فلعل ما سبق من أسباب داخلية وخارجية، هي أعظم الأسباب التي قادت إلى تشوه صورة الإسلام لدى الغرب.
ويحسن التنبيه إلى أن العلاج الذي نملكه يتعلق أولًا بعلاج المظاهر والأسباب التي للمسلمين فيها يد، كتصحيح واقعهم، مثلًا وإنكار المناكر التي ليست من الإسلام في شيء.
ثم ثانيًا بمدافعة الباطل وأهله الناقمين على الإسلام ومجاهدتهم جهادًا كبيرا من أجل إيصال صورة الإسلام للناس بيضاء نقية كما جاءنا به محمد _صلى الله عليه وسلم_.
وهذا يتطلب خطابًا إعلاميًا عصريًا نقديًا وموضوعيًا يغزو الأسواق الغربية ويبتعد عن رتابة الخطاب الإعلامي الغربي والإسلامي الموجود اليوم.
كما أن الحاجة إلى الاتجاء إلى الله ماسة، والاعتماد عليه كبيرة، والدعاء لأهل الضلال من الكفار بمعرفة الحق واتباعه، وفي صحيح البخاري ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
فكما أننا بحاجة إلى دعاء الله بأن يهلك الظالمين المستكبرين المعرضين من الكافرين المستهزئين، نحن أيضًا بحاجة إلى أن نسأله سبحانه أن يهدي ضالهم ويدل حائرهم ولاسيما أولئك النفر الذين لا يزالون ينافحون عن الإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام.
رابعًا: تحرير مفهوم حرية التعبير واحترام الأديان والمقدسات.
شاعت عند الغربيين منذ قرن من الزمان عبارة يبدو أن من أشهرها بينهم أحد أعمدة كتاب الخيال العلمي ألا وهو الكاتب الشهير المولود أوائل القرن الماضي روبرت هاينلاين (Robe صلى الله عليه وسلم t Heinlein) . الذي قال:"حقك في أرجحة قبضتك ينتهي حيث تبدأ أنفي"17!
ويصوغها بعضهم في شكل طرفة يصور فيها رجلًا يتثاءب ويتمطى على مقعده بحديقة عامة، فيفرد يده بكل قوة لتستقر في أنف جاره الغافل، والذي ما أن رقأ دمعه، وذهب احمرار وجهه، واختفت أصداء صرخته، حتى قال لجاره: بهدوء -يغبط على تمالك نفسه فيه-: يا عزيزي لقد هشمت أنفي!
فما كان من جاره إلاّ أن فرَّ ثغره مبديًا أسنانًا صفراء في ابتسامة باردة، ثم قال مجيبًا صاحبه: أنا.. أنا حر! أتمطى كيف شئت أن أتمطى!
وبعدها أظلمت الدنيا أمامه إثر شيء صلب اصطك بصدغه، وكان آخر ما سمعه كلمات بل صرخات يقول فيها جاره الذي تصاعدت أبخرة الغضب من رأسه، وحاكى لونه لون الجزرة، بينما انطلقت أطرافه الأربعة نحوه كأنها نبال: حرية يدك تنتهي حيث تبدأ حرية أنفي يا...
ومن رحمة الله به أن حجب عنه سماع بقية الكلمات فقد أغمي عليه إثر اصطكاك بعض الأطراف برأسه!
ولعل مضمون هذه العبارة أمر بدهي، كما أن ما يرد عليها من قيود أمر بدهي كذلك، ومن ذلك ما قاله السياسي الأمريكي نجم المحافظين الصاعد والمدافع عن الحريات الفردية الشهير بول جاكوب (Paul Jacob) إذ قال ما حاصله: إنك قد تملك الحق في أرجحة قبضتيك حتى تستقر ليس فقط على رأس أنف صاحبنا، بل أبعد من ذلك بنصف بوصة إلى حيث يتكوم أنفه!
وذلك في حالات المجازاة بالمثل، أو الدفاع عن النفس، شريطة ألا يصل ذلك إلى حد أبعد من: (العين بالعين) 18.
ولعل هذه أمور بدهية لا يجادل في مجملها عاقل، غير أن الجدال انتصب في بعض الصور والتطبيقات التي تُلحق بها. والحق أن كثيرًا من الأمثلة التطبيقية قد تكون محل نظر وتأمل، يكتنف القول بأنها من قبيل تلك البدهيات حق وباطل، بيد أن الجدل في بعضها من قبيل إنكار البدهيات والاعتراض بالجدل المحض من أجل تسويغ واقع منحرف باسم الحرية.
ولعله مر بك -أيها الفاضل- يومًا أحد المجادلين في مسألة واضحة محاولا تسويغ الخطأ الذي أخطأه، ولعلك لا تنسى أي شيء انقذف في رُوعِك تجاه ذلك المكابر باطر الحق، وغامط الناس، المعرض عن الانصياع للصواب.
وحقًا:
مَن ناطَ بِالعُجْبِ عُرى أَخلاقهِ نيطَت عُرى المَقتِ إِلى تِلك العُرى
وحتى لا يكون هذا، فتكثر القبضات الطائرة والأنوف المحطمة، ولغيره، وضع الحقوقيون قوانينهم الوضعية لتكفل عدم المساس ببعض تلك الحريات البدهية، وإن أدى الأمر إلى منع الحرية عن طريق الحبس بل القتل لأولئك العابثين بالحريات ولو باسم الحرية.
نظرة إسلامية في القوانين العالمية:
هل يستقل العقل بوضع قوانين تضبط الحريات:
ولعل هذا يساهم في طرح الفلسفة الإسلامية ونظرتها لتلك القوانين.
في تقديري أن من استقلوا بعقولهم زلوا في وضع كثير من تلك القوانين، وهذا أمر من الطبعي أن يعرض لمن خرج من البشر عن دائرة ضوء الوحي المنزل من عليم بخلقه لطيف خبير، وإن لم تكن لهم أهواء وعجر وبجر فكيف إذا كانت ثمَّ؟
ولا أدل على ذلك من التعديلات والاستدراكات التي تطرأ على تلك القوانين على الرغم مما بذل لأجل وضعها، مع أن النقل واقع -ولو خفية- عن الأمثلة السابقة سواء أكانت مجلة أحكام عدلية عثمانية، أو تشريعات سماوية محفوظة.
إن جمهور الأمم والشعوب يقرون بوجود خالق وقد دل هذا الكون وما اشتمل عليه من نواميس وإحكام على أنه خالق عليم سميع بصير خبير قدير مريد. ولن يجد أحد جوابًا صوابًا عن السبب المنشيء لحدوث الحوادث وكل ما هو جائز الوجود، فيبين سبب عدم ما لم يوجد منها، أو وسبب وجود ما وجد منها إلاّ إذا أقر بخالق تلك بعض صفاته، لا تجري عليه أقيسة الشبه بالخلق، وبعدها يصح أن يسند إليه ترجيح طرفي الوجود أو العدم، وإلاّ ساقه الاقتصار في العزو إلى الأسباب إلى سلسلة مجهولة.
وكما أن خلق الخالق سبحانه وتعالى كان معجزًا محكمًا، فكذلك أمره وتشريعه المحكم الباقي.
ولهذا فإن من استقل بعقله وخرج عن نور ومحدادت الوحي المنزل ممن استتم علمه وكملت قدرته، فإنه بمثابة من انحاز في أرض زرعت بالألغام، نحو رقعة منها مظلمة مليئة بسبل الردى، فأنى لمثل هذا السلامة ما لم يسلط أضواء الوحي على طريقه، ويحسن قراءة محدداته فيها؟
نعم قد يرشده عقله وما أوتي من وسائل حس لتجنب ما نتأ من العوارض أو غار مثلًا، ولكن لن يسلم من جميعها إلاّ من شذ، وليس ذلك بفضل العقل الذي لا يعلم، فليس مع صاحبه الناجي غير الجهل، ولكن بفضل الله الذي سلّم وألهم. وقد دل خلق الله على إرادته وقدرته وعلمه.
وقد يقول قائل لم هذا التصوير ولم لا يكون العقل هو السراج الذي ينير الطريق للبشرية، وجوابه يتلخص في أن العقل آلة استنباط واستنتاج تعمل في معطيات الواقع التي يقود إليها الحس، ووفقًا لمعطيات الحس قد يلتذ الإنسان أو يتأذى، وبهذا قد يعلم العقل ملاءمة الفعل له أو منفاته، وهذه الأفعال كثيرًا ما تتعارض فيها الرغبات فقد يلتذ أحدهم بما يتأذى به الآخر، فيتباين الحكم العقلي لكل منهما وفقًا لرغباته ومصالحه، كما أنه ثمت أمور تضطرب أحاسيس الناس تجاهها وتختلج مشاعرهم عندها، وهنا يتعطل استدلال العقل بالحس ويحتاج إلى ما يضيء له الطريق، وقد لا تختلف حواس الناس لكنها تعجز نظرًا لقصورها وحدودها التي لا تتجاوزها قدرة البشر مع أن للشيء الذي عجزت عن إدراكه أثره، فالعين -على سبيل المثال- قد تحتاج لأمر خارج عنها حتى تبصر مع توافر شروط الرؤية وانتفاء موانعها إذا كان ما يراد إبصاره خارج عن حدود قدرتها، فإذا قَصُرت الحواس عن إدراك أمر غيبي أو مشهود، أو اختلفت فيه أو في تقدير ما يترتب عليه، وما ينبغي له، احتاجت البشرية إلى ما يعرفها هل هذا الفعل سببًا للذم أو العقاب، أم لا؟ وما مقدار الذم أو العقاب الذي يستحقه من قارف ما اتفقت العقول على قبحه، واختلف في مقدار جزائه؟