وهم - طبعًا - لا يمكن أن يخطر على بالهم أنه على فرض أن هذا التاريخ صحيح، وعلى فرض أنه تاريخ العالم لا تاريخ أوروبا .. فإن هذه الأطوار تأرجحت هكذا بين طرفى الغلو دائمًا. ولم يعتدل بها الميزان أبدًا، ووجدت فيها (( المتناقضات ) )المتصارعة، نظرًا إلى أنها قامت على مناهج من صنع الإنسان، الجاهل بنفسه، وبحاجاته لحقيقة، المثقل في أحكامه واختياراته وتصرفاته بآثار هذا الجهل، وبالضعف البشرى، والهوىلا المتقلب والشهوات العمياء .. وأنه في الوقت ذاته لم يستعن بمنهج الله ليضبط هذه الشهوات، وهذا الهوى، وهذا الضعف، وهذا الجهل، بضابط ثابت، يخفف على الأقل من هذه الاندفاعات البشرية على غير هدى في كل اتجاه !
لا يمكن - طبعًا - أن يخطر هذا على بالهم. وهم يقيمون فلسفتهم الاقتصادية ابتداء على أساس المذهب المادى الذى ينكر أن يكون لهذا الكون إله. وهم يسخرون أشد السخرية ممن يعتقدون بوجود الله ..
ونحن الذين عصمنا الله من الشرود من كنف الله - لأنه لم تكن لنا كنيسة تطاردنا باسمه، فنشرد منها ومن إلهها ودينها، ونمضى كالذين يقول الله عنهم: (( كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ) )؛
ونحن الذين عصمنا الله من أن نكل إلى العلم الإنسانى - أو بتعبير العلماء إلى الجهل الإنسانى! - مهمة وضع المناهج الأساسية للحياة الإنسانية ، بل أمدنا بقواعد المنهج المنير، القائم على العلم المطلق بفطرة الإنسان واستعداداته وطاقاته وحاجاته الحقيقة0
نحن - وهذا فضل الله علينا - جديرون أن ننظر إلى المسألة نظرة أخرى 0 وأن نأخذ الأمور بالرفق والهدوء . والنظر (( العلمى ) )الصحيح ، الذى يتقصى كل جوانب المسألة، ولا ينهش منها نهشة ويجرى شاردًا من ا لكنيسة، وإله الكنيسة، ودين الكنيسة، وتصورات الكنيسة !
وعندئذ ندرك مظاهر التخبط والتأرجح، والأسباب الحقيقية الكامنة وراءها . وتكون لنا نظرتنا المستقلة، ونظريتنا المستقلة، المستمدة من منهج الله وهداه.. ومن ثم نرى أن هناك اختلافًا جذريًا أصيلًا بين منهجنا، وكل المناهج السائدة، وبين مذهبنا وكل المذاهب المعروفة، وبين طبيعة نظرتنا لواقع الحياة البشرية وللتاريخ البشرى وكل النظرات القائمة، وبين تفسيرنا للحياة والتاريخ وكل تفسير آخر. وبين كل عنوان اتخذته الأنظمة الاجتماعية البشرية وعنوان نظامنا (( الإسلامى ) )0
وليس هذا البحث المجمل مجال هذه الدراسة، فضلًا على أنها في حاجة إلى كفايات منوعة، تتجمع في تنظيم واحد، وتستوفى الزمن اللازم لهذه الدراسة الضخمة، في ظروف وأوضاع جادة في الأخذ بمنهج الله. وأمام عزمة حقيقة لتنفيذ هذا المنهج. ومن ثم تتجه إلى هذه الدراسة لتطبيق نتائجها في عالم الواقع ودنيا التعامل لا لمجرد ابحث والدراسة والثقافة ! فالمنهج الإسلامى في التفكير والنظر منهج واقعى جاد ، لا يسمح لأصحابه أن يبذلوا جهودهم لمجرد البحث والدراسة والثقافة، إنما هم يبذلونها لتطبق، ولتصبح واقعًا من الواقع، وذلك حين يكون هناك اتجاه جاد لتحكيم النظام الإسلامى كله في الحياة !
إنما المجال في هذا البحث المجمل مقصور على استعراض بعض التخبطات في الحياة الأوروبية - في هذا الجانب - هذه الحياة التى طغت - مع الأسف - على رقعة الأرض كلها في هذا الزمان. والتى أصبحت مفهوماتها وتفسيراتها وشاراتها وعنواناتها ومصطلحاتها هى التى تغمر رقعة الأرض كلها، أو تندس في ثنايا التفكير والتعبير والتطبيق في كل مكان0
من الرق الروماني الشهير. إلى الإقطاع . إلى الرأسمالية. إلى الماركسية والنازية .. غلو في طرف يعالجه غلو آخر في الطرف الآخر.. وظلم لطبقة يعالجه ظلم آخر لطبقة أخرى.. واعتداء على (( الإنسان ) )وخصائصه الأساسية في النظام الآخر.. ولا يعتدل الميزان مرة واحدة بالعدل بين الطبقات كلها، والتناسق بين طاقات الإنسان كلها، وإتاحة المجال (( للفردية ) )التى يتميز بها كل فرد، مع رعاية حق (( الجماعة ) )) الممثلة لخصائص الأفراد جميعًا، في تناسق واعتدال .. ا لأمر الذى لا يتوافر إلا في منهج الله0
ونستطيع أن نتجاوز - هنا - عن عهد الرق - الروماني- على سبيل الاختصار في هذا البحث المجمل الذى يشير ولا يفصل - ونبدأ فقط من عهد الإقطاع.. في استعراض مجمل عام، يناسب طبيعة هذا البحث المجمل العام0
ويجب - ابتداء - أن نميز بين الخصائص الأساسية المميزة للإقطاع بمعناه الاصطلاحى التاريخى الذى عرفته أوروبا، وتلك المظاهر الثانوية السطحية التى ربما تكون قد وجدت في أنحاء أخرى من الأرض في عصور مختلفة 00
فهذا التمييز ضرورة من الناحية العلمية، ومن الناحية الشعورية كذلك.
إن نظام الإقطاع في أوروبا لم يكن مجرد وجود ملكيات كبيرة، ولكنه كان مصحوبًا بخصائص هذا النظام الأساسية:
وأخص خصائص هذا النظام كانت:
1-تبعية الفلاحين للأرض، حيث كان وضعهم فيها كوضع آلات الزراعة وحيواناتها، وانتقالهم - مع الأرض - إلى المالك الجديد كما تنتقل الآلات والحيوانات - ولو كانوا لا يباعون كما هو الحال في نظام الرق - ولكن تبعيتهم للأرض تحرمهم حق الانتقال منها إلى أرض أخرى، كما تحرمهم بطبيعة الحال حتى اختيار حرفة أخرى فردية مستقلة
2-كما كانت إرادة السيد (( الشريف ) )هى القانون في إقطاعيته. فهو الذى يشرع للأقنان (رقيق الأرض) وهو الذى يحدد علاقاتهم به وبالأرض، وعلاقتهم بعضهم ببعض0
وهذا هو الإقطاع كما عرفته أوروبا وكما ثارت عليه أيضًا !
وهاتان الخاصيتان تعتبران العلامتين المميزتين لهذا العهد البغيض0
وقد ظلت أوروبا ترزح تحت وطأ هذا النظام الفظيع، الذى تهدر فيه قيمة الإنسان - ابتداء - يجعله تابعًا للأرض كالماشية وأدوات الزراعة، ينتقل معها إلى المالك الجديد. ولا يملك أن يحص بكينونته (( الإنسانية ) )مستقلة عن الأرض. ولا يملك أن يغادرها - ولو إلى إقطاعية أخرى. وإلا اعتبر آبقا - بحكم القانون - ووجب القبض عليه ورده إلى الأرض التى يتبعها (وإن كان هذا القانون لم يعد ينفذ في أواخر عهد الإقطاع في الحالات التى كان المالك الذى أوى إليه الهاربون إلى إقطاعيته يرى أن من مصلحته عدم ردهم إلى سيدهم وأرضهم!) .. وتهدر فيه كرامة (( الإنسان ) )مرة أخرى بجعله أسير إرادة الشريف، واعتبار هذه الإرادة هى القانون.. وليس أحط من وضع يكون فيه الإنسان خاضعًا للشريعة هى مجرد إرادة إنسان مثله .. ولو كان هو السيد الشريف !!!
ظلت أوروبا تحت وطأ هذا النظام الفظيع، حتى انساحت جموع الصليبيين في الشرق الإسلامى، واحتكوا بالمجتمع الإسلامى، وعرفوا عن كثيب أوضاع حياة الناس فيه، ورأوا نظامًا آخر غير ذلك النظام الفظيع.
رأوا شريعة يتحاكم إليها الناس جميعًا، حاكمهم ومحكومهم، غنيهمن وفقيرهم، مالكهم ومعدمهم، صاحب الأرض والعامل فيها على السواء. شريعة ليست هى إرادة السيد صاحب الأرض، وليس هى إرادة الأمير كذلك. ولا السلطان. إنما هى شريعة تجيئهم جميعًا من عند الله. ويتولى الحكم بها قضاة. طالما وقفوا بها في وجه الأمراء والسلاطين، عندما كان أحدهم يهم بظلم الرعية أفرادًا أو جماعات. وقد ظهر في هذه الفترة بالذات أئمة أقوياء مرات في وجه سلاطين المماليك، وكان لوقفاتهم صداها الذى تتناقله الجماهير في الوطن الإسلامى، وتعرفها جموع الصليبيين الذين يحتكون بهذا المجتمع خلال قنرنين من الزمان0
وعلى الرغم من كل ما كان قد وقع في المجتمع الإسلامى في هذا الوقت من انحرافات والمجتمع الإقطاعى الذى جاء منه الصليبيون كانت بعيدة بعيدة.