ذلك أن القوى العالمية الغاضبة والحاقدة في صميمها على دعوة الحق قد رمت المسلمين عن قوس واحدة وكالبتهم من كل جانب حتى أصبح تدمير الإسلام وتصفية أهله هدفا استراتيجيا في سياسة اليمين واليسار تخطط له أمريكا كما تخطط له روسيا إذ ليست الرأسمالية بأرحم بالمسلمين من الشيوعية ولا أتباع بوذا وعبّاد البقر بأشفق عليهم من عبّاد الصليب وأولاد الأفاعي.
فكل ملل الكفر والإلحاد والشرك رغم التناقضات الصارخة بينها والصراعات الموهومة الحاصلة بين صفوفها... فهي تلتقي يدا واحدة وفكرا واحدا وصفا واحدا عند الكيد للإسلام والتآمر على أنصاره وهذه حقيقة لم تغب ولن تغيب عن وعي الإسلاميين ما لم تفتر علاقتهم بكتاب الله الخالد وما لم يتلبّد فهمهم لمحكم آياته وصريح توجيهاته? ذلك أن القرآن الكريم قد نبّههم إلى استمرارية الكيد العالمي لأصحاب الحق والى ضراوة التآمر الدولي على المؤمنين الصادقين .. قال تعالى (( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا ) ) ( البقرة 217) وهذا التقرير الصادق من العليم الخبير كما يقول سيد قطب رحمه الله - ?
"... يكشف الإصرار الخبيث على الشر وعلى فتنة المسلمين عن دينهم بوصفها الهدف الثابت المستقر لأعدائهم وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة الإسلامية في كل ارض وفي كل جيل ... وتتنوع وسائل قتال هؤلاء الأعداء للمسلمين وأدواته ولكن الهدف يظل ثابتا ? أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينهم إن استطاعوا وكلما انكسر في يدهم سلاح اتخذوا سلاحا غيره وكلما كلّت في أيديهم أداة شحذوا غيرها ... والخبر الصادق من العليم الخبير قائم يحذر الجماعة المسلمة من الاستسلام ..." (17) .
موقف الشعر الإسلامي المعاصر من معاناة الأمة
إذا كانت هناك مرآة- في وقنتا الحاضر على الأقل- تعكس بصدق هذه الهموم وتعبر بعمق عن مشاعر هذه الأمة وأحاسيسها وتجلو أحزانها وترسم بواقعية مبدعة ملامح معاناة ملايين المسلمين واهتماماتهم وطموحاتهم ... فلن تكون هذه المرآة غير الشعر الإسلامي الملتزم ? ذلك أن لهذا الشعر رسالة تملي عليه خدمة الإسلام والذود عن حمى عقيدته والإفصاح عن هموم المسلمين حيثما كانوا ... وهو متى تخلّى عن هذه المهمة وفاته أن يكون سلاحا من أسلحة الدعوة ومنبرا من منابرها ... فهو باطل من القول وزور.
ما هو المطلوب من الشاعر الإسلامي ؟
إن المطلوب من الشاعر الإسلامي المعاصر هو أن يشارك في رسم صورة لحياة المسلمين بكل ما تحويه هذه الحياة من آمال وطموحات وآلام وأفراح وأحزان وهجرة وجهاد ونصر وفتح وسيادة وتمكين ... وهذا ليس تكليفا عصريا جديدا بقدر ما هو استئناف لرسالته الشعرية الخالدة منذ فجر العصر الإسلامي الأول وعلى طول مسار الدعوة المباركة ? ذلك أن من ميزة الشعر الملتزم- والشعر الإسلامي هو الذي اعنيه في هذا المقام- كان ولا يزال دائم الحضور في المحن والملمات.. في الكرّ والفرّ..في المنشط والمكره ... حتى لكأنه - في حسي - ? ذلك القمر الاصطناعي الاستكشافي الذي يلتقط بعدساته الحساسة كل سكينة وحركة كل دمعة وابتسامة ... بل كل مدّ وجزر في حياة الأمة وهذا ما يجعل منظومات الشعراء الإسلاميين وقوافيهم تتسم بالشفافية والصدق والواقعية.
فلننظر إذن في وجه هذه المرآة . ولنتأمل صفحتها النابضة والمفعمة بالصور الحية والرسوم الناطقة والمشاهد المعبرة ولنعش بعض الوقت في ظلال القافية المجاهدة والكلمة الداعية نستوحي منها بعض ملامح هموم أمتنا الإسلامية ومعاناتها.
الشعر الإسلامي ... وهموم العقيدة والدعوة.
إذا كان لكل عقيدة من عقائد العصر شعرها وأدبها وفنّها وإعلامها الذي يعمل على نشرها والتعريف بها والدفاع عنها ... فهل يعاب على الإسلام وهو الدين الحق والخالد والمهيمن أن يكون له شعراء يدافعون عنه ويجاهدون بالكلمة الصادقة القوية ويتغنون بمحاسنه ويمجدون فضائله ... ويترجمون هموم أهله واتباعه ويرسمون بالقافية النابضة معاناتهم وآمالهم ؟؟ ... خاصة إذا علمنا بأن نموّ العقائد المعاصرة وتكاثر المنهجيات وتراكم الأيدلوجيات في هذا العصر إنما جاءت بغرض التضييق على عقيدتنا ومحاصرة إسلامنا وتشويه واستفزاز أنصاره وطرحها- أي هذه العقائد - ... كبدائل حضارية عصرية أمام الناس وأمام أبناء المسلمين خصوصا حتى يتركوا دين آبائهم الخالد وينسلخوا من أصالتهم ويعقّوا عقيدتهم السمحة الخالصة تحت غطاء الشعارات الفخمة المزيفة والتبريرات الواهية.
فتارة يستفزهم عواء الملحد ولسان حاله يقول ?
دولة الإلحاد معبودي وأمي وأبي
وزعيمي ماركس عقل عظيم المأرب
بطل أحيا عصور الغاب في ذي الحقب
أنكر الله و لم يؤمن بدين أو نبي
إن في مبدئه تأمنوا فيه شرور النّوب (18)
وطورا يعكّر صفاء ساحتهم ? صفير جاهلي يهمهم ?
هذه قوميتي ? ديني وأهدافي السنيّة
إنها فلسفة تصنع للشعب رقيّه
فانصروها تبلغوا الغاية من كل قضية
ويتّحد الإلحاد الماركسي مع الصفير الجاهلي ليثيروا إعصارا وقحا يعصف بالمسلمين في محاولة لإحباط حركة الدعوة وتشويه نضارة البديل الإسلامي ?
لو أقاموا دولة الإسلام مات الناس جوعا
حرّموا الخمرة والرّشوة والفنّ الرفيعا
كيف نجني بعدها الربح ؟ ألا ماتوا جميعا (19)
وهنا يأتي دور الشاعر الإسلامي الذي لا يرضيه هذا التحدي الماجن... فيبادر بترجمة غضب الرأي العام الإسلامي ورفضه لمثل هذا الاستفزاز الحاقد ?
تارة بحدّة الثائر لكرامته المعتزّ بدينه ?
يا دعوة الحقّ سيري رغم أنفهم وجلجلي في الورى فخرا وإيمانا
لن نستكين لمغرور يحاربنا مهما تطاول إلحادا و نكرانا (20)
وتارة وفق التوجيه القرآني ? (( بالحكمة والموعظة الحسنة ) )?
أيها الناس أجيبوا دعوة الحق المبين
إنها دعوة إيمان برب العالمين
شرعت ما يسعد الإنسان في دنيا ودين
أطلقت فيه قوى الخير وروح الطامحين
ارجعوا لله للحق ... وكونوا مسلمين (21)
... ثم بلهجة المتحدّي الواثق ?
قالوا? العروبة. قلت ? دين محمد إنّا به لا بالعروبة نهتدي
هي قالب الإسلام إمّا أفرغت منه فقد صارت مطيّة ملحد
يا من يريد الجاهلية منهجا يدعو إليه ويا لسوء المورد
أيقال إنّك نابه متقدّم كذبوا عليك ... لقد نصحتك فاقعد
بل أنت في رجعية مذمومة وتقهقر نحو المتاه الأبعد (22)
ثم يلتفت الشاعر إلى الدعوة ليجدد لها وفاء الأنصار على العهد وبقائهم على الود وإصرارهم على النصرة وإفرادها بالولاء ?
يا دعوة الحق إنّا لا نزال على درب العقيدة لم نحجم ولم نخب
نغدو على ساحة الإسلام عن ثقة ولو صلبنا على الأعواد والقصب (23)
وهذا الجزم والإصرار والثبات على المبدأ قد كلّف المؤمنين الصادقين ثمنا باهظا وذاقوا في سبيله شتّى ألوان التنكيل والتآمر ... بل قد مسّهم البأساء والضرّاء من أعدائهم بمجرد إعلان الانتماء الواعي للإسلام.
نجد هذا في شكوى الشاعر المسلم الذي يرسم في هذه الأبيات النابضة الصارخة معاناة ملايين المسلمين الذين زجّ بهم في السجون وذاقوا ألوانا من العذاب البربري الحاقد لا لشيء إلا لأنهم اختاروا الإسلام عقيدة ومنهاجا ?
الهي قد غدوت هنا سجينا لأني انشد الإسلام دينا
وحولي اخوة بالحق نادوا أراهم بالقيود مكبّلينا
فطورا مزّقوا الأجسام منّا وطورا بالسّياط معذّبينا (24)
هكذا يتضح لنا من خلال ما عرضنا من أمثلة مختارة ومختصرة بأن هموم العقيدة قد تبوأت مكانا بارزا في الشعر الإسلامي المعاصر وأولاها الشاعر المسلم اهتماما رئيسا لائقا بمقامها حتى جعل الروح لها فداء ?