(( ولما بلغت الدولة الرومانية في القوة الحربية والنفوذ السياسى أوجها، ووصلت في الحضارة إلى أقصى الدرجات، هبطت في فساد الأخلاق، وفى الانحطاط في الدين والتهذيب إلى أسفل الدركات. بطر الرومان معيشتهم، وأخلدوا إلى الأرض، واستهتروا استهتارًا. وكان مبدؤهم أن الحياة إنما هى فرصة للتمتع، ينتقل فيها الإنسان من نعيم إلى ترف، ومن لهو إلى لذة. ولم يكن زهدهم وصومهم في بعض الأحيان,، إلا ليبعث على شهوة الطعام. لوم يكن اعتدالهم إلا ليطول به عمر اللذة. كانت موائدهم تزهو بأوانى الذهب والفضة مرصعة بالجواهر، ويحتف بهم خدام في ملابس جميلة خلابة، وغادات رومية حسان، وغوان كاسيات عاريات، غير متعففات، تدل دلالًا .. ويزهو في نعيمهم حمامات باذخة وميادين للهو واسعة، ومصارع يتصارع فيها الأبطال مع الأبطال أو مع السباع، ولا يزظالون يصارعون حتى يخر الواحد منهم صريعًا يتشحط في دمه . وقد أدرك هؤلاء الفاتحون الذين دوخوا العالم، أنه إن كان هناك شىء يستحق العبادة فهو القوة. لأنه بها يقدر الإنسان على أن ينال الثروة التى يجمعها أصحابها بعرق الجبين وكد اليمين. وإذا غلب الإنسان في ساحة القتال بقوة ساعده، فحينئذ يمكن أن يصادر الأموال والأملاك، ويعين إيرادات الإقطاع. وأن رأس الدولة الرومانية هو رمز لهذه القوة القاهرة، فكان نظام روما المدنى يشف عن أبهة الملك. ولكنه كان طلاء خداعأً، كالذى نراه في حضارة اليونان في عد انحطاطها ) ) ( ) 0
ويصف الأستاذ أبو الأعلى المودودى حالة المجتمع الرومانى في هذه الفترة يقول:
(( ولما تراخت عرى الأخلاق وصيانة الآداب في المجتمع الرومانى إلى هذا الحد، اندفع تيار من العرى والفواحش وجموح الشهوات. فأصبحت المسارح مظاهر للخلاعة والتبرج الممقوت والعرى المشين.. وزيت البيوت بصور ورسوم كلها دعوة سافرة إلى الفجور والدعارة والفحشاء. ومن جراء ذلك راجت مهنة المومسات والداعرات. وانجذبت إليها نساء البيوتات. وتمادى الأمر في ذلك إلى أن اضطر القوم إلى وضع قانون خاص في عهد القيصر (( تانى بيرس ) ) (14 - 37م) لمنع نساء البيوتات من احتراف مهنة المومسات وصناعتهم النافقة. ونالت مسرحية (( فلورا Flo صلى الله عليه وسلم a ) )حظوة عظيمة لدى الروم، لكونها تحتوى على سباق النساء العاريات. وكذلك انتشر استحمام الرجال والنساء في مكان واحد بمرأى من الناس ومشهد.. أما سرد المقالات الخليعة، والقصص الماجنة العارية فكان شغلًا مرضيًا مقبولًا لا يتحرج منه أحد، بل الأدب الذى كان يتلقاه الناس بالقبول والرضى هو الذى يعبر عنه اليوم بالأدب المكشوف. وهو الذى يتبين فيه أحوال الحب والعناق والتقبيل سافرة، غير مقنعة بحجب من المجاز والكنايات )) 0
ثم حدث أن استطاعت النصرانية - كما شكلها بولس - أن تمسك بزمام الدولة الرومانية، وأن تولى الإمبراطور قسطنطين في سنة 305ميلادية، وأن تصبح لها الكلمة العليا في الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف.. فما الذى حدث؟
حدث ما يصوره درابر بقوله ك
(( دخلت الوثنية والشرك في النصرانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة، ومناصب عالية في الدولة الرومانية بتظاهرهم بالنصرانية، ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين، ولم يخلصوا له يومًا من الأيام. وكذلك كان قسطنطين. فقد قضى عمره في الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلًا في آخر عمره(337م) 0
(( إن الجماعة النصرانية.. وإن كانت قد بلغت من الثورة بحيث ولت قسطنطين الملك، ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية وتقتلع جرثومتها. وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها، ونشأ من ذلك دين جديد تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء.. هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية إذ قضى الإسلام على منافسه(الوثنية) قضاءًا باتًا ونشر عقائده بغير غبش0
(( وإن هذا الإمبراطور الذى كان عبدًا للدنيا، والذى لم تكن عقائده الدينية تساوى عنده شيئًا، رأى لمصلحته الشخصية ولمصلحة الحزبين المتنافسين - النصرانى والوثنى - أن يوحدهما، ويؤل بينهما حتى إن النصارى الراسخين أيضًا لم ينكروا عليه هذه الخطة. ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة. وسيخلص الدين النصرانى عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها ) ) ( ) 0
ولم تستطع هذه النصرانية الملقحة بالوثنية أن تنتزع الرومان من الحياة البهيمية الداعرة التى كانوا يزاولونها في وثنيتهم.. عندئذ عمدت إلى الطرف المقابل.. الرهبانية.. الرهبانية التى تكبت الميول الفطرية والطاقات الطبيعية، والوظيفة الأساسية للإنسان في الأرض.. التعمير والخلافة .. ثم لا تفلح طبعأ في قتل هذه القوى الضخمة العميقة الجذور في الكينونة البشرية. ولكنها تفلح في إحالة الحياة إلى شد وجذب بين الدوافع والكوابح، وإلى صراع أليم في داخل الكيان البشرى، وإلى دمار رهيب في الحياة الاجتماعية والعمرانية 00
ويصف ليكى في كتابه (( تاريخ أخلاق أوروبا ) )ما وصلت إليه الرهبانية يقول:
(( زاد عدد الرهبان زيادة عظيمة، وعظم شأنهم، واستفحل أمرهم، واسترعوا الأنظار، وشغلوا الناس، ولا يمكن الآن إحصاؤهم بالدقة، ولكه مما يلقى الضوء على كثرتهم، وانتشار الحركة الرهبانية ما روى المؤرخون أنه كان يجتمع أيام عيد الفصح خمسون ألفًا من الرهبان، وفى القرن الرابع المسيحى كان راهب واحد يشرف على خمسة آلاف راهب، وكان الراهب (( سرابين) يرأس عشرة آلاف، وقد بلغ عددهم في نهاية القرن الرابع عدد أهل مصر ))00
وأفاض (( ليكى ) )وغيره في وصف حالة الرهبان، وبشاعة بعدها عن الفطرة الإنسانية، والإيجابية الإنسانية، والغلو في الهرب من طيبات الحياة، ومكافحة نشاط الفطرة، مما نكتفى فيه بتلخيص جيد واف للأستاذ أبى الحسن الندوى في كتابه (( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ) )تحت عنوان (( عجائب الرهبان ) )جاء فيه:
(( ظل تعذيب الجسم مثلًا كاملًا في الدين والأخلاق إلى قرنين، وروى المؤرخون من ذلك عجائب. فحدثوا عن الراهب ما كاريوس(Maca صلى الله عليه وسلم ius) أنه ننام ستة أشهر في مستنقع، ليقرص جمسه العارى ذباب سام، وكان يحمل دائمًا نحو قنطار من حديد، وكان صاحبه الراهب (( يوسيبيس ) ) (Eusebius) يحمل نحو قنطارين من الحديد، وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نزح، وقد عبد الراهب يوحنا (St. John) ثلاث سنين قائمًا على رجل واحدة، ولم ينم ولم يقعد طوال هذه المدة، فإذا تعب جدًا أسند ظهره إلى الصخرة. وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائمًا، وإنما يتسترون بشعرهم الطويل، ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام، وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة، والمقابر ، ويأكل كثير منهم الكلأ والحشيش، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح، ويتأثمون من غسيل الأعضاء0