كما وقع التخبط ، والتطرف، والهزات العنيفة، والتأرجح بين الطرفين الجامحين دائمًا، وعدم اعتدال الميزان في الوسط العادل المتناسق.. كما وقع هذا كله في النظرة إلى الإنسان وفطرته واستعداداته. وفى النظرة إلى المرأة وعلاقات الجنسين.. كذلك وقع في النظم الاتصادية والاجتماعية سواء بسواء 0
وكان هذا طبيعيًا ومنتظرًا من نظم تقوم نعلى تلك النظرة الخاطئة إلى الإنسان، وعلى الجهل المطبق بحقيقة الإنسان. فما لم تصح النظرة إلى الإنسان ذاته، وحقيقة فطرته واستعداداته، وغاية وجوده وحدود سلطانه.. إلخ ما لم تصح النظرة إلى هذا كله، فلا مفر من التخبط والأرجحة في كل ارتباطاته الأخرى. وبخاصة ارتباطاته الاقتصادية والاجتماعية.. فهذه فروع من تلك وأثر من آثارها.
وهذا الذى نقرره في الفقرة السابقة هو مفرق الطرفن بين التفسير الإنسانى للتاريخ - وهو الذى يتفق مع التصور الإسلامى - والتفسير المادى والاقتصادى للتاريخ. وهو الذى تقوم عليه الماركسية.
ولا عبرة بما يلح فيه الماركسيون من أن أدوات الإنتاج هى التى تنشىء نوع الارتباطات في المجتمع، وأن هذه الارتباطات - وحدها هى التى تنشئ النظرة إلى (( الإنسان ) )وإلى (( الأخلاق ) )وإلى (( الدين ) )وإلى (( المبادئ ) )وإلى (( الأوضاع ) )وإلى سائر الارتباطات في حياة الإنسان.
لا عبرة بهذا الإلحاح في إفراد العوامل الاقتصادية - وحدها - بتسير كل شىء في حياة الكائن الإنسانى، والمجتمع الإنسانى ، اعتبارها هى - وحدها - إلهًا قادرًا على التغير والتبديل، قاهرًا لابد للإنسان إزاءه من الخضوع (( للحتمية ) )والتسليم0
لا عبرة بهذا الإلحاح، فإنه هو إلا لوثة من لوثات (( الماركسية ) )الكثيرة. وقد تهلهلت (( الماركسية ) )على كل حال - (( كنظرية ) )- تحت مطارق الواقع، ودوافع الفطرة، وحقائق الدوافع البشرية الأصيلة، واحتاجت إلى التعديلات المتوالية، على يد لينين وستالين وخروشوف. وهم يسمونها (( تعديلات ) )وهى في الواقع (( عدولات) عن أسس النظرية مع الاحتفاظ - لشارة والإطار . وهم يعللون هذه العدولات، بأن الماركسية مذهب متطور .. على حين أن ليس هناك مذهب، ولا نظرية، ولا دين، يحتشد بالحتميات احتشاد الماركسية الأولى، كما وضعها ماركس وأنجلز. فدعوى (( التطور ) )بعد الماركسية، دعوى جديدة جدًا، لمواجهة مطارق نالفطرة، ومطارق الواقع، وجهاد (( الذات الإنسانية ) )فى روسيا والصين، وسائر البلاد التى أخضعتها الشيوعية، لإثبات وجودها على الرغم من الثقل الساحق للنظام البوليسى الرعيب0
ونحن لا نناقش (( الماركسية ) )هنا . ولكننا نستعرض فقط بعض مظاهر التخبط والأرجحة في النظم الاقتصادية والاجتماعية التى قامت مستندة إلى الجهالة المطلقة بحقيقة الإنسان ونظرته وميوله واستعداداته وحاجاته الحقيقة. بسبب أنها قامت بمعزل عن منهج الله العليم بحقيقة هذا الإنسان، وبما يصلح له وما يصلحه من النظم والأوضاع0
لقد سارت الأوضاع تتأرجح بين التطرف هنا والتطرف هناك على نفس الطريقة التى سارت بها في النظرة إلى الإنسان وفطرته واستعداداته، والنظرة إلى المرأة وعلاقات الجنسين. بل أشد تأرجحًا وأكثر ضحايا، وأشد بلاء. منذ كان الاقتصاد وتوزيع السلطات في المجتمع مجالًا لصراع أشد، يبلغ حد الوحشية الرعيبة في كثير من الأحيان. ومنذ كانت معالجة الخطأ الجامح تأتى بخطأ أخر جامح في الجانب الآخر. ولا يعتدل بها الميزان قط في يد الإنسان، الجاهل بنفسه ومقداراته وحاجاته الحقيقية، الخاضع لشهواته وضعفه وهواه، الشارد في ذاته عن الله ومنهجه للحياة0
والماركسية والتفسيرات المادية عمومًا تخرج الإنسان من حسابها وهى تسجل هذه التقلبات والأطوار . والماركسية بصفة خاصة تقيم الاقتصاد - وحده - إلهًا متفردًا متصرفًا في أقدار (( الإنسان ) )بعيدًا عن إرادة الإنسان وفطرته واستعداداته . فهى دائمًا خاضعة لحتمية العوامل الاقتصادية، أو ناشئة من هذه العوامل الاقتصادية0
وهى تعزو هذه التقلبات والأطوار إلى تغير أدوات الإنتاج، فإن تغبر هذه الأدوات (( يحتم تغير الارتباطات في المجتمع، ومن ثم يوجد (( التناقض ) )بين الوضع القائم، وما يتطلبه تغير أدوات الإنتاج من تغير في الروابط الاجتماعية والاقتصادية، فتقع الثورة أو الانقلاب لإنشاء وضع جديد ملائم لتغير أدوات الإنتاج. والإنسان لا دور له في هذا كله.. ولو كان هو الذى يغير أدوات الإنتاج بيده أو بفكره. فلهذا ما يسكت عنه ماركس. وكأن أدوات الإنتاج هذه إله آخر. ولكنه إله يغير بنفسه! فتنشأ (( حتمية ) )التغير في الأوضاع الاجتماعية تبعًا للتغير في ذات الإله !
ما علينا .. فنحن كما قلنا لا نناقش الماركسية. هنا، ولكن نستعرض فقط الأرجحة في حياة الناس الشاردين من الله. غير أننا سنناقش فقط هذه (( الحتمية ) )والأسباب الواهنة التى قامت عليها في الفلسفة الماركسية0
إن الماركسيين يعزون التقلبات والأطوار كلها إلى تغير أدوات الإنتاج. ومن ثم تغير الأوضاع الاجتماعية. وهم يعدون هذه الأطوار إذن (( حتمية ) )فى خط سير التاريخ .. فعلام يستندون؟
إنهم يستندون - كما يقول كارل ماركس - إلى الواقع التاريخي0
وعلى الرغم مما في إدعاء فرد واحد - أو حتى مجموعة من الأفراد - أنهم يحيطون علمًا بكل وقائع التاريخ، وبكل العوامل المستترة والظاهرة في هذا التاريخ، وبكل دوافع (( الإنسان ) )فى جميع الأجيال والأزمان، لا في الماضى فقط، ولكن في الحاضر وفى المستقبل كذلك - بينما العلماء المتخصصون في القرن العشرين يعترفون بجهالتهم المطلقة بالإنسان، وبأنهم يقفون على عتبات المجهول.. على الرغم مما في هذا الإدعاء العريض من (( خرافة ) )لا يجوز أن يقوم عليها (( رأى أو فرض ) )، فضلًا عن أن يقوم عليها (( مذهب ) )! فإن الماركسية قد نبذت كل رأى آخر يمكن أن يخالف هذا المذهب: وقامت بالمذابح الرهيبة للملايين من البشر لمجرد أن يكون لهم رأى آخر في تاريخ الإنسان . أى نفس ما فعلت (( الكنيسة ) )شيئًا منه، وهى تحرق العلماء الذين يرون رأيًا آخر فى (( خرافاتها المقدسة ) ).. وهى لا ترتفع كثيرا على (( الخرافات الماركسية المقدسة ) ).. (( العلمية! ) ).. في هذا الزمان!
ولكن الماركسية - (( المذهب العلمى ) )- تريح نفسها من متاعب (( الدراسة العلمية ) )لكل عوامل التاريخ، ولك دوافع الإنسان.. فهى تحتار عنصرًا واحدًا من عناصر الحياة - عنصر الاقتصاد - وتعتبره - كما قلنا - إلهًا ، لا راد لمشيئته ، ولا معقب لحكمه. ولا حيلة للإنسان فى (( حتمية ) )ما يراه !
غير أنها لا تدرس آثار قدرة هذا الإله في تاريخ العالم .. إنما تدرسه في تاريخ أوروبا. ثم تعمم حتمية إرادته على الأرض كلها.. وهذه كذلك إحدى تخريفات (( المذهب العلمى ) )القائم على الاستقصاء !
ومن ثم يعتبر الماركسيون أن تاريخ أوروبا هو تاريخ العالم، وأن إله الاقتصاد الذى حكم تاريخ أوروبا هو الذى يحكم تاريخ العالم. ويقررون حتمية تلك اللأطوار في تاريخ العالم إستنادًا إلى ما وقع في تاريخ أوروبا.. من وجهة نظرهم، التى تنحى كل العوامل في تاريخ البشر، لتقرر وحدانية إله الاقتصاد بالعمل !