فهرس الكتاب

الصفحة 1932 من 2255

4-سوف يحصل في المستقبل نوع من التضامن داخل الحضارات وذلك حين تدخل بعض الجماعات أو الدول في حروب مع جماعات من حضارات مختلفة، مما يعني طلب الدعم من الأعضاء الآخرين في الحضارة، ولقد حل التشابه الحضاري محل التوازن التقليدي والتحالف بين الأيديلوجيات السياسية كقاعدة أساسية للتعاون والتحالف، ومن الأمثلة على ذلك: الحروب في البلقان، حيث قدمت المجموعة الأوربية مساعدات عاجلة واعتراف بكرواتيا وسلوفينيا الكاثوليكية، كما أن روسيا تقوم بدعم الأرثوذكس الصرب، ويحاول المسلمون الحصول على الدعم من الدول الإسلامية، ومن الأمثلة أيضًا ما يحدث من حروب كثيرة بين المسلمين والنصارى في أماكن مختلفة من الاتحاد السوفيتي السابق، وبعض الحروب بين النصارى الغربيين وبين النصارى الأرثوذكس في جمهوريات البلطيق، إلا أننا لا نجد أن هناك صراعات بين الروس والأوكرانيين لأنهم ينتمون إلى حضارة واحدة.

5-يعيش الغرب حاليًا في القمة من ناحية القوة العسكرية والاقتصادية مقارنة بالحضارات الأخرى، والغرب يسيطر على المؤسسات السياسية والأمنية الدولية، ومع اليابان بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية الدولية ولهذا فإن الكفاح من أجل الحصول على مصادر القوة العسكرية والاقتصادية والمؤسساتية هو واحد من مصادر الصراع بين الغرب وبقية الحضارات كما أن الاختلافات في الثقافة وفي القيم الأساسية تكون المصدر الثاني للصراع، ولذلك فإن محاولة الغرب لاستخدام قوته للعمل الدعائي للأفكار الغربية سوف تقابل برد فعل ضد (إمبريالية حقوق الإنسان) ، وسيزيد هذا العمل من التثبت بالقيم المحلية، ويمكن ملاحظة ذلك في الدعم الذي تتلقاه الحركات (الأصولية الدينية) من الأجيال الشابة في الثقافات غير الغربية.

6-سوف تظهر في المستقبل بعض الدول التي لديها مقدارٌ من التجانس الثقافي، ولكنها منقسمة حول ما إذا كان مجتمعها ينتسب إلى هذه الحضارة أم تلك، ويمكن تسمية هذه الدول بـ «الدول الممزقة» ، والتي يتمنى زعماؤها الانضمام إلى الدول الغربية، ولكن التاريخ والثقافة والتراث في تلك الدول ليس غربيًا، وأوضح الأمثلة على ذلك تركيا التي حاول (أتاتورك) أن يجعلها دولة غربية علمانية حديثة، وقد انضمت إلى دول حلف (الناتو) وتقدمت إلى عضوية المجموعة الأوربية ولكن الشعوب الأوربية رفضت أن تقبلها دولة غربية، وبالتالي رُفض انضمامها للمجموعة الأوربية.

7-إن العقبات أمام الدول غير الغربية للالتحاق بالغرب تختلف بدرجة كبيرة ؛ إذ أنها أقل بالنسبة لدول شرق أوربا وأمريكا اللاتينية، وهي عقبات كبيرة للدول الأرثوذكسية في الاتحاد السوفيتي السابق، وهي عقبات أعظم أمام المجتمعات الإسلامية، والكنفوشوسية، والهندية والبوذية، وتلك المجتمعات تحاول تطوير قدراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية بعيدًا عن النموذج الغربي، ولكن عن طريق التطوير الداخلي، والتعاون مع مجتمعات أخرى غير غربية، وإن أقرب شكل لهذا التعاون هو الاتصال (الإسلامي/ الكنفوشيوسي) ، الذي بدأ يتشكل لتحدي القوة والقيم والمصالح الغربية.

وبدون استثناء فإن الدول الغربية وروسيا تخفض الآن من قوتها العسكرية، ولكن الصين وكوريا الشمالية والعديد من دول منطقة الشرق الأوسط قد زادت من قدراتها العسكرية بدرجة كبيرة.

إن الصراع بين الغرب وتحالف (الإسلامية/الكنفوشوسية) سوف يركز بدرجة كبيرة على الأسلحة النووية، والكيميائية، والبيلوجية والصواريخ ذات المدى الطويل والأسلحة المتطورة الأخرى، وكذلك القدرات في مجال الاستخبارات والوسائل الالكترونية الأخرى، وفي هذا الشكل الجديد من التنافس لسباق التسلح نجد أن جهة واحدة تطور أسلحتها والأخرى تحاول الحد والتخفيض وليس إحراز التوازن في إمكاناتها العسكرية.

ماذا يجب على الغرب أن يفعله؟

في نهاية هذه الدراسة التي أشرنا لأهم الطروحات التي تناولتها، ذكر الباحث بعض السياسات التي ينبغي على الغرب أن يتبناها لمواجهة مستقبل (صراع الحضارات) ، وقد قسّم هذه السياسات إلى مزايا قصيرة المدى وإلى كيفية التكيف مع هذه المتغيرات على المدى الطويل، ومن المزايا التي يمكن للغرب استغلالها على المدى القصير ما يلي:

1-على الغرب أن يسعى إلى تعاون أوثق واتحاد بين الدول داخل الحضارة الغربية وخاصة بين دول أوربا ودول أمريكا الشمالية.

2-ضرورة السعي لدمج شرق أوربا وأمريكا الجنوبية اللاتينية في المجتمع الغربي، لأن هذه الدول تملك ثقافة قريبة من ثقافة الغرب.

3-السعي للدعوة والحفاظ على علاقات تعاونية أوثق مع روسيا واليابان.

4-منع تطور الصراعات المحلية داخل الحضارة الغربية إلى صراعات كبيرة.

5-الحد من توسع القوة العسكرية للدول الإسلامية والكنفوشوسية.

6-التوسط في تخفيض القوة العسكرية الغربية والحفاظ على التفوق العسكري في شرق وجنوب غرب آسيا.

7-استغلال الاختلافات والصراعات بين الدول الإسلامية والكنفوشوسية.

8-دعم الجماعات في الحضارات الأخرى التي تتعاطف مع القيم والمصالح الغربية.

9-تقوية المؤسسات الدولية التي تعكس وتمنح الشرعية للمصالح والقيم الغربيةللدعوة لمشاركة دول غير غربية في هذه المؤسسات.

أما على المدى الطويل فإن الدول التي تنتمي إلى حضارات غير غربية سوف تستمر في المحاولة للحصول على الثروة والتقنية والمهارات والأجهزة والأسلحة حتى تكون دولًا حديثة، وسوف تحاول أيضًا أن توفق بين التحديث والثقافات والقيم المحلية، ولهذا فإن قوتها العسكرية والاقتصادية مقارنة بالغرب سوف تزداد، ولذلك على الغرب أن يُكيّف هذه الحضارات التي سوف تصبح قوتها قريبة من قوة الغرب، ولكن قيمها ومصالحها تختلف بدرجة كبيرة عن الغرب، وهذا يتطلب من الغرب أن يحافظ على قوته العسكرية والاقتصادية الضرورية لحماية مصالحه، ويتطلب أيضًا أن يطور الغرب فهمه العميق للافتراضات الدينية والفلسفية التي تقف عليها تلك الحضارات وينبغي معرفة الطرق التي يرى بها الناس في تلك الحضارات مصالحهم الذاتية.

عود على بدء:

يتضح من الأسطر السابقة أن الكاتب بدأ دراسته بتشخيص حالة العالم بعد سقوط الشيوعية، وتقهقر الصراعات الأيديلوجية، لتبرز من جديد الفروق الجوهرية بين بني البشر، وهي الفروق التي طمرتها حقبة الحربين العالميتين والحرب الباردة، إنها الفروق الحضارية التي يشكلها الدين والغة والتاريخ والثقافة والتراث، وقد كان هذا التشخيص لشكل العالم الجديد في ظل ظاهرة العودة إلى الجذور متطابقًا إلى حد بعيد مع الأحداث التي تجري على الساحة منذ بداية الثمانينات، وهي الفترة التي شهدت مرحلة الانهيار الكبير للشيوعية وحتى اليوم، وبالنسبة لنا نحن المسلمين فإن هذا الوضوح والتمايز بين الحضارات سوف يساعد ولا شك في تمييز المواقف وسقوط الأقنعة والشعارات التي كان يرددها كثير من المستغربين من أبناء الأمة، فكثيرًا ما كان يُرَدَدُ مصطلح «عالمية الحضارة» و «الهموم الإنسانية المشتركة» ، وكثيرًا ما طالب أصحاب الأدب والفكر بالانفتاح على الحضارات، وعدم الانغلاق على الذات وبالبحث عن القواسم المشتركة بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب وغير ذلك من الطروحات وشعار «الحضارة العالمية» هو كما ذكر (هنجتون) : مصطلح غربي بحت، يطرح عالميًا ليكون ستارًا لنشر القيم والمبادئ الغربية على أنها مبادئ عالمية وليست خاصة بأمة معينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت