فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 2255

وإلاّ فلو اتفقت العقول البشرية الصحيحة -وهذا ما يزيفه الواقع- لاكتفينا بحكم العقل حتى في المجتمع الواحد الذي يتغير ويتبدل رأي عقلائه قرنًا إثر قرن.

التفريق بين فلسفة الإسلام ومعتقد أهله في شأن القوانين البشرية وبين التعامل مع واقعها:

إذا تقررت تلك النظرة للقوانين التي يفرضها منطق القوة، فإن هذا لا يمنع التعامل مع واقعها بحكمة وفقًا لفقه القدرة ومقتضى المصلحة الشرعية، مع بقاء الرأي والمعتقد في تلك القوانين وفقًا لما تقتضيه النظرة الإسلامية، فإذا اختلت موازين القوى وتغيرت الطاقات والقدرات وأمكن صياغة تلك الأحكام وفقًا للنظرة الشرعية فبها ونعمت، وإلى ذلك الحين تظل المدافعة، ونافذة بيان الرأي وإثبات جدارته وصلاحيته مشرعةً يمكن من خلالها إذاعة فلسفة الإسلام ورؤاه في أمثال تلك القوانين، وذلك أول سبيل الدعوة إليها، شريطة أن يقوم بذلك المأهلون العالمون بالشرع والواقع.

أما التعامل مع واقع تلك القوانين المفروضة فيكون بالاستفادة مما تنص عليه من حق لا يخالف شرائع الإسلام في الجملة، كاحترام الأنبياء مثلًا.

وبالمقابل العمل على حكم وإخضاع الباطل منها لقوانين أخرى مجملة تعارضها والمدافعة في هذا الإطار بحسب الطاقة، تمامًا كما يفعلون في مساسهم بالحريات الدينة للمسلمين وعدم احترامهم لما يجِلّون كنبينا _صلى الله عليه وسلم_ بحجة الحريات الصحفية، فهذه الصورة يمكن أن تعكس في المجتمعات الإسلامية.

احترم الأديان نموذجًا:

وإذا تقرر هذا فإن مسألة احترام الحريات الدينية مسألة مجملة، لا يمكن أن نقبلها جملة، ولا يمكن أن نردها جملة.

فاحترام الأنبياء مثلًا قضية محل اتفاق فيمكن حينها تفعيل الاستفادة من القوانين الدولية لتقريرها والأمر بها وعقاب من يخالفها بأقصى ما يتاح لنا، وهذا بطبيعة الحال لن يوافق التصور الإسلامي بكامله ولكن العمل على تخلية الأرض من ازدراء الرسل والتقليل منه قدر الطاقة مطلب شرعي ومقصد إسلامي يسعى إلى تحقيقه بما في الطاقة.

أما إذا اقتضت قوانين الحريات الدينية تعديًا على المجتمع المسلم وإظهارًا للمنكر بين أهله ودعوة للردة عن الدين، فحينها ينبغي أن يحسم ذلك بما أمكن في المجتمع المسلم، ويدافع بأن حرية الأغلبية مقدمة، ومقدساتها ينبغي أن لا تنال ونحو ذلك.

ولعل التفريق بين نظرتنا إلى تلك القوانين وبين تعاملنا معها حال كونه ضرورة وقتية، النسبية فيها وتحميلها أوجه هو واقع الغرب في تعامله معها لا يختلف عما ذكر كثيرًا.

منهجية الغرب في التعامل مع قوانين الحريات الدنمارك نموذجًا:

عودًا على بدء بعد هذا الاستطراد فإن البشر قد وضعوا قوانين تضبط ما رأوه حقوقا وتحميها.

وتلك القوانين والتشريعات لا تخلو من حق ظاهر، ومنها ما هو عالمي التزمته ساسة الدول جميعًا فضلًا عن واضعيها.

إلاّ أنك تجد عند التطبيق تفلت بعض دعاتها من الغربيين عنها، وبينما يوغل هؤلاء في انفلاتهم من قيمها يغضي الطرف آخرون زعموا أنهم حماة الحرية وناصبو نصبها.

ولنأخذ على سبيل المثال صنيع الدنمارك الأخير فقد أُطلقت يد الإعلام هنالك فنال بعضهم من بعض شعائر الإسلام بل من رسول البشرية _صلى الله عليه وسلم_.

وعلى الرغم من وجود أعداد كبيرة من المسلمين في الدنمارك، تمثل ديانتهم الديانة الثانية في تلك البلاد من حيث تعداد السكان19، فضلًا عن شعوب كاملة يسوؤها ويغضبها ويزكي روح البغض والبراء في نفوسها مثل هذا الصنيع، إلاّ إنك لا تجد لأدعياء الحقوق أثرًا، بينما لم يعبأ الساسة والمتأمرون بمشاهد الأسى والأسف التي علت وجوه المسلمين.

وكأنهم لم يوقعوا بالأمس أو يدعوا العالم للإعلان العالمي لحقوق الإنسان20، أو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية21.

لقد جاء في الإعلان العالمي ما نصه:"الدول الأعضاء قد تعهدت بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان اطراد مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها"22. ثم قرر الإعلان أن من الحريات الدين في غير موضع ومن ذلك نص المادة الثامن عشرة:"لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين".

وجاء في العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية ما نصه:"تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف"23.

فبموجب نص الإعلان العالمي فإن على حكومة الدنمارك أن تحترم الدين الذي أفادت تقارير الأمم المتحدة نفسها أنه أكثر الأديان انتشارًا.

فهل من احترام الدين السخرية من نبي ملة تعظمه مليار نفس بشرية على وجه الكرة الأرضية اليوم؟

وبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية فإن على الحكومة الدنماركية وغيرها أن تحظر بالقانون أي دعوة تثير الكراهية الدينية لدى المسلمين.

وأي شيء يثير الكراهية لدى المسلم أكثر من انتقاص من لا يؤمن حتى يكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين؟

إن أمثال تلك الطعونات الرعناء في الإسلام وفي نبي الإسلام تنبئ عن مصداقية بعض الدول الغربية وتبين ما يعنيه التزامهم بتلك القوانين المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية، أو حقوق الإنسان عمومًا.

وكذلك فإنها تفضح المعيار المزدوج للدولة التي نصبت نفسها مسؤولًا عن احترام الحريات الدينية.

لقد جاء في التقرير السنوي الأمريكي حول الحريات الدينية في العالم عام 2004م ما نصه:"وتعترف الولايات المتحدة بمسؤوليتها الخاصة بالنسبة لاحترام تلك المعايير في الحفاظ على الحرية الدينية وفي حمايتها"24.

وأكد ذلك الرئيس جورج بوش عام 2005م إذ نقل عنه ما معناه:"على الرغم من تقدم الولايات المتحدة بسبب الحرية، نتذكر بأن الحرية ليست هدية أمريكا إلى العالم، لكنها هدية الله إلى كل رجل وامرأة في هذا العالم. هذه الحقيقة تقود جهودنا لمساعدة الناس ليحرزوا حرية دينية في كل مكان"25.

فهم يزعمون إذًا أنهم مبعوثون من قبل الله من أجل الحفاظ على الحريات الدينية وحمايتها.

فما رصيد هذا الزعم من التطبيق العملي ولنأخذ الدنمارك الذي تزايدت فيه الإساءة لنبي الإسلام ولدينه في السنوات الثلاث الأخيرة وبالأخص بعد عرض فلم الخضوع (Submission) الذي أساء إلى الإسلام أواخر عام 2004م، وكان قد أثار موجة احتجاجات إسلامية أول ما صدر -في هولندا- أسفرت عن مقتل مخرجه"ثيو فان جوخ" (Theo Van Gogh) ببعض شوارع أمستردام في أول عام 2004م.

مع ذلك جاء التقرير الأمريكي الأخير للحريات مليئًا بالمفارقات أو النفاق السياسي على حد قول البعض.

فقد أكد أن الدستور الدنماركي يعزز الحرية الدينية، ويحترم الحق الديني عمومًا، وأنه لم يكن هناك تغير في مكانة احترام الحرية الدينية أثناء المدة التي غطاها التقرير، وأن الحكومة واصلت سياستها في تعزيز حرية ممارسة الدين.

بيد أن التقرير أشار إلى اشتراط الدستور عندهم أن يكون الملك الحاكم عضوًا في الكنيسة الإنجيلية اللوثرية، وأن الكنيسة اللوثرية الإنجيلية هي المجموعة الدينية الوحيدة التي يمكن أن تستلم الإعانات المالية أو الأموال الرسمية مباشرة من خلال نظام الضرائب. وذكر أيضًا أن 12% تقريبًا من دخل الكنيسة يجيء من الإعانات المالية الرسمية.

ولم ينس التقرير أن يشير إلى حالات مسجلة مما يسمى بحوادث معاداة السامية مع أن الحكومة الدنماركية حققت في بعضها وأدانت المسؤولين عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت