(( لقد ارتكب المجتمع العصرى غلطة جسيمة باستبداله تدريب الأسرة بالمدرسة استبدالًا تامًا. ولهذا تترك الأمهات أطفالهن لدور الحضانة، حتى يستطعن الانصراف إلى أعمالهن، أو مطامعهن الاجتماعية، أو منباذلهن، أو هوايتهن الأدبية أو الفنية، أو للعب البريدج، أو ارتياد دور السينما.. وهكذا يضيعن أوقاتهن في الكسل. إنهن مسئولات عن اختفاء وحدة الأسرة واجتماعاتها التى يتصل فيها الطفل بالكبار، فيتعلم منهمن أمورًا كثيرة.. إن الكلاب الصغيرة التى تنشأ مع أ×رى من نفس عمرها في حظيرة واحدة، لا تنمو نموًا مكتملًا كاكلاب الحرة التى تستطيع أن تمضى في إثر والديها. والحال كذلك بالنسبة للأطفال الذين يعيشون وسط جمهرة من الأطفال الآخرين وأولئك الذين يعيشون بصحبة راشدين أذكياء. لأن الطفل يشكل نشاطه الفسيولوجى والعقلى والعاطفى طبقًا للقوالب الموجودة في محيطه. إذ أنه لا يتعلم إلا قليلًا من الأطفال الذين في مثل سنه. وحينما يكون مجرد وحدة في المدرسة، فإنه يظل غير مكتمل. ولكى يبلغ الفرد قوته الكاملة، فإنه يحتاج إلى عزلة نسبية، واهتمام جماعة اجتماعية محددة تتكون من الأسرة ) )000 (ص318 - 319) 0
(( إن إهمال مؤسساتنا الاجتماعية للفردية مسئول أيضًا عن ضمور الراشدين. لأن الإنسان لا يتحمل - دون أضرار - طريقة الحياة ، وتشابه العمل السخيف المفروض على موظفى وعمال المكاتب والمصانع، وعلى جميع من يساهمون في الإنتاج الضخم ) )00 (ص319) 0
ويختم الرجل هذه التقريرات التى أقتطفنا اليسير منها، والتى تتناثر، في كتابه كله، وتتجمع عند إحساس واحد: هو الإحساس بخطر هذه الحضارة على (( الإنسان ) )ومقوماته الذاتية، وخصائصه الإنسانية.. يختمها بهذا التقرير الذى يحمل طابع الإنذار . والذى - مع أنه يصدر عن (( عالم ) )- يشبه صرخات الإنذارات الدينية للعصاة:
(( الإنسان نتيجة الوراثة والبيئة وعادات الحياة والتفكير التى يفرضها المجتمع العصرى .. ولقد وصفنا كيف تؤثر هذه العادات في جسمه وشعوره، وعرفنا لأنه لا يستطيع تكييف نفسه بالنسبة للبيئة التى خلقتها (( التكنولوجيا ) )وأن هذه البيئة تؤدى إلى انحلاله. وأن العلم والتكنولوجيا ليسا مسئولين عن حالته الراهنة، وإنما نحن المسئولين. لأننا لم نستطع التمييز بين الممنوع والمشروع.. لقد نقضنا القوانين الطبيعية فارتكبنا بذلك الخطيئة العظمى. الخطيئة التى يعاقب مرتكبها دائمًا .. إن مبادئ (( الدين العلمى ) )والآداب الصناعية قد سقطت تحت وطأة غزو (( الحقيقة البيولوجية ) ).. فالحياة لا تعطى إلا إجابة واحدة حينما تستأذن في ارتياد الأرض المحرمة .. هى إضعاف السائل.. ولهذا فإن الحضارة آخذة في الانهيار، لأن علوم الجماد قادتنا إلى أرض ليست لنا فقبلنا هداياها جميعًا بلا تمييز ولا تبصر.. ولقد اصبح الفرد ضعيفًا، متخصصًا ، فاجرًا، غبيًا، غير تقدر على التحكم في نفسه ومؤسساته )) (ص322) 0
ثم يعقب هذا الإنذار بصيحة أخرى فيما ينبغى عمله في فصل طويل في كتباه بعنوان: (( إعادة إنشاء الإنسان ) )وفيه يقول:
(( يجب علينا أن نعيد إنشاء الإنسان - في تمام شخصيته - الإنسان الذى أضعفته الحياة العصرية ومن قياسها الموضوعة .. كذلك يجب أن يحدد الجنسان مرة أخرى. فيجب أن يكون نكل فرد إما (( ذكرًا ) )وإما (( أنثى ) )فلا يظهر مطلقًا صفات الجنس الآخر العقلية وميوله الجنسية وطموحه. وبدلًا من أن يشبه الآلة التى تنتج في مجموعات يجب على الإنسان - بعكس ذلك - أن يؤكد وحدانيته .. ولكى يفيد تكوين الشخصية يجب أن نحطم هيكل المدرسة، والمصنع والمكتب، وأن ننبذ مبادئ الحضارة التكنولوجية نفسها )) 000 (ص368) 0
ومن قبل يقول في تقديمه لكتابه إنه (( كذلك كتب لأولئك الذين يجدون في أنفسهم شجاعة كافية، ليدركوا - ليس فقط ضرورة إحداث تغييرات عقلية وسياسية واجتماعية - بل أيضًا .. ضرورة قلب الحضارة الصناعية، وظهور فكرة أخرى للتقدم البشرى ) )000 (ص12) 0
هذه المقتطفات توسعنا فيها - كما توسعنا في المقتطفات التى نقلناها عن دكتور كاريل في فصل (( الإنسان ذلك المجهول ) )- عن عمد بوصفها شهادة من رجل أول صفاته أنه (( عالم ) )دارس لموضوعه، متمكن منه. ثم هو من الناشئين في كنف هذه الحضارة التى يثور عليها هذه الثورة، ومن المؤمنين بالعلم، الذى يعلن عن عجزه وقصوره هذا الإعلان000
وهذه المقتطفات - وحدها - تكفى للدلالة العميقة على أن هذه الحضارة (( حضارة لا تلائم الإنسان ) ). لأنها قامت دون معرفة بطبيعته، وسارت في طريقها دون اعتبار لخصائصه، ودون اعتبار كذلك لما تنزله به من ويلات0
وفى الطريق أهدرت خصائصه كجنس، وأهدرت خصائصه كفرد، وأهدرت خصائص الذكورة والأنوثة.. في سبيل توفير إنتاج ضخم، تتعود أرباحه إلى عدد محدود من الجشعين، وفى أحسن الحالات في سبيل تيسيرات مادية ورفاهية مشكوك - على الأقل - فيما إذا كانت ذات فائدة حقيقية للإنسان، ومقطوع بدون شك بأنها لا تساوى ما أهدر في سبيلها من (( إنسانية الإنسان ) )وخصائصه كجنس، ومن إهدار خصائص الفردية الواضحة فيه، ومن إهدار خصائص كجنس، ومن إهدار خصائص المرأة والرجل والأسرة والطفل. وكل مقومات الحياة.
وليست هذه كل مآخذنا على هذه الحضارة، ولا على الحياة التى تقوم عليها. وكذلك ليست هذه زاوية نظرتنا إليها تمامًا . فهناك اختلافات في تشخيص (( الدار ) )أو فى (( تكييف الموقف ) )بيننا وبين الرجل - كما سنبين في الفصل قبل الأخير من هذا الكتاب - كما أن الاختلافات بيننا وبينه تكثر وتتسع عند (( وصف الدواء ) )وطريقة العلاج 0
فالرجل محكوم في تفكيره كله - على الرغم من سعة أفقه ورحابة نفسه وإخلاصه العلمى - بتاريخ بيئته الحضارية، وبرواسب ووراثات فكرية وشعورية وتاريخية، لا يملك الخلاص منها. مهما بدا له أنه تحرر من كل هذه الضغوط0
ونذكر على سبيل المثال حديثه عن كبت هذه الحضارة للنشاط الدينى للأفراد الذين يعيشون في ظلها، وأثر هذا الكبت في خلق أشخاص في المرتبة الدنيا0
إن صورة معينة من صور (( النشاط الدينى ) )ن هى التى تخايل نله في كل حديثه المتفرق في الكتاب عن هذا الجانب. صورة مزاولة العقيدة مزاولة روحية بحتة. كما يزاول الفرد نشاطه الفنى والجمالى والأدبى. وهو يلحق النشاط الدينى بهذه الألوان من النشاط، بوصفه واحدًا منها 00
هذه الصورة مستمدة من التصورات الدينية كما هى سائدة في أوروبا، باعتبار الدين نشاطًا روحيًا فرديًا يتمثل في الصلاة والدعاء والمناجاة، والتصوف إلى آخر صور النشاط الفردى (الروحى) للعقيدة
وهو يعيب على الحضارة الصناعية كبتها لهذا النشاط في هذه الصورة
وعلى الرغم من شفافية شعوره بهذا الجانب، ورفرفة روحه وهو يتحدث عنه، وتجاربه الذاتية في هذا الحقل00
على الرغم من هذا كله فهو لا يتمثل الدين - كما نتمثله نحن - منهج حياة كامل .. هذا النشاط (( الروحى ) )كما يسيطر على النشاط الفنى والجمالى والأدبى.. كما يسيطر أيضًا على النظام الاجتماعى والاقتصادى، والحضارى كله .. فمنه تنبع وإليه ترجع، كل هذه الألوان من النشاط، في كل جانب من جوانب الحياة0