فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 2255

كما سيرفض كذلك النظرة الحيوانية للإنسان التى أطلقها (( داروين ) )والنظرة القذرة إلى دوافع الإنسان، وحصرها في وحل الجنس كما يزعم (( فرويد ) )وهو يدرس (( الشواذ ) )ويجعلهم هم (( الإنسان ) )000

كذلك سيرفض منهجنا على هذه النظرات كلها من إقامة الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وإقامة نظام العمل وطرائق أساس إهدار آدمية الإنسان، وخصائصه الإنسانية العامة أولًا، وخصائصه الذاتية الفردية ثانيًا ، وخصائصه جنسيه المتميزين ثالثا، واعتباره ترسًا في الآلة، أو بهيمة في القطيع. والاهتمام فقط بمضاعفة الإنتاج، وبتوفير وسائل إشباع الضرورات الجسدية - فحسب - مع إهدار أشواق الإنسان وحاجاته الأخرى في نظام الحضارة (كما يقرر الدكتور كاريل) من حبه للجمال والفن ونشاطه الأدبى والدينى.. (غير أن تصور منهجنا للنشاط الدينى لن يكون في تلك الحدود الضيقة التى لا يعرف الدكتور كاريل سواها. بل سيكون معناها - كما قلنا - أن يكون الدين هو منهج الحياة الكلى، الذى تتحرك في إطاره، وتنمو بكل أنواع النشاط الإنسانى. ومنه العمل والإنتاج والسياسة والاقتصاد، والخلق والسلوك. والصلاة والدعاء، والاتصال بالملأ الأعلى والاتصال بالآلة والإنتاج سواء ) 0

وسيستدعى هذا تعديلًا في طرق الإنتاج الفنية (بحيث توائم بين الرغبة في مضاعفة الإنتاج والإبقاء على خصائص(( الإنسان ) )العامة، وخصائص الفرد الذاتية. وتعديل أوضاع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث توائم كذلك بين استقرار الحياة وتوازنها، والإبقاء على الخصائص (( الإنسانية ) (0الفردية ) ) مع الإبقاء - كذلك - على خصائص (( الجنسين ) )من ذكر وأنثى0

ومنهجنا لن يجد نفسه في مشكلة أمام الاستمتاع بالتيسيراتم الحضارية التى تتيحها الحضارة المادية وفنونها والمتجددة للإنسان، ولا أمام الاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا، وكنوز الأرض ونتاجها مما تتيحه الحضارة المادية، ولن يحدث نكسة إلى رهبانية روحانية كالتى ابتدعتها الكنيسة في أوروبا، لمقاومة سيل المتاع على الطريقة الرومانية، أو - بتعبير أصح - الهرب - من مواجهة الحياة الدنيا0

فمنهجنا لا ينكر الاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا، ولا يجمد الإبداع المادى في الأرض، ومن ثم لا يجمد وسائل المتاع بهذا الإبداع.. بل أكثر من هذا، هو يعد ذلك جزءًا من وظيفة في هذه الأرض. فالخلافة معناها القيام على شئون هذه الأرض، واستثمار خيراتها، واكتشاف كنوزها، والاستمتاع بطيباتها، في حدود منهج الله، مع التوجه لله بالعبادة والشكر والاعتراف على ما سخره للإنسان من طاقات في نفسه ومن مدخرات في هذه الأرض. وكثيرًا ما من الله على عباده بما أنعم عليهم من الموارد والتيسيرات التى كانت متاحة لهم حينذاك، وبشرهم بغيرها مما سيأتى. كما عقب على ذكر نعمة الأنعام، وما تيسره للإنسان من متاع وراحة ومنفعة وجمال، فقال بعد ذلك كله (( ويخلق ما لا تعلمون ) )فما من شىء طيب تنتجه الحضارة المادية، إلا ومنهجنا يعتبر حقًا للإنسان أن يستمتع به في حلال 000

ولكن هذا المنهج يرفض أن يستمتع الإنسان بخيرات الأرض ونتناج الحضارة كما يستمتع الحيوان. يرفض أن يكون الإنسان عبدًا للذائذه، مقهورًا عليها قهرًا لا يملك معه إرادته، ولا يملك أن يقف عند الحد الذى يؤمن معه المتاع، فلا يؤدى الإفراط إلى الانحلال والدمار.. والبوار.. يرفض أن يكون المتاع في ذاته غاية غايات الإنسان. فالإنسان أكرم من هذا وأرفع، وغاية وجوده الإنسانى أكبر من هذا وأضخم. وهو لا يكون (( إنسانًا ) )إلا بأن يدرك غاية وجوده، وأن يسيطر على شهواته ولذائذه وأن يقف عند الحد المأمون منها .. بإرادته 00

(( والذين كفورا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ) )000 ( محمد: 12 )

إن المحافظة على (( إنسانية الإنسان) هدف أساسى في هذا المنهج. فهو لا يملك أن يؤدى وظيفته الفذة في الأرض، إلا بتكوينه هذا الفذ. فأى عامل مرفوض من المنهج الإسلامى.

وهكذا نملك - عن طريق هذا المنهج - (( وسيلة أخرى لمعرفة القواعد التى لا تلين لوجوه نشاطنا العضوى والروحى، وتمييز ما هو محرم مما هو شرعى، وإدراك أننا لسنا أحرارًا لنعدل في بيئتنا وفى أنفسنا تبعًا لأهوائنا ) ).. فهذا المنهج يبين لنا هذا كله./. ولا ينتظر بنا حتى تصل (( علوم الإنسان ) ).. فهذا المنهج يبين لنا هذا كله .. ولا ينتظر بنا حتى تصل (( علوم الإنسان ) )إلى الحد الذى تجزم فيه برأى في هذه القضية الخطيرة، التى يتوقف علهيا بقاء (( إنسانية الإنسان ) )، بقاء الحضارة في المستوى الإنسانى. فكل الضروريات الأساسية التى من هذا النوع، رحمنا الله من توقفها على علمن - أو حتى على إرادتنا - وجعلها أحيانًا تتم بدون إرادة منا، كهضم الطعام وامتصاصه، لبقاء الحياة.. وكذلك هنا لم يدعنا نتخبط في جهالتنا لتمييز (( ما هو محرم مما هو شرعى ) )بل بين ذلك في منهجه لحياتنا بيانًا شافيًا . وأباح لنا الطيبات كلها، ولم يحرم علينا إلا أشياء قليلة - يلعم هو أنها تؤذينا، سواء علمنا نحن أم لم نعلم - ورسم لنا الحدود التى نحتفظ فيها بإنسانيتنا وخصائصها، مع المتاع بطيبات الحياة وتيسيرات الحضارة في كل زمان ….

ومنهجنا لن يجد نفسه في مشكلة أمام مؤسسات الحضارة الاقتصادية التى يقوم بناء الحضارة الصناعية عليها لشتى مرافق الحياة.. (وإن كنت لا أحب أن أدخل في تفصيلات فقهية في هذا الموضوع.. للأسباب التى سأبديها في الفصل التالى ) 0

ولكنه سيرفض حتمًا الأساس الربوى الذى يقوم عليه معظم هذه ا لمؤسسات. سيطهرها من هذا الرجس، ويخرج منها دود العلق، الذى يمتص دماء الملايين. ولن يسمح بنظام يجعل حصيلة كد البشرية في جميع أنحاء الأرض: من عمال وصناع وتجار ومديرى مصانع وأصحاب أرض وعمائر وصناعات.. كله .. يرجع إلى بضعة آلا ف من مؤسسى البيوت المالية وبنوك الإقراض في العالم، فهؤلاء هم الذين تكد البشرية كلها لتؤدى لهم (( فوائد ) )أموالهم المتداولة في أنحاء العالم. وهؤلاء هم الذين يوجهون الاستثمار - مباشرة أم غير مباشرة - إلى المشروعات الأكثر ربحًا - للوفاء بفوائد الأموال - وهى التى تحطم خصائص البشرية وأخلاقها ومقوماتها في الغالب. وهؤلاء هم الذين يسببون الأزمات الدورية المعروفة في النظام الرأسمالى. وهؤلاء هم الذين تنشأ عن خططهم الجهنمية اللعينة أزمات التعطل، والفساد الخلقى الذى يتبعه. كما تنشأ الخطط الاستعمارية - في صورها المختلفة، وآخرها (( استعمار الاستثمار ) )بعد ما فشل (( استعمار الاحتلال ) )- وعشرات من النكبات العالمية الأخرى .. ...

ومن ثم تختفى هذه الويلات التى تعانى منها البشرية كلها، أو تخف حدتها على الأقل.. حين يختفى النظام الربوى ..

أما المؤسسات الاقتصادية، فلا ذنب لها في ذاتها، ولا ضرر منها إذا اختفى هذا العنصر الخبيث (وذلك مع الاحتفاظ بوجهة نظرى في عدم وضع أحكام فقهية مفصلة الآن ) ) 00على أن طرق الإنتاج الحالية ، المؤسسة على قاعدة إنتاج أكبر قدر بأقل أجر.. والتى ينشأ عنها تحطيم خصائص الإنسان في المعامل والمصانع - كما يقول دكتور كاريل - يرجع قسط كبير من سوآتها للنظام الربوى. من ناحية أن الأموال المستخدمة في الاستثمار معظمها قروض ربوية. فهناك حرص شديد - فوق الحرص الذى تنشئه أثرة الرأسمالية وحمى المادية - على الربح، الذى يفى بفوائد القروض المستثمرة، وتفضل منه فضله. ولو كان هذا على حساب إنسانية العامل، وخصائص الإنسان 000

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت