فهرس الكتاب

الصفحة 875 من 2255

المفصل في الرد على الحضارة الغربية

إعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

في مرآة الشعر الإسلامي المعاصر

عبد القادر عبار

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

مقدمة

من الحقائق التي لا يملك أحد طمسها و نكرانها- إذ هي أقوى من أن تطمس واظهر من أن تنكر- أن الإسلام منذ بواكير شروقه على العالم قد صبغ الحياة بصبغته التوحيدية البارزة وترك بصماته على كل شيء لمسه ووقع تحت تأثيره ? في النفس والمجتمع ... وفي الحياة والكون ... كما أن تأثير الانقلاب الجذري الذي صاحب الدعوة المحمّدية منذ إشراقه"اقرأ باسم ربّك الذي خلق"الأبجدية الأولى للعمل الإسلامي- لم يقف مدّه عند مساحة المفاهيم العقيدية والمسألة الاجتماعية والأعراف والخلق ... وإنما امتد قدما ليلمس أيضا الخطاب الثقافي السائد في المجتمع العربي حينذاك فيبعث فيه روحا إبداعيا جديدا.

وإذا كانت الظاهرة القرآنية قد شغلت- بإبداعية خطابها المؤثر وعمق مضامينها وجدّة أسلوبها- العرب عن قول الشعر والانبهار به وأخرست بإعجاز بيانها السنة الفحول عن النطق به فإن ذلك لا يعني أبدا كون الإسلام جاء ليحطّ من قيمة الشعر ويلغي دوره في الحياة ويعلم حربه على الشعراء ... وإنما الذي يجب أن يقر في الذهن- كما يقول الدكتور? يوسف خليف- هو أن القرآن قد اضعف من سيطرته ( أي الشعر) على المجتمع الأدبي الإسلامي بعد أن كان هو اللون الأساسي في الحياة الأدبية الجاهلية. وإذا كان لبيد بن ربيعة قد فكّر في أن يحطّم قيتارته - بعد أن اسلم وملك عليه الإسلام كيانه- فقد كان هناك غيره- مع دخولهم حظيرة الإيمان والإسلام- قد احتفظوا بقيثاراتهم دون أن يحطموها ... إن الرجّة الدينية والأدبية التي أثارها القرآن في نفوسهم وفي المجتمع الإسلامي من حولهم كادت تزلزل الأوتار في أيديهم وتجد الناس لا يجدون في فنّهم تلك المتعة الآسرة التي كان القدماء يجدونها في الشعر القديم. (1)

وإذا كانت الآراء قد اختلفت حول تقييم الشعر الإسلامي- قديمه وحديثه- فمنها ما يلحّ على صفة الضعف فيه ومنها ما يجزم بقوّته وازدهاره... فنحن مع الرأي الذي يرى أن الشعر- في ظلال الحياة الإسلامية- قد شهد أزهى فترات تقدمه وإبداعه وذلك بما تهيأ له في المناخ الإسلامي من أسباب القوة والتقدم والنهوض ? كالمصداقية وحرية التعبير والالتزام المسؤول إذ يكفي أن نعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمّد شاعر الإسلام الأول حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه- بالأسباب المشجعة على القول والإفصاح من مثل قوله له ?

"لندرك مدى المصداقية والمكانة التي يتبوؤها الشاعر- والشعر- في المجتمع الإسلامي".

وقد فهم الشعراء هذا الدور الذي أولاه لهم هذا الدين ووعوا أبعاده... فكرّسوا قرائحهم في خدمة الدعوة وشحذوها لتحصين القيم والمثل السامية وترشيد الحياة الإسلامية والتغني بجمال الكون وإبداع الخالق... والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر....

كما انهم وطّنوا أنفسهم على الالتزام بقضايا الأمة وترجمة هموم المسلمين والإفصاح الصادق عن المعاناة الإسلامية .... ونظرة منصفة للتراث الشعري القيّم الذي تمخّضت عنه القريحة الإسلامية تشهد بصدق ما نقول...

ولعل في مقالات هذا الكتاب بعض الشواهد التي تكشف بوضوح عن ثراء ديوان الشعر الإسلامي وتنوع موضوعاته وعمق مضامينه وصدق التزام الشعراء الإسلاميين برسالتهم الثقافية ودورهم في الحياة.

عبد القادر عبار

القوة والوضوح في الشعر الإسلامي

حول ظاهرة الرمز والوضوح في الشعر الحديث ...

يلاحظ القارئ في جل الكتابات الشعرية الحديثة- الشبابية منها خاصة- المبثوث منها في الدواوين والمبعثر في الجرائد والمجلات والنشرات يلاحظ أنها تتسم بالرمزية المفرطة أحيانا والمحتشمة أحيانا أخرى.

وكتاّب الشعر- حسب رأيي ولا أقول الشعراء- عندما يصرون على انتهاج هذا المنحى في انتهاجهم يحدثون- علموا أم لم يعلموا- فجوة عميقة بين الجمهور وكتاباتهم. فكم من عاشق للقوافي يمني النفس بقراءة لديوان ما ثم لا يلبث أن يجد نفسه مرغما على طرح ذلك الديوان جانبا نتيجة الملل السريع الحاصل من عدم فهم أي معنى للكلمات المرصوفة بتكلّف بليد وعدم تحسس أي تسلسل فني عفوي للجمل الشعرية المهندسة وفق بناء فوضوي للقصيد وكذلك عدم الفوز بأي نغم شعري هفهاف يروّح عن الخاطر وينعم الوجدان رغم ما يبذل القارئ من جهد ومصابرة.

ويعجبني تعليق للشيخ محمد الغزالي في صراحته العفوية ?".... وإذا كان الأدب مرآة أمة ودقات قلبها فإن المتفرّس في أدب هذه الأيام العجاف لا يرى فيه بتة ملامح الإسلام ولا العروبة ولا أشواق أمة تكافح عن رسالتها وسياستها الوطنية وثقافتها الذاتية ... ما الذي يراه في صحائف هذا الأدب؟ لا شيء إلا انعدام الأصل وانعدام الهدف والتسوّل من شتى الموائد الأجنبية وحيرة اللقيط الذي لا أبوة له . والشعر ؟ لا موضوع له ... وإذا لمحت عيني ما يسمى بالشعر المنثور تجاوزته على عجل. لأني من طول ما بلوته يئست أن أجد فيه معنى جادا أو شعورا صادقا أو فكرة واضحة ..." (2)

شواهد ...

ولن اذهب بك بعيدا فأمامي الآن نموذجان شاهدان أولهما من المغرب العربي وثانيهما? من المشرق.

هذا المقطع الأول من قصيدة بعنوان ? أنت انت عروس البر والبحر- جاء فيه ?

"ت . ش . م ."

تتشمسين في القيلولة يبلّلك العطش

تفلتين من اللفح.. تهربين من النعاس.. تغالبين الإغماء..

ترشين الوجه بماء الزهر

تدخلين في الظل

تحملين الوزر على الظهر..تختفين في الشعاب..

يجرّب الوطن في أبعاد عينيك دفء الولوج

وحفيف الانسياب" (3) "

وهذا مقطع من قصيدة بعنوان ?"محاولة في تأويل عيني حبيبتي"?

"آخذ قبلة عينيك واقرأ ?"

خيزران ويعافير وبقل ونخيل أنثوي

ومهاتان وينبوع ورمل

وغزال يستحم

آخذا كنت و أكتب ?

سيسبان فرعوني وغيد يتهادين

وولدان ينادون ?تعالين إلينا

ومواعيد هوى تمّت ? وأخرى ستتم" (4) "

فهل بمثل هذا الكلام الذي يدعي أصحابه مصرّين على أنه شعر (؟؟) يمكن تبليغ قضية ما إلى الجمهور لتحريك عواطفه وكسب تأييده ونصرته ؟ وهل بمثل هذه الرمزية المبهمة التي لا يكاد يفهمها حتى أصحابها يفرض الشعر سلطانه على الوجدان؟ والجواب كما جاء على لسان الشاعر كمال رشيد ?

وكما يموت الصديق في زمني مات القصيد ولامس الوحلا

تجري الأمور كما لو انطفأت عين البصيرة ورأيه اعتلاّ

إلا أن أمانة البحث وموضوعية التحليل تفرض علينا أن نبحث عن الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة . فنجد أن هناك أسباب ذاتية وأخرى خارجية ?

الأسباب الذاتية ...

ونرجعها أساسا إلى ?

* هزال الثقافة الشعرية المتينة والأصيلة والواسعة لدى الشاعر.

* عجز فني مفاده الضعف التكاملي لدى الفنان الذي ستتحول المعاني على يديه إلى سحب ضبابية وممارسات غيبية لا يعرف حتى قلبه معناها. (5)

الأسباب الخارجية ...

من يتابع شعراء الغموض يجد أن معظمهم أبتدأ"كلاسيكيا"ثم مال إلى الحداثة والتجديد فالغموض بالنسبة لهم لا يعدو أن يكون مسايرة للموضة الجديدة وتقليدا لثورات شكلية في أدب الغرب . وهذا ما يبرر سقوط العديد من شعراء الغموض والتجديد على دروب الحداثة الأصيلة التي يجب أن تنبع من واقع عربي إسلامي وليس مجاراة لصراعات غربية لا تمت لواقعنا بأي صلة. (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت