (2) .
إن المشوار الحضاري للأمة الإسلامية طويل وصعب وتعترضه عقبات ومحاذير ، وتحيط به متاهات ومشكلات ، وتصحبه تحولات في السلوك والأخلاق ، وتغيرات في العادات وأساليب الحياة ، ولا بد للأمة الإسلامية أن تستعد لكل هذا إذ لا مناص منه . ولأن القضية خطيرة والأمر جد ، فإن على مثقفي المجتمع ومفكريه أن يمارسوا دورهم ويقوموا بما هو منتظر منهم من توعية وتبصير للمجتمع لتكوين المناخ الإسلامي الصحيح . إن عملية توعية المجتمع بما تتضمنه من ممارسات وتبعات تستدعي تضافر كل الجهود في المنزل والمدرسة والجامعة والمسجد (3) .
(1) مالك بن نبي ، دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين . الدار العلمية 1974 م ، ص 26 .
(2) مالك بن نبي ، دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين . الدار العلمية 1974 م ، ص 40
(3) محمود محمد سفر الحضارة . . تحد ! ط 1 ، 1400 هـ ، الناشر تهامة ص 37 .
إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلة الحضارة ما لم يرتفع بفكره إلى الأحداث الإنسانية ، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها . . وما الحضارات المعاصرة ، والحضارات الضاربة في ظلام الماضي ، والحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر التاريخ . فلنعلن للدنيا بدء فجر جديد لحضارة القيم تتآلف فيه أسس التطور المبني على العلم والإيمان وتقدير الإنسانية ، لننفك من التيه المقفر الذي يعيش العالم المعاصر أسيرا له . . تظللنا العقيدة ويغمرنا الإيمان (1) .
كما قال تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } (2) .
(1) محمود محمد سفر الحضارة . . تحد ! ط 1 ، 1400 هـ ، الناشر تهامة ، ص 40.
(2) سورة يوسف الآية 108
الحضارة الغربية:ضجة عن الحرية وممارسة للهيمنة الثقافية
أ.د. جعفر شيخ إدريس*
الحضارة الغربية الحضارة الغربية حضارة يبوء كاهلها بالمتناقضات: تناقض في الأفكار، وتناقض في القيم، وتناقض في المواقف، وتناقض بين الأقوال والأفعال. لكنها رغم ذلك كله هي الحضارة السائدة التي يعدها أهلها ويعدها بقية العالم ـ إلا من رحم ربك ـ حضارة العصر، الحضارة التي يجب أن يحذو حذوها كل من يريد أن يتبوأ مكانة محترمة، بل وحتى مقبولة في هذا العصر، وإلا كان فيه بجسده وخارجه بروحه وفكره.
ولعل من أبرز أنواع التناقض بين أقوال هذه الحضارة وأفعالها، تناقضها بين ضجتها الصوتية العالية عن حرية الأفراد والشعوب، وسلوكها كل سبيل لفرض قيمها الخلقية، وتجربتها السياسية، ونظمها الاقتصادية، بل ومعتقداتها الدينية على سائر شعوب الأرض، ووصم كل ما يخالفها، بل كل ما يتعارض مع مصالحها، بكونه انتهاكا للحقوق الإنسانية، أو إضرارا بالمصالح العالمية، أو ممارسة للإرهاب، أو سببا للتخلف، وما شئت من تهم جائرة، بل ـ وأحيانا ـ أقوال آفكة.