فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 2255

وقد أثارت هذه المقولة فور ذيوعها ردود فعل عديدة كان أغلبها على الجانب الصحفي السطحي المتسم بالعصبية. وكان أول وأبرز ردود الفعل هذه، وهو ما سبق لكاتب هذه السطور أن تعرض له، أن صدرت بيانات وتصريحات ودفاع من جانب رموز إسلامية رسمية في بلدان معينة تنفي أن يكون الإسلام يسعى للمواجهة والصراع، وتؤكد أنه يريد التعاون والمشاركة مع الغرب، وراحت هذه الأصوات تعيد تكرار المقولات المألوفة التي نسمعها كلما اتهم الغرب الإسلام بالتعصب أو التطرف أو الإرهاب من أن الإسلام دين تسامح ومحبة واحترام واعتراف بالآخرين. ورأى كاتب هذا المقال أن رد الفعل هذا كان المقصود بدايةً عن الترويج الإعلامي الغربي لمقولة (هنتنجتون) . حيث بدا أن الدوائر السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة بالذات أرادت أن تخرج من الدول الإسلامية ولا سيما الواقعة تحت نفوذها بتطمينات حول نوايا المؤسسات والتوجهات الإسلامية نحو الغرب بعد أن كثر الحديث حول ما يوصف بخطر التوسع الأصولي الإسلامي. أي أن الهدف من الترويج الدعائي للمقولة على نطاق شعبي كان حثًّا على رد فعل دفاعي اعتذاري من الجانب الإسلامي ينكر فيه هذا الجانب أية نوايا عدوانية ضد الغرب، ثم يلتزم علنًا وأمام العالم بالموقف الفكري والعملي الذي يريده الغرب من المسلمين ألا وهو موقف الانضمام إلى توجهات الغرب وعلمنة الفكر والعقيدة الإسلامية وتغريبها إلى الحد الذي تصبح فيه مماثلة لما عند الغرب من عقائد، كما تصبح فيه مألوفة مأمونة الجانب لدى الجمهور الغربي. إذن كان الترويج الواسع لمقولة صراع الحضارات على المستوى الإعلامي مدبرًا ليقوم الجانب الإسلامي برد فعل يخدم الغرب.

لكن هذا الرأي ـ على وجاهته ـ لم يمس المقولة نفسها قدر ما لمس أحد الجوانب السياقية في ترويجها الإعلامي. ومقولة (هنتنجتون) تحفل بالجوانب التي تثير الفكر، ولعل أول هذه الجوانب هو سبب اختراع أو تصور خصم مستقبلي للحضارة الغربية بعد زوال الخصم السوفييتي ولكن مع الفارق؛ لأن الخصم الشيوعي كان خصمًا من داخل الحضارة ذاتها؛ بينما الخصوم المطروحون هم من خارج تلك الحضارة؛ إلا إذا فسرنا الحضارة الصينية واليابانية على أنها متأثرة فكريًا وثقافيًا بالغرب سواء في شيوعية الصين، أو في انغماس اليابان في التكنولوجيا المادية ذات الأصول الغربية. إن هذه الرغبة في خلق أو تصور الخصوم قد تبدو غير مفهومة إلا إذا تصوّرنا وجود نية عدوانية دفينة لدى دوائر أمريكية سياسية وفكرية تريد التعبير عنها من خلال اختلاق الأعداء لإعلان الحرب عليهم والتنفيس عن هذه الرغبات العدائية.

ولكن الأمر ليس بهذه البساطة فإذا أردنا أن نكسب طرح (هنتنجتون) مصداقية فكرية أكبر لجاز لنا القول إن اختراع وتصور الأعداء والخصوم المستقبليين بعد زوال خصوم الماضي يدل على رغبة عارمة لإثبات الذات والهوية، ولا يتأتى هذا إلا بمثول منافس وخصم عنيد أمام هذه الذات والهوية تثبت وجودها وجدارتها في الوقوف أمامه والتسابق والتنافس ثم الصراع معه، ولعل (هنتنجتون) هنا يعيد بوعي أو بدون وعي مقولات (هيجل) المشهورة في الفكر الغربي حول الذات والآخر وإثبات الذات لوجودها فقط من خلال الصراع مع الآخر. وهناك جانب ثقافي عملي آخر لعملية اختراع الخصوم أو الأعداء وهو محاولة بث الحيوية والنشاط واستنهاض الهمة في الحضارة الغربية بالتحذير من وجود أعداء خطرين على الأفق والتلويح بهم؛ ذلك أنه قد ساد الإحساس في العقود الأخيرة وبالذات في دوائر السياسة والأكاديمية الأمريكية اليمينية المحافظة بأن الحضارة والثقافة الغربية تتعرض للانهيار والتدهور والتآكل من الداخل لا سيما على المستويات الأخلاقية والإنتاجية (بل لقد اتخذ انهيار الكتلة الشرقية نفسه على أنه من علامات هذا الانهيار) ، وإزاء هذا التصور المقلق بوجود تدهور ذاتي داخلي في هذه الحضارة كان رد الفعل الطبيعي بالنسبة للدوائر المدافعة عنها هو اختلاق عدد خطير وتحد كبير يقف خارج هذه الحضارة والتلويح بهذا الخطر والعدو كوسيلة لحث واستشارة طاقات الفعل والاستجابة والنهضة الثقافية عند أبناء الحضارة الغربية ليتجاوزوا الضعف والتآكل.

يمكن القول من هذه الزاوية: إن مقولة صراع الحضارات لها جانب قد نسميه بالسياقي، ونعني به: أن لها دوافعها وبواعثها في إطار السياسات والأوضاع الثقافية في الغرب وبالتحديد لدى دوائر أمريكية ذات نفوذ تريد الحفاظ على الهوية الحضارية الغربية وتجديد حيويتها وقدراتها النزالية التنافسية بطرح خصوم المستقبل الألداء، وإفهام أبناء الحضارة أنه إذا كان العدو السوفييتي وكتلته قد زالا فإن هناك على الأفق من الخصوم الأشد (وهم على المستوى الحضاري ذاته) الذين ينبغي الحذر منهم، والاستعداد لدفع كيدهم، والتقوي والنهضة لاحتمالات المنافسة والصراع معهم. ولكن إثبات الذات والهوية في وجه تحدي الآخر قد لا يكفي هو الآخر لتفسير مقولات (هنتنجتون) واستقصاء جوانبها وأبعادها لا سيما أن الآخر المطلوب التحذير منه ليس كله وهمًا مختلقًا بل له صفات تستحق التأمل فيها. إن قائمة أعداء وخصوم متنافس الغرب تستحق الدراسة.

وأول ما يلفت النظر في هذه القائمة أنها ليست على مستوى واحد من الطرح فهي تجمع بين خصوم واقعيين فعليين قائمين (الحضارة الآسيوية الناهضة أو البوذية أو الصينية اليابانية) وخصوم محتملين ليسوا سوى إمكانية قد تتحقق أو لا تتحق (الخصم الإسلامي) كما تخلو منها أسماء حضارات وثقافات قائمة ذات قوة نووية مؤكدة وقوة اقتصادية ذات إمكانات قوية (الهند، إسرائيل، البرازيل، جنوب أفريقيا وكتلة الدول الموالية) ، فلماذا نجد في مقولة صراع الحضارات قوى قائمة ومؤكدة قد وضعت بجانب قوى محتملة على قائمة الخصوم؟ ثم لماذا تخلو القائمة من قوى أخرى مؤكدة؟ قد يقال في تفسير هذا الأمر الأخير أن تلك القوى المحذوفة لا تمثل خطرًا على الحضارة الغربية في المستقبل حتى لو تسلحت بالأسلحة الذرية وملكت زمام القوى الاقتصادية الكبيرة، فالعلاقة مع إسرائيل اليهودية أوضح من كل بيان؛ والبدهي أن أمريكا تعتبر هذا الكيان امتدادًا لها وسط الساحة العربية الإسلامية؛ فإسرائيل قوة مضافة لصالح الحضارة الغربية حتى ولو كانت يهودية الدين سامية الأصل عبرانية اللغة شرق أوسطية الموقع، فهي بمثابة الطليعة الزاحفة للجيش أو الحصن المتقدم. أما البرازيل فربما يقال إنها بنت الغرب بدينها الكاثوليكي ولغتها البرتغالية وتلاحمها الاقتصادي العضوي مع قارتها التي تعتبر من لواحق الغرب. ولا ننسى أن مقولة (هنتنجتون) تقيم أساسها على أطروحات العرق والأصول الأوروبية، وينطبق الشيء نفسه على جنوب أفريقيا حتى على الرغم من الكلام الكثير الذي قيل حول إنهاء نظام سيطرة الأقلية البيضاء؛ لكن البلاد تبقى مرتبطة بالحضارة الغربية على مستويات أعمق من العرق هي اللغة والمسيحية والاقتصاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت