رأوا الناس أحرارًا، لا في الانتقال من مزرعة إلى مزرعة، ولا في الانتقال من مدينة إلى مدينة، بل في الانتقال خلال الأقطار الإسلامية في أطراف الأرض.. إذ كانت كلها وطنًا إسلاميًا واحدًا متصلًا لا تقومن فيه الحواجز دون أفراد المسلمين - حتى ولو تعدد الأمراء والسلاطين0
ورأوا الناس أحرارًا في اختيار المهن حسب مزاجهم ورغبتهم واختيارهم. لا يحد من حريتهم في هذا قيد ما 0
ورأوا أصحاب الحرف يتجمعون فيما يشبه النقابات، حيث يكون لكل حرفة (ريس) وتقوم العلاقة بين أصحاب الحرفة الواحدة على التعاون والمودة 0
وكل هذه الظواهر لم يكن لها بعد وجود في المجتمع الأوربى الإقطاعى الذى جاء منه الصليبيون0
نعم ., إنه ربما وجدت بعض الملكيات الكبيرة في المجتمع الإسلامى حينذاك. ولكنها لم تكن تنشئى نظام إقطاع كالذى عرفته أوروبا. لأنه لا (( شريف ) )ولا (( أقنان ) )ولا تبعية للأرض تلصق (( الأقنان ) )بها، ولا إرادة للسيد هى القانون! بل القانون شريعة من عند الله.. وهذا لم يكن ينشىء نظام إقطاع بالمعنى الاصطلاحى الفنى التاريخى لنظام الإقطاع. الذى عرفه أولئك الصليبيون0
وفى خلال القرنين اللذين اشتعلت فيهما نار الحروب الصليبية، طردًا وعكسًا، كانت الانطباعات والتأثيرات بالمجتمع وأوضاعه تفعل فعلها في نفوس عشرات الألوف من الصليبيين الذين شاهدوه، ومئات الألوف بل الملايين ممن وراءهم، ممن سمعوا قصص العائدين من هناك0
وكانت تتخمر في المجتمع الأوربى هذه الانطباعات والتأثيرات، إلى جانب العوامل المحلية الأخرى (التى يتعمد الأوروبيون عامة والماركسيون خاصة أن يجعلوها وحدها هى العوامل المؤثرة) من نشأة الحرف، والمدن التجارية، وطبقة التجار، والامتيازات التى حصلوا عليها في مقابل تمويل الأمراء في حروبهم الصليبية، وفى حروبهم مع بعضهم البعض... إلى آخر العوامل التى أدت إلى الثورة على نظام الإقطاع0
لقد كان نظامًا جائرًا فظيعًا. امتهنت فيه كرامة (( الإنسان ) )إلى أقصى حد. ولم يكن يفرقه عن نظام الرق إلا أن رقيق الأرض فيه لا يباع، ولا يقدم للسباع!
وكان أحد التيارات الإسلامية في الأرض، هو ا لذى نخر في أساسه. ثم جاءت العوامل الأخرى المحلية فضغطت عليه، فانهار0
وكرد فعل لإهدار الوجود الفردى والحرية الفردية، بل لإهدار الوجود الإنسانى، قام النظام الرأسمالى على أساس من إطلاق العنان لنشاط الفرد إلى غير حد، وللحرية الفردية من غير قيد، ولاعتبار الصالح الفردى هو ا لصالح الأعلى..
وبرزت هذه الاتجاهات في المجال الاقتصادى إلى أقصى حد، إذ ترك كل شىء في هذا المجال لنشاط الأفراد ورغبتاتهم وصوالحهم، دون أى اعتبار للمجتمع أو للأخلاق، أو لأية اعتبارات أخرى يمكن أن تحد من الحرية الفردية، أو من تحقيق الصالح الفردى، كما يتراءى للفرد أن يحققه0
وبينما قام هذا الاتجاه في مجال الاجتماع والاقتصاد - في أول الأمر - بدور المخلص للجماهير من قبضة الإقطاع الفظيعة، وأتاح للمواهب الفردية وللنشاط الفردى أن تصل إلى قمة الإبداع والحركة والطلاقة، وأن تتجه الجهود - في سبيل تحقيق الصالح الخاص - إلى استثمار كنوز الأرض، وقوى الطبيعة للصالح البشرى العام .. إلى آخر الخدمات الكثيرة التى أداها بروز النظام الرأسمالى، كدور تقدمى بالقياس إلى النظام الإقطاعى في أوروبا0
بينما قام هذا الاتجاه بهذه الخدمات، وأدى للبشر هذه الخيرات، كان عامل التطرف فيه، وكونه رد فعل لخطأ أخر، وعلاجًا لداء بداء جديد - أدى هذا كله إلى انطلاق السعار (( الرأسمالى ) )الذى يبدأ من النظام الربوى اللعين الذى صاحب نشأة النظام الرأسمالى ، وتغلغل فيه بحيث أصبح هو أساس الاقتصاد الحديث، وينتهى إلى اعتبار جميع القيم الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية هراء لا معنى له إذا شاءت أن تتدخل في قواعد الاقتصاد، وأن توقف هذا السعار المجنون، الذى لا ينتهى إلى تضخم رءوس الأموال والمصالح الرأسمالية على حساب الطبقات المنتجة فحسب.. ولكن يضيف إلى هذا المظهر البشع ما هو أبشع .. ذلك أن يصبح ا لعمال والصناع والتجار، وأصحاب المصانع أنفسهم، مجرد أجراء للصيارفة الذين قاموا بتأسيس البنوك، وجذبوا إليها أموال حملة الأسهم والمودعين، ليستغلوها لصالحهم، إذ تعود عليهم حصيلة تشغيل هذه الأموال - ما عدا النصيب الضئيل الذى يصرف لحملة الأسهم، وللمودعين في بعض الحالات - بينما يكد العمال والصناع والتجار والمستهلكون وأصحاب المصانع أنفسهم كذلك، للوفاء بالفوائد الربوية التى تعود في النهاية على الطغمة القليلة من الماليين الذين يمولون الصناعة والتجارة عن طريق الإقراض، ويقبضون - وهم قاعدون - ثمرة كد الجميع في نهاية المطاف0
إن بلاء النظام الرأسمالى لا يتمثل فقط في المظهر البارز الذى يوجه إليه النقد، وهو تسخير الشعوب والحكومات لمصالح أصحاب رءوس الأموال.. فيجب تحديد الطبقة التى تسخر لها هذه الشعوب والحكومات.. وهى طبقة مستترة وراء أكداس من النظريات الاقتصادية، ووسائل الدعاية والتمويه، والأساتذة الكبار والجامعات والقوانين واللوائح، في جميع أرجاء الأرض.. طبقة المرابين .. الطبقة التى تؤسس بنوك الإقراض، وتملك سندات التأسيس. طبقة البيوت المالية القابعة هناك في الظلام، حيث إليها حصيلة الجهد البشرى كله.. بما فيها جهد أصحاب المصانع والتجار، الذين يوسمون بأنهم البراجوزيون الكبار .. فالنظام الربوى هو المسئول عن هذا البلاء. هو ا لمسئول عن عودة حصيلة الجهد البشرى كله إلى هذه الشرذمة الصغيرة من أصحاب البيوت المالية، ومؤسسى البنوك وحملة سندات التأسيس0
كذلك صاحب النظام الرأسمالى الانحلال الخلقى.. أولًا تحت تأثير النظريات المختلفة الاتجاهات .. سواء نظريات الحرية الفردية التى لا يجوز أن يحدها حد أو قيد . أو نظريات حيوانية الإنسان، ومادية الكون، والتفسير المادى الاقتصادى للتاريخ.. وكلها - كما تقدم - منبثة من حركة الهروب من الكنيسة، والشرود من كل تفكير دينى على الإطلاق0
ولكن هنالك كذلك عاملًا آخر كامنًا وراء هذه النظريات كلها، والنظام الربوى0
إن الذى يقترض بالفائدة لكى يقيم مشروعًا من المشروعات، لابد أن يفكر في أربح المشروعات التى تكفل تغطية الفوائد الربوية، وتكفل له فائضًا من الربح.. والمشروعات التى تقوم على إثارة الغرائز الجنسية وتلبيتها، والتى تقوم على إثارة الميل إلى الترف وتلبيته.. هى أدنى المشروعات إلى الربح، في عالم متجرد من الهوائف الدينية والخلقية00
ومن ثم يصبح من السياسة الثابتة لأصحاب المال (الصيارفة وبيوت المال ومؤسسى البنوك وحملة السندات التأسيسية) ومعظمهم من اليهود في العالم، كما يصبح من سياسة الكثيرين من أصحاب المشروعات الذين يقترضون من هذه المؤسسات بالربا .. أن ينشروا في المجتمع الإنسانى حالة من الانهيار الخلقى، ومن الترف، ومن التفاهة، ومن قذارة الاهتمامات، تسمح بأن تروج فيه مشروعات الترفيه الجنسى في شتى صوره، ومشروعات الترف كذلك والمتاع إلى أقصى حد، بدون حد من دين أو خلق ولا قيد 0