فهرس الكتاب

الصفحة 876 من 2255

ثم هناك عوامل الواقع الموضوعي المعاش الذي يرتكس فيه الشاعر والمتسم عموما بالتخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتسلط السياسي .. هذه العوامل تصطدم بحساسية الفنان فتجبره على اللجوء إلى الرمز والإيحاء هروبا من المباشرة.

وههنا أقف لأطرح سؤالا يشكل صلب البحث ? هل سلك الشعراء الإسلاميون هذا المنحى في كتاباتهم ؟

ميزة الشعر الإسلامي ... لقد تميز الشعر الإسلامي منذ العهود الأولى بسمو الموضوعات التي عالجها ونبل الغاية التي قصد إليها ? فموضوعاته هي الإسلام ودعوته. وغايته إخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن ضيق الكفر إلى سعة الإسلام (7) .

وكان الشعر عبر رحلته الإسلامية يقود معارك الحرية ضد الاحتلال الأجنبي ويوقد نيران الحماس في الجماهير التي تنطلق بين الحين والحين لتدافع عن وجودها المادي والأدبي. (8) .

ولا ننسى هنا شهادة العلامة بن خلدون في مقدمته الرائعة حول الشعر الإسلامي عموما حيث يقول?"إن كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من كلام الجاهليين في منثورهم ومنظومهم ... والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام من القرآن والحديث اللذين عجز البشر عن الإتيان بمثلهما فنهضت طباعهم وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها. فكان كلامهم في نظمهم ومنثورهم احسن ديباجة وأصفى رونقا من أولئك وارصف مبنى واعدل تثقيفا بما استفادوه من الكلام العالي."

القوة والوضوح في الشعر الإسلامي ...

إن المتصفح للشعر الإسلامي القديم منه والحديث يلمس فيه القوة والوضوح في المبنى والمعنى ... بعيدا عن كل إبهام وغموض وذلك راجع- في تقديري- إلى اعتبارين ?

كونه ? من باب العمل الصالح

ذلك أن الذين رضوا الحق والصدق بتبنيهم الفكرة الإسلامية لم يرضوا أبدا أن يغطوا أفكارهم أو يصبغوا أشعارهم برمزية معقدة بل اتخذوا الوضوح منهاجا في كل ما يكتبون يقينا منهم أن ما يفعلونه هو من"العبادة"ومن باب العمل الصالح الذي يتقربون به إلى الله مولاهم الحق. والعبادة في إسلامنا الحنيف- كما نعلم- بعيدة عن الطلاسم والرموز والتعقيد بل هي في غاية الوضوح والجلاء.

والشعراء الإسلاميون- من هذا المنطلق- هم الذين يحيون تحت مظلة الاستثناء في القرآن الكريم ?"... إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا..." ( الشعراء 227)

ولنا في أقوال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لحسّان بن ثابت شاعر الإسلام الأول الأسوة الحسنة ?"نافح عنا وروح القدس يؤيدك""اهجم وجبريل معك" (9) .

كونه ? دعوة ...

لقد اهتمت الدعوة الإسلامية منذ أيامها الأولى بالشعر والشعراء و أحلّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الشعراء مكانا بارزا في الإعلام الإسلامي فأدّى الشعراء الرسالة التي أنيطت بهم وتصدوا لشعراء المعسكرات المناوئة للدعوة آنذاك ?للمشركين واليهود والمنافقين فأبطلوا باطلهم وردوا افتراءهم ووفّقوا في ذلك التوفيق كله. (10) .

وقد واكب الشعر الإسلامي مراحل الفتوحات والحرب والجهاد منذ بدايتها وعاش معها في كل مراحلها وتطوراتها المختلفة وحمل الشعراء على عواتقهم عبء الدعوة ومقاومة المحتلين وتوحيد الجهود الإسلامية المشتتة (11) .

وكذلك استمر شعراء الإسلام على مر العصور هداة وجنودا حماة يرفعون صوتهم بالدعوة إلى الله ويرمون بشعرهم أعداء الإسلام (12) . وكيف لا يفعلون والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول ?"ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم".

ومن هنا أصر الشعراء الإسلاميون على أن يكون شعرهم قذائف حقّ تطيح بالأعداء ودعوة ناصعة تبلغ إلى الجماهير العريضة على مختلف مستوياتها وأصواتا تسمع وألحانا تفهم دون ترجمان . وهذا لا يمكن أن يتيسر إلا متى كانت نفثات الشاعر واضحة المعنى قوية المبنى موسيقية النفس.

وعموما فالشعر الدعوي في معظمه كان صادرا عن عاطفة جياشة ودافع إيماني ولهذا كان طبيعيا أن يفرغ الشعراء مضمون قصائدهم في صور فنية جميلة تبرز روعة المعاني وتصوغ الأفكار صياغة محسوسة دقيقة (13) .

وسأستعرض نماذج من الشعر الإسلامي الحديث تبيانا لما أوضحنا.

نماذج من الشعر الإسلامي الحديث ...

فهذا الشاعر جمال فوزي وهو في غياهب السجن يعلن للعالمين عن منهجه في الحياة ?

سأظلّ حراّ ما حييت مندّدا بالبطش بالجبروت والطغيان

روحي على كفّي فداء عقيدة في ظلّها الوافي اتخذت مكاني

ويظلّ صوتي ما حييت مجلجلا ذوق المهانة ليس في إمكاني (14)

وهذا الشاعر احمد فرح يرسم خيوط الهزيمة وينبش عن أسباب الارتكاس ?

لهفي على العرب أعلاما ممزقة وراءها كل طبّال و زمّار

تقسّمتنا شعارات يروّجها في شعبنا كل طاغوت وغدّار

و صوّروه عدوا متّهما وسلّطوا كل هتّاف و ثرثار

إن الشعوب إذا ضلّت حقيقتها أمسى بها العبد نخّاسا لأحرار

والجيش من دون إيمان ومعتقد ظأن يساق إلى حانوت جزّار (15) .

وهذا الشاعر محمد محمود الزبيري قد تغلغلت في أعماقه هموم شعب مهدد بالإعدام والتمزق وجرحته مأساة الجماهير المحطمة تحت سندان الظلم والبغي فلم يهنأ حتى صرخ مزمجرا كالليث بصوت مدوّ مفهوم لا التواء في كلماته ولا غموض في معانيه ?

علت بروحي هموم الشعب وارتفعت بها إلى فوق ما كنت ابغيه

وخوّلتني الملايين التي قتلت حق القصاص على الجلاّد أمضيه

أحارب الظلم مهما كان طابعه البرّاق أو كيفما كانت أساميه

سيّان من جاء باسم الشعب يظلمه أو جاء من- لندن- بالبغي يبغيه (16) .

وبعد...

إن الشاعر الذي يعيش قضايا أمته ويتخذ من الكلمة الشاعرة سلاحه في الميدان ?يحمي بها عقيدته ويلوذ بها عن دعوته يتحتّم عليه الابتعاد عن أي طلسم أو غموض حتى تكون كلمته حيّة نابضة فاعلة ومؤثّرة ذلك أن الكلمة الغامضة والمبهمة هي- في تقديري- كلمة ميتة لا حسّ لها إذ حياة الكلمة بمدى تأثيرها وصدقها وشفافيتها وتغلغلها العفوي في الرأي العام.

ومن هنا أعيب على الشعر الفلسطيني المشبع بالرمز المعقّد والغموض الجامح توخّيه هذا المنحى فأولى بشعراء القضية- أي قضية- أن تكون كتاباتهم متسمة بالقوة والوضوح والشفافية.. إذا أرادوا من كلماتهم أن تكون رسلا وقذائف.

هموم المسلمين في الشعر الإسلامي المعاصر

كثيرة هي هموم المسلمين في هذا العصر.. ومتشعّبة ومحزنة ... ولا أخال مسلما صادق الإيمان صالح القلب مهتما بأمر المسلمين- ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم - ... ينفي عن نفسه الإحساس بضغط هذه الهموم على شعوره ووجدانه.

وإذا كان التاريخ- وهو وعاء الأحداث والتجارب- يحدثنا? انه لا تكاد تخلو سجلات عصر من العصور المنصرمة دون تسجيل اضطهادات في صفوف المسلمين وجراحات وآلام قد تحملها الجسد الإسلامي وقاسى من ويلاتها ...

فإن هذا العصر- رغم الشعارات الحضارية البراقة التي يرفعها ? كاحترام الحريات وحقوق الإنسان والإخاء البشري والسلام العالمي والديمقراطية - قد فاضت دفاتره بما سجلت من معاناة أمة الإسلام دون غيرها من أمم الأرض وما يلقاه اتباع عقيدة التوحيد وأحباب محمد صلى الله عليه وسلم من التنكيل والتآمر ومن سموم مخططات الإفناء الأدبي والمادي ومن الاستفزاز الحضاري بوجهيه ? الثقافي والتقني ... على طول خارطة الوجود الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت