فهرس الكتاب

الصفحة 573 من 2255

ففي عصرنا حيث يكون تطور تقنية الاتصالات سببا قويا في جعل أقاليم المسلمين شديدة التواصل ، وإمكانية التقارب في الفكر والعلم والعمل أقوى وأشد ، فإن تصور إلزام كل بلد بوجود مفت يكاد يكون أمرا غير ممكن إن لم يكن مستحيلا بحكم الظرف الذي تعيشه الأمة .

وإذا كانت الأقاليم الإسلامية تنعم بالمجتهدين والمفتين في كل مكان في غابر الأزمان فذلك لأن مناهجهم وطرائق العلم عندهم كانت على النحو الذي يَشْحَذُ هِمَّة الطُّلاب ، ويسارع بالذكي منهم نحو النبوغ والتفوق ، ناهيك عن أن علوم الشرع كانت هي السائدة الرائدة ، وهي صاحبة الكلمة ، وكان للفقهاء سلطانهم المبسوط في شئون الدولة ، شأنهم شأن الحقوقيين في هذه الأزمنة ، وعلى نفس ما لمادة الحقوق من مكانة في المجتمع الآن كان للفقه والاجتهاد الشرعي وجاهته المرموقة في غابر الأزمان .

وبناء على ما شرحناه فإن واقع العصر يقضي بكفاية وجود عدد من المفتين القادرين على إفادة الأمة في القضايا الكبرى ، بحيث يعتبر هؤلاء أصحاب الاجتهاد المطلق ، وأصحاب الكلمة العالية في كل قضايا الدين والدنيا ، وذلك بما أوتوا من قدرة على النظر في أدلة الوحي المطهر ، وبما عهد عنهم من ممارسة للقضايا ، وبلاء في نفع الإسلام والمسلمين .

وهؤلاء المفتون الذي نعنيهم بالكلام هنا يختلفون عن المفتين في الأزمنة الغابر من وجوه ، أهمها:

-أن لهم دور في هذا العصر يقارب دور الإمامة العظمى ، في توجيه المسلمين ، والتحدث باسم الإسلام بين الخلق، وذلك لأن الخلافة مغيبة ، وقد تقرر أنه إذ خلت الأقاليم من خليفة بيده القياد ، فعلماء البلاد هم ولاة العباد . وأي حاكم لإقليم استقل بحكمه على طرائق العصر المعروفة لا بد أن يرجع في أموره وشئونه إلى هؤلاء المفتين ، ولا بد أن يصدر عنهم في كل مُهِمَّة ومُلِمَّة ، وهذا متوجه على الحكام على جهة اللزوم الشرعي حتى يكتسب حكمهم الحق في طاعة العباد لهم ، ويكتسب قانونهم المسنون صفة الشرعية في توافقه مع ما شرع الله تعالى . ومثل هذا الأمر الذي ذكرناه تشير إليه نصوص كثيرة من الشرع المطهر كتابا وسنة ، وأصرح شيء في الباب قول الله تعالى: ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم .. ) فأوجب الله طاعة أولي الأمر بعد طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن كان أولي الأمر من أهل الاجتهاد في في نصوص الشرع فلا كلام ، لأنهم هم المقصودون من كلامنا هنا ، وإن كانوا غير مجتهدين، فإن كلمة أهل العلم مجتمعة على وجوب رجوع هؤلاء الحكام إلى أهل الاجتهاد والفتوى ليرشدوهم ويعينوهم في أمور الحكم ، فآل الأمر إذًا إلى ضرورة رجوع الخلق حكاما ومحكومين إلى المجتهدين والمفتين ليحكموا لهم ويفتوهم في أمور الدنيا والدين .

-ويفترق مفتي هذا الزمان ومجتهده عن الأزمان الغابرة في أنه يقود مسيرة الجهاد الإسلامي في العصر الحاضر بكل صوره ، وإليه تئول مسئولية إرجاع الحاكمية لشرع الله عبر كلمته النافذة بين الناس ، ودعوته المتوغلة في شرائح المجتمع ، وصوته المسموع عند فصائل الصحوة الإسلامية المباركة .

-كما يفترق مفتي هذا الزمان أنه يعالج قضايا لم تكن من مهام مفتي الأزمان الماضية ، مثل جهاده في الرد على العلمانيين ، وسعيه في توضيح صورة الإسلام عند من تشوهت صورته لديهم بفعل إعلام الحاقدين من أعداء الدين ، ودوره في رد جموع المسلمين الشاردين عن الدين ممن اغتروا بزيف الحضارة الغربية المعاصرة ، وألهتهم فتن الزمان عن حمل أمانة الدين .

إلى بعض هذه المعاني أشار الإمام الطبري رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ( ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) ، حيث قال في تفسيره ( 3/327-328) : حدثني يونس ابن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال سمعت ابن زيد يقول في قوله: (كونوا ربانيين ) ، قال: الربانيون الذين يُرَبُّون الناس ، ولاة هذا الأمر يربونهم: يلونهم ، وقرأ: ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ) قال: الربانيون: الولاة ، والأحبار: العلماء . قال أبو جعفر ( يعني الطبري نفسه ) : وأولى الأقوال عندي بالصواب في الربانيين أنهم جمع رباني ، وأن الرباني المنسوب إلى الربان ، الذي يرب الناس وهو الذي يصلح أمورهم ويربها ويقوم بها ، ومنه قول عَلْقَمَةَ بن عَبْدَة:

وكنتُ امْرَأً أَفْضَتْ إليكَ رَبَابَتِي وقَبْلَكَ رَبَّتْنِي فَضِعْتُ رُبُوْبُ

يعني بقوله: رَبَّتْنِي وَلِيَ أمري والقيام به قبلك من يربه ويصلحه فلم يصلحوه ولكنهم أضاعوني فضعت ، يقال منه: رَبَّ أمري فلان فهو يَرُبُّهُ رَبَّا وهو رَابُّه ، فإذا أريد به المبالغة في مدحه قيل: هو ربان ،كما يقال: هو نعسان من قولهم نعس ينعس ، وأكثر ما يجيء من الأسماء على فعلان ما كان من الأفعال الماضية على فَعِلَ ، مثل قولهم هو سكران وعطشان وريان ، من سَكِر يَسْكَرُ وعَطِشَ يَعْطَشُ وَرَوِيَ يَرْوَى ، وقد يجيء مما كان ماضيه على فَعَلَ يَفْعُل نحو ما قلنا من نَعَسَ ينعس ورب يرب فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا ، وكان الربان ما ذكرنا والرباني هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفت ، وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين يَرُبُّ أمور الناس بتعليمه إياهم الخير ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم وكان كذلك الحكيم التقي لله والولي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وليه المقسطون من المصلحين أمور الخلق بالقيام فيهم بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم وعائدة النفع عليهم في دينهم ودنياهم كانوا جميعا مستحقين أنهم ممن دخل في قوله عز وجل: (ولكن كونوا ربانيين ) فالربانيون إذا هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا ولذلك قال مجاهد: وهم فوق الأحبار لأن الأحبار هم العلماء ، والرباني الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم . ثم يقول: فمعنى الآية: ولكن يقول لهم كونوا أيها الناس سادةَ الناس وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم ربانيين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام وفرض وندب وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم وبتلاوتكم إياه ودراستكموه أهـ

هذه جملة من الفروق التي يجب أن نستحضرها ونحن نتحدث عن أئمة الهدى الذين نريدهم أن يقودوا الأمة نحو النصر المبين والظَّفَر الراشد ، وهي فروقٌ - لَعَمْرِي - قد تغيب عن أناس ما زالوا يقرؤون صفات المفتي في كتب الفقه ويظنون أنها مسطورة لنفس زماننا هذا ، ولا ريب أن مفتيا قد تتوفر فيه الشروط التي ذكرها أئمتنا وفقهاؤها في كتب القضاء والفتوى ولكنها تتحدث عن مفتين يعيشون في ظل دولة أو دول يُعْتَبَرُ شرع الله مرجعًا في كل شئونهم ، وللإسلام حماة يذودون عنه ويحمون بيضته ، ويردون كيد أعدائه ، سواء كانوا حكاما أو جندا أو علماء .

أما في عصرنا الذي نشهد فيه غُربة شديدة ، واستطالة على شرع الله ، فإن منصب الفتوى لم يعد قاصرا على إجابة أسئلة المستفتين في شئون الطلاق والميراث والمعاملات كما كان معهودا ، بل إن مركزه صار يتعدى إلى دور الإمامة العظمى في الحكم بين الناس وتربية المجتمع على مقتضى روح أوامر الشرع المطهر ، والأخذ بيد الضالين إلى طريق الله المستقيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت