(( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وذروا ما بقى من الربا - إن كنتم مؤمنين - فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) )000 (البقرة: 278 - 279)
(( والعصر إن الإنسان لفى خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصلوا بالحق، وتواصوا بالصبر ) )000 (سورة العصر)
والآن نأخذ في عرض أقوال الشهود عن بروز آثار الحضارة المادية وتضخمها في الأمم التى وصلت إلى قمة الحضارة .. فنستوفى بهذا عناصر المأساة الأربعة - كما أشرنا إليها في مقدمة هذا البحث0
وقد أخذنا شهودنا من درجات متفاوته . ومن بيئات مختلفة: منهم العالم المحقق، المؤمن بالعلم، المعتمد عليه في مواجهة المأساة.. ولا سواه .. ومنهم الفيلسوف الذى لا يؤمن بالدين، ومن ذلك يرى على ضوء العقل الخطر الذى تتردى فيه البشرية.. ومنهم الباحث المؤمن بالدين وبالعقل وبالعلم وبفطرة الإنسان، العارف في الوقت نفسه بمكان كل من هؤلاء في مجال المعرفة ومجال العلاج .. ومنهم الطبيبة التى تقدر جدية الموضوع، فتعالجه بالجد الذى يستحقه . ومنهم الصحفى الذى لا يعنيه من المسألة إلا العرض الصحفى والتشويق والإغراء
وقد اكتفينا بهذه الشهادات من عشرات مثلها، لأنه لا سبيل لإثبات كل الشهادات، واستدعاء كل الشهود، في فصل من كتاب !
يبدأ الدكتور ألكسيس كاريل شهادته بالكلام عن مخالفة البشر لما يسميه (( القوانين الطبيعية ) )- ونسميه نحن (( قوانين الفطرة التى فطر الله الناس عليها ) )- والعواقب التى لابد أن يلقاها من يخالف هذه القوانين الصلبة التى لا تلين، ولا تترك مخالفيها بلا عقوبة، ثم يأخذ في بيان ما حل بالبشرية فعلًا من هذه العقوبة:
(( قبل أن أبدأ هذا الكتاب، كنت أدرك تمامًا صعوبة هذا العمل بل استحالته تقريبًا.. ولكننى شرعت فيه، لأننى كنت أعلم أن شخصًا ما لابد سيؤديه.. لأن الناس لا يستطيعون أن يتبعوا الحضارة العصرية في مجراها الحالى لأنهم آخذون في التدهور والانحطاط. لقد فتنهمن جمال علوم الجماد. إنهم لم يدركوا أن إحساسهم وشعورهم تتعرض للقوانين الطبيعية - وهى قوانين أكثر غموضًا وإن كانت تتساوى في الصلابة مع القوانين الطبيعية - وهى قوانين أكثر غموضًا وإن كانت تتساوى في الصلابة مع القوانين الدنيوية - كذلك فهم لم يدركوا أنهم لا يستطيعون أن يعتدوا على هذه القوانين دون أن يلاقوا جزاءهم. ومن ثم يجب أن يتعلموا العلاقات الضرورية للعالم الدنيوى، ولأترابهم أبناء آدم، ولذاتهم الداخلية، وتلك التى تتصل بأنسجتهم وعقولهم، فإن الإنسان يعلو كل شىء في الدنيا، فإذا انحط وتدهور، فإن جمال الحضارة، بل حتى عظمة الدنيا المادةي لن تلبث أن تزول وتتلاشى .. لهذه الأسباب كتبت هذا الكتاب ) ).. (ص 10 - 11) 0
(( الإنسان نتيجة الوراثة والبيئة وعادات الحياة والتفكير، التى يفرضها عليه المجتمع العصرى.. ولقد وصفنا كيف تؤثر هذه العادات في جسمه وشعوره وعرفنا أنه لا يستطيع تكييف نفسه بالنسبة للبيئة التى خلقتها التكنولوجيا، وأن مثل هذه البيئة تؤدى إلى انحلاله. وأن العلم والميكانيكا ليسا مسئولين عن حالته الراهنة، وإنما نحن وحدنا المسئولون. لأننا لم نستطع التمييز بين الممنوع والمشروع. لقد نقضنا قوانين الطبيعة، فارتكبنا بذلك الخطيئة العظمى، الخطيئة التى يعاقب مرتكبها دائمًا.. إن مبادئ (( الدين العلمى ) )والآداب الصناعية قد سقطت تحت وطأة غزو الحقيقة (( البيولوجية ) )... فالحياة لا تعطى إلا إجابة واحدة حينما تستأذن في السماح بارتياد الأرض المحرمة.. هى إضعاف السائل. ولهذا فإن الحضارة آخذة في الانهيار. لأن علوم الجماد قادتنا إلى أرض ليست لنا. فقبلنا هداياها بلا تمييز ولا تبصر. ولقد أصبح الفرد ضيقًا، متخصصًا، فاجرًا، غبيًا، غير قادر على التحكم في نفسه ومؤسساته ( ) .. (ص322) 0
(( يبدو أن الحضارة العصرية عاجزة عن انجاب قوم موهوبين من ناحية الخيال والذكاء والشجاعة. ففى كل بلد يوجد تناقص في المستوى العقلى والأدبى لأولئك المسئولين عن الشئون العامة ) ).. (ص37) 0
(( إننا قلما نشاهد أفرادًا يتبعون مثلًا أخلاقيًا أعلى في تصرفاتهم في المدنية العصرية ) ).. (ص160) 0
(( إن أولئك الذين يستشعرون مجرد الإحساس البدائى بالجمال في عملهم أكثر سعادة من أولئك الذين ينتجون لأن مجرد الإنتاج يمكنهم من الاستهلاك. إن الصناعة - بشكلها الحالى - حرمت العامل من الابتداع والجمال ) )00
(ص162)
(( إن امتناع نمو وجوه النشاط العاطفى والجمالى أو الدينى يخلق أشخاصًا في المرتبة الدنيا ذوى عقول ضعيفة غير سليمة. وبالرغم من أن التعليم العقلى يهيأ الآن لكل فرد، إلا أننا ما زلنا نشاهد أمثال هؤلاء الأشخاص في كل مكان ) )000 (ص168)
(( فأكثر الناس تمدينًا يظهرون شكلًا بدائياص فقط من الشعور. إنهم قادرون على العمل السهل، الذى يؤمن حياة الفرد في المجتمع العصرى. إنهم ينتجون ويستهلكون ويرضون شهواتهم الفسيولوجية. وهم أيضًا يسرون بمشاهدة المباريات الرياضية، والأفلام السينمائية الصبيانية الخشنة، كما يسرون حينما ينتقلون بسرعة من مكان إلى آخر بدون بذل أى جهد، وحينما يتطلعون إلى الأشياء السريعة الحركة. إنهم ناعمون، عاطفيون، شهوانيون، قساة، مجردون من الإحساس الأدبى والدينى والشعور بالجمال ) )000 (ص169)
(( إن عدم التناسق في دنيا الشعور ظاهرة مميزة لعصرنا ) ).. (ص170)
(( في استطاعة التفكير أن يولد أمراضًا عضوية بصفة عامة. ومن ثم فإن عدم استقرار الحياة العصرية، والانفعال الدائم، وانعدام الأمن، تخلق حالات من الشعور تجلب الاضطرابات العصبية والعضوية للمعدة والأمعاء.. كذا نقص التغذية، وتسرب الجراثيم المعوية إلى الدورة الدموية.. والتهاب الكلى وما يصحبه من أمراض الكلى والمثانة إن هى إلا النتائج البعيدة لعدم التوازن العقلى والأدبى .. ومثل هذه الأمراض تكاد تكون غير معروفة في الجماعات التى تحيا حياة بسيطة، وليست على القدر الذى ذكرناه من الانفعال، كما أن القلق فيها غير دائم.. وبالمثل فإن ا لأشخاص الذين يحافظون على سلام ذاتهم الباطنية، وسط ضوضاء المدنية الحديثة محصنون ضد الاضطراب العصبية والعضوية ) )00 (ص177)
(( يجب أن يظل النشاط الفسيولوجى خارج حقل الشعور. إذ أنه لا يلبث أن يصاب بالاضطراب حينما نوليه اهتمامنا. ولذلك فإن (( التحليل النفسى ) )حينما يوجه عقل المريض نحو نفسه، قد يزيد من حالة عدم التوازن. ومن ثم فإنه من الأفضل أن يهرب الإنسان من نفسه يبذل جهد لا يشتت عقله، بدلًا من الاستغراق في تحليل نفسه بالتفكير مثلما يشتتها بالعمل.. ومع ذلك فإنه يجدر به ألا يقنع بتأمل جمال المحيط أو الجبال والسحب، وروائع ما أنتجه الفنانون والشعراء، والمبادئ السامية التى تمخضت عنها عقول الفلاسفة، والعمليات الحسابية التى تعبر عن القوانين الطبيعية.. وإنما يجب عليه أيضًا أن يكون الروح التى تكافح لبلوغ مثل ادبى عال، وتبحث عن النور في ظلمات هذا العالم، وتسير قدمًا في طريق الدين، وتنبذ نفسها لكى تفهم الأساس غير المنظور لهذا العالم. إن توحيد نشاط الشعور يؤدى إلى تناسق أعظم بين الوظائف العضوية والعقلية0
ولهذا ندر أن توجد الأمراض العصبية وأمراض التغذية، والإجرام، والجنون، بين الجماعات التى نما فيها الشعور الأدبى والعقلى في وقت واحد، كما يكون الفرد أكثر سعادة في مثل هذه الجماعات )) (ص177 - 178) 0