فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 2255

(( إن فحص الفردية الفسيولوجية فحصًا كاملًا، وقياس أجزائها المركبة غير ميسور حتى الآن، كما أننا لا نستطيع تحديد طبيعتها بالدقة، وكيف يختلف كل فرد عن الآخر. بل إننا عاجزون عن اكتشاف الصفات الجوهرية لشخص بعينه، فضلًا 'ن أننا أكثر عجزًا عن اكتشاف إمكانياته ) ).. (ص 290)

(( وحقيقة الأمر أن السيكولوجيا لم تصبح بعد علمًا. لأن الفردية وإمكانياتها ليست قابلة للقياس حتى الآن ) )000 ... (ص291)

هذه الحقائق الأساسية الثلاثة: حقيقة أن الإنسان كائن فذ في هذا الكون. وحقيقة أن الإنسان كائن معقد شديد التعقيد . وحقيقة أن الإنسان يشتمل على عوالم متفردة عددها عدد أفراده0

هذه الحقائق تقتضى منهجًا للحياة الإنسانية يرعى تلك الاعتبارات كلها. ويرعى تفرد (( الإنسان ) )فى طبيعته وتركيبه. وتفرده في وظيفته وغاية وجوده، وتفرده في مآله ومصيره. كما يعرى تعقده الشديد وتنوع أوجه نشاطه وتعقد الارتباطات بينها. ثم يرعى (( فرديته ) )0

وبعد هذا كله يضمن له أن يزاول وجوه نشاطه كلها، وفق طاقاته كلها بحيث لا يسحق ولا يكبت، كما لا يسرف ولا يفرط. وبحيث لا يدع طاقة تطغى على طاقة، ولا وظيفة تطغى على وظيفة.. ثم - في النهاية - يسمح لكل فرد بمزاولة فرديته الأصلية مع كونه عضوًا في جماعة00

ولكن - نظرًا لجهالتنا بالإنسان - فإن مناهج الحياة التى اتخذها البشر لأنفسهم لم تستطع - وهذا طبيعى - مراعاة هذه الاعتبارات المتشعبة المتشابكة المتفاوتة المتناسقة 00

والمنهج الوحيد الذى راعى هذه الاعتبارات كلها كان هو المنهج الذى وضعه للإنسان خالقه، العليم بتكوينه وفطرته، الخبير بطاقاته ووظائفه، القادر على أن يضع له المنهج الذى يحقق غاية وجوده ويحقق التوازن في أوجه نشاطه، ويحقق فرديته وجماعيته كذلك 00

وما من شك أن الأمر من الدقة والخطورة والتشابك والتعقد بحيث يحتاج إلى علم إله، وحكمة إله، وأنه - من ثم - لا يصنعه إلا الله ( ) 00

فلننظر الآن نظرة سريعة إلى تقلب نظرة الإنسان لنفسه، وتخبطه كذلك بنفسه، حين استقل بأمر نفسه بعيدًا عن هدى الله ، واتبع هواه 00

فى الأساطير الإغريقية كان (( الإنسان ) )ندًا للآلهة. ينازعها السلطة والمعرفة، وإن كانت هى تبطش به وتقسو عليه. ولكنه هو لا يستسلم ولا يذعن. وحتى في حالة انتصارها عليه، فإنه يستبقى في نفسه السخط والإنكار والإصرار !

فلما جاء العهد الروماني - ونبدأ به باعتباره الأساس الحقيقى للحضارة الأوروبية القائمة - بهت ظل الآلهة - وبقى الإنسان يعبد ذاته وشهواته . وهو على كل حال لم يكن يسمح للآلهة بالتدخل في تصريف حياته الأرضية . وإن كان يسمح لها بالتكهن على ألسنة الكهان، ويستبقيها كعرف اجتماعى لا ضرر منه، ويستمتع بمباهج الاحتفالات بمواسمها في طلاقة من كل قيد على طريقة الرومان في المتاع0

ولما سيطرت النصرانية - كما تصورتها الكنيسة - على الدولة الرومانية، وسم الإنسان بالخطيئة ، ونكس رأسه بالذل. وبدا ذلك في التماثيل التى أنشئت في ظل هذه النظرة إلى الإنسان، كما بدا في سواها من وسائل التعبير0

ومع أن النظرة النصرانية إلى الإنسان تحمل تكريم الله لهذا الجنس، إلا أن خطيئة آدم - كما تصورها الكنيسة - قد دمغت الجنس كله بالإثم. حتى جاء المخلص (( ابن الإنسان ) )المسيح (( الرب ) ) (( الابن ) )… إلى آخره فكفر عن هذه الخطيئة. ولكن هذا لم يرفع جبين الإنسان، فقد كان عليه أن يكفر بالذل والهوان والتقشف ولعذاب طوال حياته، لكى يلحق بالمخلص، ويتحد فيه، وينال الغفران0

وكذلك اعتبرت ميوله الفطرية رجسًا ودنسًا، وعلاقاته الجنسية قذرًا ووسخًا، وشعوره بذاته إثمًا وخطيئة.. وكان من وراء هذه النظرة ما سنفصله بعد قليل من الرهبنة، ورد الفعل للرهبنة في أوروبا التى لم تستقر على حال0

ولما وقع رد الفعل، وثارت أوروبا على الكنيسة، وعلى التصورات الكنيسة، وعلى المفهومات الدينية كلها بالإجمال، جدت مع الثورة نظرة جديدة للإنسان. وبالذات إلى (( العقل ) )فى الإنسان0

(( لقد جعل هذا (( العقل إلهًا في (( عصر التنوير ) )فى منتصف القرن الثامن عشر الميلادى، فهذا العالم الخارجى إنما هو من خلق العقل وصنعه. وللعقل حق السيطرة على كل جوانب الحياة، والقطع فيها برأيه الذى يراه . والإنسان - من ثم - حر في العمل حرية تامة، لا يشوبها تحديد من غير الإنسان نفسه.. وبهذا انتهى عصر تدخل الدين في الحياة0

ثم انتهى عصر التنوير بانتهاء القرن الثامن عشر . وابتدأ القرن التاسع عشر بضربة قاصمة لهذا العقل وللإنسان معه. إذ جاءت (( الفلسفة الوضعية ) )تعلن أن المادة هى الإله! فهى التى تنشئ هذا العقل، وهى التى تطبع في حس الإنسان ما تراه !

بذلك تضاءل العقل، وتضاءل معه (( الإنسان ) ). لم يعد هذا الإنسان إله نفسه، ولا إله شىء من الأشياء ، إنما أصبح من مخاليق (( الطبيعة ) )ومن عبيد هذا (( الإله ) )!

ثم جاء (( داروين ) )بحيوانية الإنسان. حيث نشر كتابه: (( أصل الأنواع ) )فى سنة 1859، وكتابه (( أصل الإنسان ) )فى سنة 1871 0

وفقد الإنسان كل ما كان التصور الدينى قد أسبغه عليه من تكريم وتفرد وخصوصية. كما فقد كل ما كانت الفلسفة قد خلعته عليه في عصر التنوير من إجابية واستقلال وسيطرة. وعاد حيوانًا - ككل حيوان آخر - ولو أنه له السيطرة اليوم، فإن هذه السيطرة قد تؤول إلى قط أو فأر في يوم من الأيام. كما يحكى جوليان هكسلى !

ثم تمت الضربة القاضية على يد (( فرويد ) )من جانب، و (( كارل ماركس ) )من الجانب الآخر. الأول يرد دوافع الإنسان كلها إلى الميول الجنسية، ويصوره غارقًا في وحل الجنس إلى الأذقان .. والثانى يرد تطورات التاريخ كلها إلى الاقتصاد، ويصور الإنسان مخلوقًا ضئيلًا سلبيًا، لا حول له ولا قوة أمام إله الاقتصاد بل إله أداة الإنتاج!

وكذلك جاء التخبط في النظرة إلى سلوك الإنسان تجاه ميوله الفطرية، واستعداداته وطاقاته، وتجاه الأخلاق المرضية من المجتمع، والتى تطبع سلوك الأفراد في شتى المجتمعات0

لقد ظلت أوروبا تتراوح بين الإفراط والتفريط,. بين الكبت والتهور. بين سحق الميول الفطرية والطاقات الطبيعية في الإنسان أو إطلاقها بغير عنان,.. ولم تلتزم جادة الاعتدال أبدًا في تاريخها الطويل. ولم يقع التوازن في تصوراتها ولا في حياتها تبعًا لذلك في وقت من الأوقات0

ونبدأ بملاحظة واقع أوروبا - في هذا الجانب - منذ أيام الدولة الرومانية.. يصور (( درابر ) )الأمريكى في كتابه (( الدين والعلم ) )ن حالة الدولة الرومانية قبيل دخولها في النصرانية هذه الصورة البارعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت