فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 2255

(( ولقد اعتبرت (( الإنسان ) )ملخصًا للملاحظات والتجارب، وفى جميع الأوقات والبلدان، بيد اننى لم أصف إلا ما رأيته بناظرى، أو عرفته مباشرة من أولئك الذين كنت على صلة بهم0 وكان من حسن حظى، أن سمح لى مركزى بأن أدرس- دون بذل أى مجهود، او الطمع في أى ثناء- ظواهر الحياة في تعقيدها المخيف0 فلاحظت كل وجه من وجوه النشاط البشرى بصفة عملية، كما أننى ملم بكل ما يكتنف الفقير والغنى، الصحيح والسقيم، المتعلم والجاهل، ضعيف العقل والمجنون، الذكى والمجرم000 الخ00 كذلك فأننى أعرف الفلاحين والعمال، الكتبه وأصحاب المتاجر، الماليين وأصحاب المصانع، الساسة ورجال الحكم، الجنود وأساتذة الجامعات، المدرسين ورجال الدين، البرجوازيين والأرستقراطيين00 ولقد ألقت بى الظروف في طريق الفلاسفة والفنانين، والشعراء والعلماء، والعباقرة والقديسين00 كما درست في الوقت نفسه التركيب الميكانيكى الغائر في أعماق الأنسجة وتلافيف المخ، الذى هو في الحقيقة الأساس العميق للظواهر العضوية والعقلية0

(( إننى مدين لفنون الحياة العصرية، لأنها مكنتنى من مشاهدة هذا المنظر العظيم، كما أتاحت لى فرصة توجيه انتباهى إلى عدة موضوعات في وقت واحد00 إننى أعيش في العالم الجديد والقديم أيضًا00 وأمتاز بأننى أقضى معظم وقتى في (( معهد روكفلر للبحث الطبى ) )كواحد من العلماء الذين جمعهم (( سيمون فلكسنر ) )معًا في هذا المعهد00 فهناك أفكر في ظواهر الحياة حين يحللها الخبراء الذين لا يبارون، أمثال (( ملتزر ) (( جاك لويب ) (( نجيوشى ) )، وكثيرون غيرهم0 ولما اتصف به (( فلكسنر ) )من عبقرية ونبوغ، فقد درست الكائنات الحية بنظرة فسيحة الأفق0 بشكل لم يسبق له مثيل- فالمادة تفحص وتستقصى في كل قسم من معامل هذا المعهد، بحثًا عن ارتقائها وتطورها من ناحية صنع الإنسان0

(( وبمساعدة أشعة إكس يكشف علماء الطبيعة عن بناء جزئيات مواد أنسجتنا الأكثر بساطة- أى العلاقات الاتساعية للذرات التى تدخل في تركيب هذه الجزئيات- ويعكف الكيماويون، والكيماويون الطبيعيون، على تحليل المواد الأكثر تعقيدًا، التى توجد بداخل الجسم، كهيموجلوبين الدم، وبروتينات الأنسجة، واخلاط الجسم، والتخمرات التى تسبب ذلك الانقسام المستمر، وإيجاد ذلك المجموع الكلى الهائل من الذرات0

(( وهناك كيماويون آخرون لم يقصروا اهتمامهم في تركيب الجزئيات وحدها، وإنا انصرفوا إلى التفكير في علاقات تلك التركيبات إحداها بالأخرى، عندما تدخل عصارات الجسم00 أو باختصار00 ذلك التعادل الطبيعى- الكيماوى الذى يحفظ دائمًا تركيب مصل الدم، بالغم من التغير الذى يطرأ على الأنسجة بصفة مستمرة0

(( وهكذا ألقى الضوء على الجوانب الكيماوية للظاهرة الفسيولوجية، لأن كثيرين من علماء وظائف الأعضاء يدرسون-مستعينين في ذلك بفنون شديدة الاختلاف- التركيبات الأكبر التى تنتج من مجموع الجزئيات وترتيبها، كذا خلايا الأنسجة والدم، أو بمعنى آخر: مادة الحياة نفسها00 إنهم يختبرون هذه الخلايا، وطرق اتحادها، والقوانين التى تحكم علاقاتها بما يحيط بها، وتأثير الوسط الكونى على هذا المجموع، كذا تأثيرات المواد الكيماوية على الأنسجة والشعور0

(( وهناك اخصائيون آخرون، وقفوا أنفسهم على البحث في تلك الكائنات الضئيلة: الفيروس والبكتريا، التى تعزى اصابتنا بالأمراض المعدية إلى وجودها في دمنا0 كذا الوسائل الرائعة التى يستخدمها الإنسان في مقاومتها00 وأيضًا الأمراض القاتلة كالسرطان، وأمراض القلب، والتهاب الكلى0

(( وأخيرًا فإن مشكلة (( الفردية ) ) ( ) الخطيرة، وأساسها الكيماوى تهاجم الآن بنجاح0

(( وقد اتيحت لى فرصة استثنائية للاستماع إلى رجال عظماء تخصصوا في هذه الأبحاث، وتتبع النتائج التى أسفرت عنها تجاربهم00 وهكذا بدت لى الجهود التى تبذلها المادة الجامدة في نظام الجسم، وخواص الكائنات الحية، وتناسق جسمنا وعقلنا00 بدت لى هذه الأشياء في أوج جمالها0

وعلاة على ذلك فقد درست أكثر الموضوعات المختلفة، من الجراحة، إلى فسيولوجية الخلية، إلى الميتافيزيقا ( ) 0

(( ولقد كان ذلك مستطاعًا بسبب التسهيلات التى وضعت لأول مرة تحت تصرف العلم لكى يؤدى رسالته ) )000 (ص5-ص8) 0

هذا الرجل الذى أتيحت له فرصة الانتفاع بكل هذه التيسيرات، والذى اطلع على نتائج هذه البحوث مجتمعة حول (( الإنسان ) )هو الذى يصدر بعد ذلك كتابًا يسميه (( الإنسان ذلك المجهول ) ) ( ) 0 والذى يقرر أن حقيقة علمنا عن الإنسان لا شئ! وأننا نعيش فى (( جهل مطبق ) )بهذا الكائن، الذى هو نحن!

ولندعه هو يتكلم:

(( هناك تفاوت عجيب بين علوم الجماد وعلوم الحياة00 فعلوم الفلك والميكانيكا والطبيعة، تقوم على آراء يمكن التعبير عنها، بسداد وفصاحة، باللغة الحسابية0 وقد أنشأت هذه العلوم عالمًا متناسقًا كتناسق آثار اليونان القديمة0 إنها تنسج حول هذا العالم نسيجًا رائعًا من الإحصاءات والنظريات0

(( بيد أن موقف علوم الحياة يختلف عن ذلك كل الاختلاف، حتى ليبدو كأن الذين يدرسون الحياة قد ضلوا في غاب متشابك الأشجار، أو أنهم في قلب دغل سحرى، لا تكف أشجاره التى لا عداد لها عن تغيير أماكنها وأحجامها! فهم يرزحون تحت عبء أكداس من الحقائق، التى يستطيعون أن يصفوها، ولكنهم يعجزون عن تعريفها أو تحديدها في معادلات جبرية0 فمن الأشياء التى تراها العين في عالم الماديات، سواء كانت ذرات أم نجومًا، صخورًا أم سحبًا، صلبًا أم ماء000 أمكن استخلاص خواص معينة كالثقل والأبعاد الاتساعية00 وهذه المستخلصات- وليست الحقائق العلية- هى مادة التفكير العلمى00 وملاحظة الأشياء تمدنا فقط بأقل صور العلم شأنا، ونعنى بها الصورة الوصفية0 فالعالم الوصفى يرتب الظواهر0 بيد أن العلاقات التى لا تتغير، بين الكميات غير القابلة للتغيير- أى القوانين الطبيعية- تظهر فقط عندما يصبح العلم أكثر معنوية0 وما ذلك النجاح العظيم السريع الذى نراه في علمى الطبيعة والكيمياء إلا لأنهما علمان معنويان كميان0 فعلى الرغم من أنهما لا يدعيان أنهما يكشفان القناع عن الطبيعة النهائية للأشياء، فإنهما يمداننا بقوة التنبؤ بحوادث المستقبل، وتقرير كيفية وقوعها طبقًا لإرادتنا0 وبتعلمنا سر تركيب المادة وخواصها استطعنا الظفر بالسيادة تقريبًا على كل شئ موجود على ظهر البسيطة00 فيما عدا أنفسنا00

(( ولكن علم الكائنات الحية بصفة عامة- والإنسان بصفة خاصة- لم يصب مثل هذا التقدم00 إنه لا يزال في المرحلة الوصفية00 فالإنسان كل لا يتجزأ، وزفى غاية التعقيد، ومن غير الميسور الحصول على عرض بسيط له، وليست هناك طريقة لفهمه في مجموعه، أو في أجزائه، في وقت واحد0 كما لا توجد طريقة لفهم علاقاته بالعالم الخارجى0

ولكى نحلل أنفسنا فإننا مضطرون للاستعانة بفنون مختلفة، وإلى استخدام علوم عديدة0 ومن الطبيعى أن تصل كل هذه العلوم إلى رأى مختلف في غايتها المشتركة، فإنها تستخلص من الإنسان ما تمكنها وسائلها الخاصة من بلوغه فقط0 وبعد أن تضاف هذه المستخلصات بعضها إلى بعض، فإنها تبقى أقل غناء من الحقيقة الصلبة00 إنها تخلف وراءها بقية عظيمة الأهمية، بحيث لا يمكن إهمالها0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت