وهكذا تصبح صناعة الأفلام المستهترة، وصالات العرض المهيجة، والصحافة الداعرة، وتجارة الرقيق، والخمر والمخدرات.. كما تصبح صناعة أدوات الترف والزينة وما وراءها من تقاليد المجتمع المستهتر والحفلات والسهرات.. إلى آخر مظاهر الانحلال والترف التى تقوم عليها مئات الصناعات في العالم .. تصبح هذه كلها في خدمة الرأسمالية (أى القاعدة الرأسمالية الممولة) . وتحتاج إلى فلسفات ونظريات وأساتذة وأدباء وفنانين ومشرعين وأنظمة حكم تسمح وتحمى وتشجع هذه الصناعات. ويكون لرأس المال في هذه الأنظمة، هذه القوة التوجيهية، لأنه هو وحده الذى يتحكم في المجتمعات اللادينية، مما لا يكون له حين تخضع الحياة كلها - والمال معه - لمنهج الله في الحياة. فرأس المال لا يكون له التوجيه المؤذى إلا في المجتمع الذى لا يهيمن عليه منهج الله، حيث ينفرد رأس المال بالهيمنة. فأما حين يكون منهج الله هو المسيطر، فإنه حينئذ سيوجه المجتمع وسيوجه المال المتداول فيه وجهة نظيفة، ولن يسمح للمال أن يكون أداة بغى أو أداة فساد.
إنه ليس المال بذاته هو الذى يفسد حياة المجتمع. إنما هو المنهج والمذهب والنظام والتصور الذى يحكم مجتمعًا من المجتمعات 00
وليست هذه سوى لمسات سريعة جدًا للحالة البشعة التى أنشأها النظام الرأسمالى - بينما كان يعالج التطرف بتطرف آخر . ويعالج الداء بداء آخر، ويتأرجح بين طرفى الكبت والجموح، كالحصان الذى يجمح من شدة اللجام! ولا نملك أن ندخل في تفصيل المتاعب الاقتصادية التى أنشأها النظام الربوى الذى قام على أساسه النظام الرأسمالى. ولا أن نتحدث عن أثر هذا النظام في دورات الانكماش والأزمات الدورية، وويلات البطالة والكساد التى تصاحب هذه الدورات0
ولا نملك أن ندخل في تفصيل ويلات الاستعمار التى اقتضاها النظام الرأسمالى، في أثناء البحث عن أسواق تمد الصناعات الكبيرة بالخامات، وفى الوقت ذاته تستهلك ما تنتجه هذه الصناعات0
كما لا نملك أن ندخل في تفصيل ويلات الاستعمار الجديد، الذى لا يبدو في صورة الاحتلال العسكرى القديمة. وإنما يبرز في صورة البحث عن أسواق لرءوس الأموال الفائضة في الدول الرأسمالية، والتى لا تجد لها مجالًا للعمل في بلادها بسبب التشبع الصناعى. ومن ثم تبحث عن بلاد متخلفة (( تتصنع ) )برءوس الأموال الأجنبية. كى يعود على هذه الأموال الفائض الربوى. ولا تبقى معطلة في بلادها التخمة. هذا الاستعمار الذى يتصارع الآن في إفريقية بالذات، على مرأى منا ومسمع، في كل مكان 0
لا نملك الدخول في تفصيلات هذه النواحى المتعددة لبلاء النظام الرأسمالى. لأن هذا أمر يطول، ولا يتفق مع طبيعة هذا البحث المجمل. ويمكن الاجتراء بالإشارة إليه في صدد تقدير التخبط في خطوات البشرية، في مجال النظم الاقتصادية والاجتماعية، وهى شاردة من الله، ومن منهجه للحياة0
ثم تتمثل الطامة الكبرى فى (( النظم الجماعية ) )التى طبقتها أوروبا في الشرق أو في الغرب، على اختلاف أسمائها وأشكالها، والتى جاءت كرد فعل للجموح الشارد فى (( النظم الرأسمالية ) )0
إنه جموح جديد ينشأ من رد الفعل لجموح قديم. وداء جديد تعالج به البشرية منم داء قديم. وتحطيم لخصائص الإنسان الأساسية في جانب، لإنقاذه من تحطم خصائصه الأساسية في جانب آخر !
وكلها تجتمع عند دعوى تمليك الموارد العامة ووسائل الإنتاج إما للشعب كانازية وإما لطبقة من الشعب كالماركسية. وحكاية تمليك هذه الموارد والوسائل للشعب أو لطبقة من الشعب، في تلك الأنظمة، خكاية لا يدرى أحد كيف يمكن تحقيقها عمليًا 00
وفى هذا يقول (( كاريوهنت ) )المجرى في بحثه: (( الشيوعية نظريًا وعمليًا ) ).. (( الشوعية - وفقًا للنظرية الكلاسيكية على الأقل - ترمى إلى إقامة مجتمع بلا طبقات، يكون فيه جميع وسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل، ملكًا للجمهور، وتختفى منه الدولة، التى تعد أداة إرغام واضطهاد.. ولكن تقوم مع هذا، بين الثورة التى تلغى النظام الرأسمالى وبين هذا المجتمع الشيوعى، فترة انتقال تعرف باسم (( ديكتاتورية الطبقة الكادحة ) )وهذه هى المرحلة التى تزعم روسيا أنها تمر بها الآن.. ومن المهم أن نلاحظ أن الروس يسمونها (( الاشتراكية ) )_ (لا الشوعية ) ) . وأن الجمهوريات التى تؤلف الاتحاد السوفيتى يطلق عليها: (( اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية ) ). ولكن إذا أخذنا ما نادى به ماركس في البداية ودأب ستالين على تكراره، وجدنا أن مساوة كهذه مستحيلة في الدولة الاشتراكية. ولهذا يجب أن يتحكم فيها مبدأ (( من كل إنسان بحسب قدرته، ولكل إنسان بحسب عمله ) )0
... (( وحذا لينين وستالين حذو ماركس وأطلقنا تسمية (( الاشتراكية ) )على النظام الجديد، الذى سينشأ على أنقاض الرأسمالية. ولهذا لم ترد في الدستور السوفييتى الذى صدر في 3 ديسمبر سنة 1936 أية إشارة إلى (( الشيوعية ) )إلا في المادة 126 التى أشارت بالتحديد إلى (( الحزب الشيوعي ) )، ووصفت الاتحاد السوفييتى بأنه (( دولة اشتراكية للعمال والفلاحين ) ).. وقد قال ستالين في التقرير الذى أصدره عن الدستور في 5 ديسمبر: إن الشىء الوحيد الذى تم تحقيقه إلى الآن هو (( الاشتراكية ) )ورفض تعديلًا بإدراج هذه العبارة في الدستور، وهى (( إن الغاية النهائية للحركة السوفيتية هى خلق مجتمع شيوعى بحت ) )وقال: إنه ليست لهذه العبارة صلة مباشرة بالدستور، الذى يسعى إلى مجرد تدشين المكاسب التى تم الظفر بها فعلًا 00
(( وسينكر الكثيرون من الاشتراكيين - بلا ريب - حق ستالين في صوفه هذا للنظام السياسى والاقتصادى السوفييتى الحالى. ولكنا نجد فيما يتعلق بالغايات التى يسعون إلى تحقيقها، أن عبارتى (( الشيوعية ) )و (( الاشتراكية ) )قابلتان للتعديل والتغيير في الواقع. وهو أمر يمكن لأى إنسان أن يكتشفه، إذا راجع قاموس (( أكسفورد ) )الإنجليزى .. فإن جوهر الاثنتين هو أن وسائل الإنتاج يجب أن تكون ملكًا للشعب .. ولكن لم يتسن لإنسان إلى الآن - أن يكتشف كيف يمكن للشعب السيطرة على هذه الوسائل . ولهذا أسند أمر الإشراف عليها باسم الشعب إلى الدولة أو أى هيئات أخرى تعين لهذا الغرض. وهكذا أصبحت الملكية الشعبية تعنى في الواقع رأسمالية الدولة. وكانت الاشتراكية السوفيتية أعظم تعبير قوى مناسب لها. ولهذا فإنه من الخير لنا قبل البحث في الأساس النظرى للشيوعية، أن نذكر أن الهدف النهائى لها هو نفسه هدف الاشتراكية. وأن أى خلافات بين الاثنتين إنما تكون على الوسيلة لا الغاية فالاشتراكيون يرون أنهم يستطيعون إدخال نظامهم والمحافظة عليه بوسائل ديمقراطية، ولكن الشيوعيون يعتقدون أن ذلك مستحيل )) 0
والكارثة الفادحة في الأنظمة الجماعية، التى عرفتها أوروبا في الشرق وفى الغرب - على اختلاف مسمياتها وأشكالها - وهى محاولة إلغاء وجود الفرد، في حين أن الفردية عميقة في التكوين البيولوجى وبالتالى في التكوين العقلى والنفسى للإنسان. واستخدام هذه الفردية بأقصى طاقتها في إطار يوجهها إلى خير المجموع هو النظام المناسب لفطرة الإنسان. أما محاولة كبحها وقتلها بشتى الوسائل، في تلك الأنظمة، فهى عملية تدمير تامة للجهاز الإنسانى.