ولعمري إن هذا الدور ليس بدعا في المفتي ، بل أن الأصل في العالم بنصوص الشرع أن يكون مُلَقِّنًَا لأحكام الشرع وتعاليمه والتي منها ما يتعلق بالنفس والروح ، وليس لمجرد ما يتعلق بالمعاملات الظاهرة فقط .
وهكذا كان دور الأنبياء ، وهو دور من ورثوا عنهم العلم ، والعلم يشمل كل جوانب الشرع ، سواء تعلقت تلك الجوانب بالبدن أو بالروح ، بفروع الأعمال أو بأصول الاعتقاد .
وهكذا كان المفتين من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تأمل سيرة المكثرين من الفتوى من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ( كالذين سَرَدَهم ابنُ حزم ومِنْ بَعْده ابنُ القيم ) فإنه سَيَلْحَظُ أن نفس هؤلاء المفتين من الصحابة كان لهم دور تربوي في المجتمع ، كما كان لهم منهج سلوكي لمن ينشأ معهم على طلب العلم ، كما كان لهم دور رائد كذلك في مقاومة البدع ومحدثات الأمور ، ناهيك عن الدور السياسي الذي لعبوه في تنظيم أمور الدولة ، وشهرة هذا الأمر يغني عن سوق أمثلة عليه .
ولكنْ تَطَاوَلَ الزمان على أمتنا ، واعتيادنا على معنى معين لكلمة المفتى ، أَضِفْ إلى ذلك ما تعلق بالأذهان من دور رسمي قاصر للمفتي حصره فيه الكيد السياسي العلماني ، جعل هذا المنصب أشبه ما يكون بوظيفة القسيس عند النصارى ، حيث يقتصر دوره على أداء العبادات وإنفاذ المناكحات أو التماس البركة وتطهير الذنب ! وإنها لأحدى الكُبَر .
إن المرجعية الدينية التي نطمح إليها هي مرجعية المفتي العامة ، حيث يكون أهلا للفتوى في كل الأمور لتأهله في كل علوم الشرع المطهر ، وإحاطته بما يحتاج إليه من علوم العصر ، ومثل هذا لا يصل إلى رتبته إلا ذو حظ عظيم .
ومثل هذه الصفات التي حُمْنَا حول مجمل معانيها هي التي تحتاجها أمتنا في هذا الظرف الدقيق ، وهي التي توفرت في أئمة الهدى الذين قضوا نحبهم ، حيث كانوا مرجعا للناس في كل أمور الشرع ، وكانوا مهوى الأفئدة في كل قضايا العصر ، وكانوا قبلة السالكين ممن راموا قدوة في أوامر الشرع المبين ، فصاروا حجة الله على الخلق ، ومنار الإسلام في الأرض ، ومع عدم وجود بديل لهم يضمحل نور الحق ، وتَنْزَوِي معالم الهداية ، وتغدوا أطلالا و أثرا بعد عين .
ولكن كيف يمكن أن نعرف خلو العصر من المفتين والمجتهدين القائمين لله بالحجة على الخلق ؟ هذا ما سنجيب عليه في العنوان التالي:
الغلو والجزع آفتان خطيرتان
نريد وقفة بَكْرِيَّة
عندما مات الشيخ محمد الصالح العثيمين عَلَتْ أصوات المتشائمين المحذرين من خُلُوِّ الساحة ، والمصرحين بإفلاس الأمة ، والمنادين عليها بالويل والثبور وعظائم الأمور .
ولا شك أن المصاب في وفاة أئمة الهدى جليلة ، والخسارة بفقدانهم عظيمة ، ولكن من الذي قال إن نَسْلَ العلم قد انقطع بموت أولئك ؟ ومن الذي تَوَهَّم ألا وجود لأئمة الهدى بعد موت الثلاثة رحمهم الله ؟!
إننا نحتاج إلى تلك الوقفة الحاسمة التي وقفها أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، فداس بها على حزنه العميق لوفاة خليله صلى الله عليه وسلم ، وواجه بها جزع الجازعين من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قولته الخالدة التي غدت نذيرا منبها في كل زمان ، يوقظ الغافلين ، ويحيي الأمل في أفئدة الضعفاء والجزوعين ، قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، ثم تلى قول الله تعالى: ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسول أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) .
إن وجود المجتهد الذي تَفْزَعُ إليه الخلائق في أمور الدين ليفتيهم ويرشدهم ويقيم حجة الله عليهم قَدَرٌ مَقْدُور ، ووَعْدٌ مَقْضِيٌّ لا بد أن يتحقق ، سواء كان بنا أو بغيرنا ، مصداق ذلك قول الله تعالى: ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) فقد أمر الله الناس بسؤال أهل الذكر ، ولاشك أن هذه الآية مُحْكَمَة، فلم يكن الله ليأمر بأمر محكم ماض إلى يوم الدين وهو في واقع الأمر ليس بمقدور ، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث الطائفة المنصورة بقاءَ الثُّلة التي يظهر الحق بوجودها إلى يوم الدين ، حيث قال: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) ، وأمر الله هو قيام الساعة ، وتلك الطائفة هم أهل العلم كما قال كثير من الشراح .
وحِفْظُ الدين أمرٌ قد تكفل الله به ، وسَخَّرَ له من جنوده من يبذل نفسه في سبيله ، قال الله تعالى: ( إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ، وقال تعالى: ( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وَكَّلْنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) أي بالذكر والآيات البينات ، وقال تعالى: ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) وقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا من يَرْتَدَّ منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) ، وقال تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون) .
وخَطَأٌ بَيِّنٌ أن نفهم حديث قبض العلماء أنه قَدَرٌ يجب أن نستسلم له ، أو أن نظن قرب يوم القيامة فَنَرْكَنَ إلى العَجْز ، ونستسلم للجهل ونرضى به .
فكل شَرٍّ تَنَبَّأَ به الرسول صلى الله عليه وسلم قَدَرًَا ؛ وجب شرعا علينا دَفْعُه والفرار منه ، وقد قال أهل العلم إنه قد وجب بالقدر كُفْرُ أبي لهب ، لكن قد سبق ذلك وجوب الشرع بأن يؤمن ، وإذا كان في سابق القدر حصول قبض العلماء ، فإن في سابق إرادة الله الشرعية أن نسعى في تحصيله وأن نُوْجِدَ من أهل العلم من يكفوننا أمور ديننا ودنيانا .
ومع هذا التوجيه للأدلة فإنني أعتقد أن الغُلُوَّ في بعض العلماء سبب كاف في تعمية الأبصار عن غيرهم من المقتدرين ، بل إننا نرى هذا جليا في حالتنا ، إذ نسمع بعض الأصوات التي لا تعترف بِمُحَدِّثٍ له المكانة التي كانت للشيخ الألباني رحمه الله ، وقد علمت الخليقة ما للشيخ من سابق جهاد وفضل وعلم ، ولكن هذا ليس بكاف في نفي القدرة عن الغير ، وليس بِمُجْدٍ في إثبات انفراده رحمه الله بالحق في الفصل في هذا النوع من العلوم الشرعية .
وعلى منوال هؤلاء المغالين نَسَجَ بعض من عَظَّمَ فتاوى الشيخ ابن باز فاعتبر كل ما يخالفها من الضلال المبين ، وسَفَّه أقوال أقرانه من أهل العلم لمجرد أنه رحمه الله كان مقدما في العلم والسن والفضل والسبق ، وهذا كله غير منكور ، ولكن أن نجعل هذا معيارا في رفض الآخرين فهذا لعمري ما لا يرضاه الله ولا الشيخ ابن باز ولا الشيخ الألباني ، ويرحم الله الجميع .
إنني أعتقد أن في الأمة ممن كان على نحو علم الشيخ ابن باز وفقهه وتقواه وورعه الكثير ، ومن كان على تَبَحُّرِ الشيخ الألباني في علوم الحديث وعلى مثل ما كان عليه من تعظيم السنة ونصرتها الكثير والكثير ، ولكن الغلو في السابق يمحو حسنات اللاحق ، ولمثل هذا يشهد ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِيْ وَيُصِمُّ ) .