فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 2255

والله تعالى يخرج الناس من الظلمات إلى النور بوحيه، عن طريق رسله واتباعهم الذين يبينون للناس الحق والباطل ويدعونهم إلى الحق وينهونهم عن الباطل، كما قال تعالى: (( الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ) ). [إبراهيم:1]

وقال تعالى: (( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور.. ) ). [ إبراهيم: 5]

وقال تعالى: (( رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ) ). [الطلاق: 11]

وتخصيص المؤمنين بالإخراج من الظلمات إلى النور مبني على كونهم هم المنتفعين الذين يستجيبون لأمر الله ودعوة رسله، فيخرجون فعلا من الظلمات إلى النور، كتخصيص كون القرآن هدى للمتقين في مثل قوله تعالى في كتابه العزيز: (( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين... ) ). [ البقرة: 2]

مع أن كتاب الله هدى لجميع الناس لو أرادوا الهداية، ولكنه خصّ المتقين لكونهم المنتفعين به، والرسالات جاءت لإخراج الناس كلهم من الظلمات إلى النور.

وقد يقول قائل مبهور بالاكتشافات العلمية المعاصرة، وما وصل إليه رواد الحضارة الغربية المادية: كيف يكون الناس في ظلمات، وبخاصة أهل الغرب الذين ذللوا بعلمهم واكتشافاتهم الصعاب فحولوا الظلام الدامس إلى أنوار تتلألأ في المدن والقرى والأرياف، وقربوا البعيد في الأسفار وحمل الأثقال، والتخاطب بالأصوات والرسائل المكتوبة (بالفاكس والتلكس وغيرها..) والصورة عن طريق التلفاز والأقمار الصناعية، وحولوا وجه القمر الجميل -الذي كان الشعراء والأدباء يتغزلون بوجهه الصبيح، مشبهين به الغانيات من النساء -إلى مطار يهبطون فيه ويصعدون، وأصبحت الكواكب البعيدة هدفا لاكتشافاتهم تتوالى صورها المنقولة بوساطة الآلات الفضائية التي تسير من الأرض، بحيث تُؤمَر وتُنهَى-على بعد المسافة بينها وبين من يأمرها وينهاها-فتستجيب للأمر والنهي، وامتلأت الأرض بآثار حضارتهم، من طائرات وسيارات وقطارات وسفن بحرية، أصبحت مدنا متنقلة فيها كل ما يبتغيه الإنسان في المدن الكبرى، وأصبحت الأرض بالمواصلات الحديثة شبيهة بقرية صغير يتواصل الناس فيها في كل لحظة من لحظات الزمن-وبخاصة بتلك الوسيلة المدهشة: الشبكة العالمية"الإنترنت"وشيدت ناطحات السحاب ذات المرافق المريحة المدهشة، ووجد الإنسان الآلي الذي أصبح يجري العمليات الجراحية، والكمبيوتر الذي عجز العقل الإنساني الذي صنعه عن مجاراته، ووجدت صواريخ تعبر القارات وأسلحة حرب النجوم، وأصبحت طبقات الأرض عاجزة عن ستر ما في طبقاته عن أقمار التجسس، وأصبح الإنسان يُصنَع في أنابيب، وتمكن الأطباء من زرع الأعضاء في الأجسام لتحل محل أعضاء أخرى.. [وأخيرا وصلوا إلى الاستنساخ الحيواني وغيره...] الخ.؟؟!!

أهذا الإنسان العصري الذي وصل إلى هذه الدرجة من العلم، هو في ظلمات يحتاج إلى إخراج منها إلى نور؟!

ما الظلمات التي هو فيها الآن؟ وهو بهذه الحال؟

وما النور الذي سيخرج إليه؟

أهو الرجوع إلى سراج الزيت؟ والسفر على البغال والحمير والجمال؟ والسكنى في الكهوف، وبيوت القش وجلود الأنعام والخيام؟ وبصفة عامة إحياء الرجعية والتأخر والجمود وكبت الحريات ونسف الديمقراطيات التي نعم بها الغرب بعد جهد ونضال مريرين، وإعادة المرأة إلى مخدعها لا ترى أحدا ولا يراها أحد؟!

والإجابة عن هذا السؤال تطول، ولكن تعال معي أيها القارئ! لنتأمل قليلا في أحوال الناس في هذا العصر الذي وصف السؤال قدرا ضئيلا من تقدمه المادي، لنرى إن كان أولئك الناس الذين هذه صفتهم في ظلمات محتاجين إلى من يخرجهم منها إلى نور أو لا؟!

أمثلة لحياة القوم-المتحضرين-في بعض المجالات:

المجال الأول: الحياة الإيمانية:

قلت في آخر الحلقة السابقة، إجابة على تساؤلات قد تدور في ذهن القارئ: كيف يكون الإنسان المتحضر في هذا العصر في ظلمات، يحتاج إلى من يخرجه من الظلمات إلى النور؟: والإجابة عن هذا السؤال تطول، ولكن تعال معي أيها القارئ! لنتأمل قليلا في أحوال الناس في هذا العصر الذي وصف السؤال قدرا ضئيلا من تقدمه المادي، لنرى إن كان أولئك الناس الذين هذه صفتهم في ظلمات محتاجين إلى من يخرجهم منها إلى نور أو لا؟!

إن المتأمل في الحياة الإيمانية لأولئك المتحضرين يجدهم يؤمنون بكل شيء مادي يدخل في نطاق علمهم الدنيوي الظاهر، وكثير منهم لا يؤمنون الإيمان الحق، وهو الإيمان بالغيب، ومنه الإيمان بالخالق الإله المعبود.

فالذين يسمون بأهل الكتاب، من يدعي منهم أنه يؤمن بالله لا يؤمن به في الحقيقة، وإنما يؤمن بآلهة متعددة: الله، الابن، روح القدس، ويسمون الثلاثة إلها واحدا، مما جعل بعض الأطفال في مدارس الغرب يتساءلون: كيف يكون الثلاثة، واحدا ونحن ندرس في الرياضيات أن ضرب الثلاثة في واحد يساوي ثلاثة؟! فلا يجدون من القسس والرهبان جوابا، فينصرفون عن الدين إلى الإلحاد، ولهذا تجد كثيرا ممن يسمون بالنصارى ملحدين لا يؤمنون بإله.

وتجد دولا كبيرة قامت في الأرض على الإلحاد الصريح الذي ينكر وجود الخالق-أصلا-مع أن كل ذرة في الكون تصرخ في وجوههم وتحتج وتثبت أن الله الخالق موجود، بل وتدل على أنه المعبود الحق سبحانه وتعالى.

وإن العقل الذي لا يقر صاحبه بذلك إنما يشهد عليه بأنه أحط من أحقر الحيوانات.

وتجد وثنيين قد ملئوا جوانب كثيرة من الأرض يقدسون كل مخلوق ويعبدونه من دون الله، كالبقر والنار والشجر والحيوان والنهر، بل حتى الفرج، وتجد كبار فلاسفتهم يعيشون مع الكلاب والقطط والدجاج، في الغابات يعبدون غير الله، ويُعبَدون هم من دون الله.

وكنت أظن أن هؤلاء الوثنيين مثل وثنيي العرب الذين كانوا يعبدون الأوثان لتقربهم إلى الله، ولكني وجدتهم ينكرون إنكارا شديدا أن يكون هناك رب خلق هذا الكون، وهم في ذلك كالشيوعيين الملحدين ولا يختلفون عنهم إلا بأنهم يعبدون المخلوقات عبادة صريحة واضحة.

بل إنك لتجد جمهرة من المسلمين يعبدون القبور ويطوفون بها ويتمسحون بترابها ويدعون أهلها من دون الله!

وتجد كثيرا من أبناء المسلمين ملحدين لا يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، متبعين في ذلك ماركس ولينين وغيرهما.

نعم انهارت الدول الإلحادية ولكن الإلحاد ما زال موجودا.

والذي لا يؤمن بالله لا يؤمن بالغيب الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، فلا يؤمن بوحي ولا رسالة ولا كتب-وآخر تلك الكتب والمهيمن عليها القرآن الكريم-،ولا برزخ ولا بعث ولا حشر ولا حساب ولا صراط ولا ميزان ولا جنة ولا نار ولا ملائكة، لا شيء غير عالم الشهود.

فهل ترى أمثال هؤلاء الذي هذه حياتهم في مجال الإيمان يعيشون في نور أو ظلمات؟!

وفقد الإيمان بالغيب يكفي وحده للدلالة على أن صاحبه في ظلمات، وكل خير مفقود هو أثر لفقد هذا المجال.

المجال الثاني: الحياة الاجتماعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت