فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 2255

وتعديل طرائق الإنتاج ليس شيئًا مستحيلًا. فالكفر الإنسانى الذى أنشأ هذه الطرائق في ظل أنظمة رأسمالية ربوية - أو مادية مذلة للإنسان بصفة عامة - يملك أن ينشئ طرائق أخرى، تجمع بين الغايتين كما أسلفنا .. متى رفع عنه كابوس التصورات المذلة للإنسان، وسياط الفوائد الربوية التى تسوق الاستثمار والإنتاج في كل مكان 0

إن منهجنا هو الذى يقيم الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والتعليمية والتربوية المتكاملة، التى تعيد (( إنشاء الإنسان في تمام شخصيته. الإنسان الذى أضعفته الحياة العصرية ومقاييسها الموضوعة ) )كما يريد دكتور كاريل من (( علوم الإنسان ) )أن تفعل !

فإعادة إنشاء الإنسان لا يقدر عليها الإنسان.. إن الذى خلق الإنسان هو الذى يملك أن يعيده، والذى أنشأه في أحسن تقويم هو الذى يملك أن يرده إلى تقويمه، بعد أن يكون قد هبط إلى أسفل سافلين: (( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) )000 (التين: 4 -6 )

إن الذى يحاوله دكتور كاريل والعلماء المؤمنون من أمثاله، أو الغيورون على (( الإنسان ) )- بصفة عامة - أكبر من طاقة الإنسان. إنهم يطلبون عمل إله وقدرة إله، وعلم إله، وهيهات كأن ينهض البشر بما هو من خصائص الله..

إن الإنسانية تتردى في الهاوية .. هذا صحيح .. وتنتحر بيدها.. هذا صحيح.. وتختنق بالظروف العدائية التى أنشأها العلم حولها (( الظروف التى تجعل الحياة ذاتها مستحيلة ) ).. هذا صحيح00

إن خصائص الإنسان التى بها صار إنسانًا، والتى بدونها لا يملك المضى في خلافة الأرض، والسيادة على عناصرها .. تدمر تدميرًا بشعًا، والإنسانية لا تدرى، ولا تستمع لأصوات العقلاء الذين ينذرونها بالخطر .. وإن استمعت فلا تملك أن تتوقف عن المضى إلى الهاوية 00

وهناك منهج واحد .. واحد لا يتعدد .. هو الذى يملك إليها يده بالإنقاذ 00

وهناك طريق واحد .. واحد لا يتعدد .. هو طريق الخلاص ..

ولكن كيف يقدم هذا المنهج للبشرية؟ وكيف يشرع هذا الطريق؟؟؟

ذلك فصل الختام في هذا الكتاب 000

إن البشرية لا تستجيب عادة لمنهج مقروء أو مسموع. إنما تستجيب لمنهج حى متحرك، مجسم، ممثل في حياة جماعة من البشر، مترجم إلى واقع تراه العين وتلمسه اليد، وتلاحظ آثاره العقول000

إنها تستجيب للمنهج الإسلامى في صورة00 مجتمع إسلامى00

وعلى ما لقيته البشرية من اللأواء والنصب في هاجرة التيه المقفز الذى سارت فيه بلا دليل00

وعلى كل ما عانته من التجارب القاسية، والتخبط المؤلم، وهى تنهض وتعثر، وتنزف جروحها طوال الطريق00!

وعلى كل ما يهدد خصائصها من الدمار، ويهدد حياتها من البوار، في ظل هذه الحضارة المادية التى أقيمت دون علم بالإنسان، ودون مراعاة لخصائصه في كل زمان!

وعلى كل ما يدرك العقلاء فيها من جسامة الخطر الذى يتعرض له وجودها ذاته، وتتعرض له خصائصها الثمينة00

على الرغم من هذا كله، فإنه ليس من عادة البشرية أن تستجيب لمنهج مقروء أو مسموع00 ما لم يتمثل في صورة (( مجتمع ) )يعيش بهذا المنهج، ويعيش له، وتتمثل فيه خصائصه ومزاياه00

وألف كتاب عن الإسلام0 وألف خطبة في مسجد أو قاعة أو ميدان0 وألف فليم في الدعاية للإسلام0 وألف بعثة من الأزهر أو غير الأزهر في كل مكان00 كل أولئك لا يغنى غناء مجتمع صغير يقوم في ركن من أركان الأرض، يعيش بمنهج الإسلام، ويعيش لمنهج الإسلام، وتتمثل فيه خصائص هذا المنهج، وتتمثل فيه صورة الحياة في الإسلام!!

وأعداء الإسلام العالميون من الصهيونيين والصليبيين المستعمرين يعرفون هذه الحقيقة جيدًا0 ومن أجل معرفتهم العميقة بهذه الحقيقة، هم قد يسمحون بنشر الكتب عن الإسلام- في حدود- وبإلقاء الخطب عن الإسلام- في حدود- وبعرض الأفلام عن الإسلام- في ندرة!- وبإرسال البعثات للإسلام- في رقابة!- ولكنهم لا يسمحون أبدًا- بما لديهم من سلطات عالمية ضخمة خافية وظاهرة- بقيام مجتمع إسلامى- ولو صغير- في ركن من أركان الأرض- ولو في جزيرة بالمحيط!

ذلك أنهم يعرفون أن هذه هى الوسيلة الجدية الوحيدة (( لوجود ) )الإسلام! وهو قد عانوا من (( وجود ) )الإسلام طويلًا0 إذ حال بينهم وبين أهدافهم الاستعمارية الاستغلالية للوطن الإسلامى وللمجتمع الإسلامى00 وما صدقوا أن أجهزوا- كما يتصورون- على هذا الجبار0 فهم يفزعون من شبحه ولا يريدون له (( الوجود ) )الفعلى بحال من الأحوال00

ولكن المجتمع الإسلامى- مع هذا كله- هو طريق الخلاص الوحيد للبشرية المهددة بالدمار والبوار00

إنه الاستجابة الوحيدة لنداء الفطرة في ساعة العسرة0 والفطرة في ساعة الخطر تتنبه وتعمل، ومهما تكن في خمار أو دوار!

إنه ضرورة إنسانية، وحتمية فطرية00 ومن ثم فإن الدوافع لبروزه أقوى من كل قوة معوقة0 أقوى من الصهيونية الماكرة والصليبية المستعمرة0 وأقوى من الأجهزة المسلطة في كل زاوية من زوايا الأرض00 وأقوى كذلك من جهل أهل الإسلام بالإسلام، وبلادتهم وانغمارهم في التيار الجارف العام!

إنه لا مفر من قيام هذا المجتمع00 المجتمع الإسلامى00

إنه إن لم يقم اليوم فسيقوم غدًا0 وإن لم يقم هنا فسيقوم هناك00 ولا نريد أن نتنبأ عن مكان أو زمان، فنحن- البشر- تقف تقديراتنا دائمًا عند ستر الغيب المسدل، الذى لا يعلم ما وراءه إلا الله0

إلا أن الذى ينبغى أن يقال00 هو التحذير من وقع هذه الكلمات! التحذير من الأمل العريض الذى قد تنشئه في بعض الصدور!

إن حتمية قيام هذا المجتمع بوصفه ضرورة إنسانية لإنقاذ الإنسانية0 وبوصفه الترجمة العملية للمنهج الإلهى الذى لابد غالب00

إن هذه الحتمية ليس معناها، أن الطريق إليه نزهة مريحة، ولا أنه هناك على قيد خطوات00

كلا أن حتمية الميلاد لا تغنى من آلام المخاض!

والطريق إلى المجتمع الإسلامى طويل وشاق00 وملئ بالأشواك0 وأعسر ما في هذا الطريق هو أن نرتفع نحن بتصوراتنا، وبأفكارنا، وبأخلاقنا، وبسلوكنا- ثم بواقعنا الحضارى المادى- إلى مستوى الإسلام0 ولكنه بعد هذا كله- ضرورة إنسانية0 وحتمية فطرية0 ولابد له من ميلاد0 ولابد للميلاد من مخاض0 ولابد للمخاض من آلام!

ولابد من معرفة ملامح هذا المجتمع وخصائصه الذاتية بوجه عام، ولابد من تصور طريقة مواجهته للحضارة القائمة ومنشآتها القائمة ومؤسساتها العاملة0 وأوضاعها هنا وهناك0

ولكن متى ينبغى بيان هذا وذاك؟

فأما المعرفة العامة لملامح هذا المجتمع وخصائصه الذاتية فنعتقد أنها ضرورية منذ الآن، وقد أشرنا إلى بعضها في ثنايا فصول هذا الكتاب00

وفى حدود جهدى الخاص: لقد أعددت لهذا بحثًا ضخمًا مفصلًا تحت عنوان: (( نحو مجتمع إسلامى ) )وبحثًا آخر عن (( خصائص التصور الإسلامى ومقوماته ) )وكلاهما يكمل الآخر في هذا المجال0

وأما معرفة كيف يواجه المجتمع الإسلامى الحياة الحاضرة، وكيف يتصرف في أوضاعها القائمة- وعلى الأخص صياغة هذا في قالب فقهى مقنن- فهذا ما أعتقد أن كل كلام فيه- في غير الإطار العام- سابق لأوانه00 بل أشبه شئ باستنبات البذور في الهواء!

إن محاولة وضع أحكام تشريعية فقهية إسلامية لمواجهة أقضية المجتمع الذى تعيش فيه البشرية، والذى ليس إسلاميًا، لأنه لا يعترف بأن الإسلام منهجه، ولا يسلم للإسلام أن يكون شريعته00

إن محاولة وضع أحكام تشريعية لأقضية مثل هذا المجتمع، ليست من الجد في شئ0 وليست من روح الإسلام الجادة في شئ0 وليست من منهج الإسلام الواقعى في شئ00

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت