فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 2255

ماذا بعد هذه الشهادات الدالة على بشاعة الجريمة، وعلى الخطر الداهم على الإنسانية )) ؟ على وجودها ذاته بالميل إلى الانقراض في الدول التى بلغت قمة الحضارة؟ وعلى خصائصها الثمينة بالميل إلى الجنون والأمراض العصبية والنفسية والشذوذ والإجرام، وهبوط مستوى الذكاء، وضعف العقل والاحتمال الجسدى والعصبى والنفسى في هذه الدول.. إلى آخر قائمة الاتهام الرهيبة؟!

ترى نصدر حكمنا بالإعدام؟ وهو الحكم الذى يبدو متكافئًا مع ظروف الجريمة ؟!

إن الدكتور (( كاريل ) )يقول: إنه كتب هذا: (( الإنسان ذلك المجهول ) ).. (( لأولئك الذين يجدون في أنفسهم شجاعة كافية ليدركوا ليس فقط ضرورة إحداث تغييرات عقلية وسياسية واجتماعية بل أيضًا ضرورة قلب الحضارة الصناعية وظهور فكرة أخرى للتقدم البشرى ) )..

وسنعرف فيما بعد ما هى الفكرة الأخرى التى يقترحها ..

أما نحن فسنبادر بالقول بأن حكم (( الإعدام ) )لهذه الحضارة، ليس هو أنسب الحلول التى تملها البشرية 00

إننا أولًا لا نملك إصدار حكم بالإعدام على الحضارة الصناعية. فهى نتاج طبيعى، له مكانة في تاريخ الحياة البشرية، ولم يهبط عليها من عالم آخر، ولا جاء مصادفة، ولا نبت سدى .. ومن ثم فهذه الحضارة عميقة الجذور، أصيلة الوجود، وجدت لتلبية حاجة طبيعية للبشرية في موعدها التاريخى المناسب كذلك.. ومن ثم لا تكون قابلة للإعدام، لو اخترنا أن نصدر عليها هذا الحكم، فظاعة الجرائم التى ارتكبتها في حق الإنسان!!!

وعلى فرض أننا نملك تنفيذ حكم كهذا.. أو على فرض أن (( تتارًا ) )جددًا قد انبعثوا في هذه الأرض يحطمون حضارتها - كما حطموا حضارة بغداد - ويلقون بكتب هذه الحضارة في أنهار الرين والراين والسين والتيمس والبوتوموك.. أو أن حفنة من مجانين البشر الذين يملكون القنبلة الذرية والقنبلة الايدروجينية والصواريخ وما إليها، قد أصابتهم (النوبة) ! في لحظة فأطلقوا الدمار على مراكز هذه الحضارة 0

على أى فرض من هذه الفروض، فإن تحطيم هذه الحضارة - على هذا النحو - يبدو لنا - من خلال نظرتنا البشرية المحدودة ، التى لا تعلم حقيقة الخير والشر، ولا تعرف عن مآلات الأفعال - أنه ليس في صالح البشرية .. وفى حدود هذه النظرة لا نملك أن نصدر حكم الإعدام على هذه الحضارة على الرغم من جرائمها البشعة ضد العنصر الإنسانى !

إذن …….. كيف الخلاص ؟

الدكتور ألكسيس كاريل يرى أن طريق الخلاص هو:

(( مزيد من علوم الإنسان. يمكننا من إعادة إنشاء الإنسان ) ).

(( يجب أن يكون (( الإنسان ) )مقياسًا لكل شىء .. ولكن الواقع هو عكس ذلك. فهو غريب في العالم الذى ابتدعه.. إنه لم يستطع أن ينظم دجنياه بنفسه، لأنه لا يمكل معرفة عملية بطبيعته. ومن ثم فإن التقدم الذى أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة، هو إحدى الكوارث التى عانت منها الإنسانية.. فالبيئة التى ولدتها عقولنا واختراعاتنا غير صالحة لا بالنسبة لقوامنا ولا بالنسبة لهيئتنا.. إنا قوم تعساء ، لأننا ننحط أخلاقيًا وعقليًا .. إن الجماعات والأمم التى بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم هى على وجه الدقة، الجماعات والأمم الآخذة في الضعف، والتى ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية أسرع من عودة غيرها إليها.. ولكنها لا تدرك ذلمك. إذ ليس ما يحميها من الظروف التى شيدها العلم حولها .. وحقيقة الأمر أن مدنيتنا، مثل المدنيات التى سبقتها، أوجدت أحوالًا معينة للحياة، من شأنها أن تجعل الحياة نفسها مستحيلة، وذلك لأسباب لا تزال غامضة..إن القلق والهموم التى يعانى منها سكان المدن العصرية تتولد عن نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. إننا ضحايا تأخر علوم الحياة عن علوم الجماد 0

(( إن العلاج الوحيد الممكن لهذا الشر المستطير هو: معرفة أكثر عمقًا بأنفسنا .. فمثل هذه المعرفة ستمكننا من أن نفهم ما هى العمليات الميكانيكية التى تؤثر بالحياة العصرية على وجداننا وجسمنا .. وهكذا سوف نتعلم كيف نكيف أنفسنا بالنسبة للظروف المحيطة بنا، وكيف نغيرها، إذ لم يعد هناك مفر من إحداث ثورة فيها.. ولئن استطاع هذا العلم أن يلقى ضوءًا على طبيعتنا الحقه، وإمكانياتنا، والطريقة التى تمكننا من تحقيق هذه الإمكانيات، فإنه سيمدنا بالإيضاح الصحيح لما يطرأ علينا من ضعف فسيولوجى، كذا لأمراضنا الأدبية والعقلية.. إننا لا نملك وسيلة أخرى لمعرفة القواعد - التى لا تلين - لوجوه نشاطنا العضوى والروحى، وتمييز ما هو محرم مما هو شرعى، وإدراك أننا لسنا أحرارًا لنعدل في بيئتنا وفى أنفسنا تبعًا لأهوائنا.. وما دامت الأحوال الطبيعية للحياة قد حطمتها المدنية العصرية، فقد أصبح علم الإنسان أكثر العلوم ضرورة ) )00 (ص43 - 45 )

ونحن نهتف مع الدكتور كاريل: (( مزيدًا من علوم الإنسان ) ).. ولكننا لا نرى - معه - أن هذا - وحده - يكفى. ولا نثق مثله هذه الثقة المطلقة في ما قد نصل إليه من المزيد في علوم الإنسان. ولا تقف - مثله - يائسين من (( وسيلة أخرى لمعرفة القواعد التى لا تلين لوجوه نشاطنا العضوى والروحى، وتمييز ما هو محرم، مما هو شرعى، وإدراك أننا لسنا أحرارًا لنعدل في بيئتنا وفى أنفسنا تبعًا لأهوائننا ) )0

إن المزيد من علوم الإنسان ضرورى لنا.. لنعرف منه - على الأقل - أقصى الإمكانيات التى في طوقنا ، طوق العلم، أن نبلغها من المعرفة (( بالإنسان ) ),. ونقف على حدود المجهول الذى لا حيلة لنا وراءه. فهذه المعرفة ضرورية لنحدد - على ضوئها - ما الذى نملك وما الذى لا نملك من التصرف في شأن (( الإنسان ) )لعلنا نلتزم حدودنا ولا نتعداها، ولا نخبط وراءها في التيه بلا دليل، كما فعلنا حتى اليوم، بلا مبالاة 0

والدكتور كاريل كان قد سبق فقرر لنا أن هناك أسبابًا لتخلف علوم الحياة عن علوم الجماد - ليست طارئة ولا وقتية - إنما هى ثابتة وطبيعية .. أسبابًا ترجع إلى تعقد الحياة من جهة، وإلى طبيعة عقلنا من جهة أخرى. ومن ثم قررن لنا أن علوم الحياة لن تبلغ - في يوم من الأيام - ما بلغته علوم الجماد من الدقة والجمال .. وبالضبط قال لنا بألفاظه:

(( إن معرفة أنفسنا لن تصل أبدًا إلى تلك المرتبة من البساطة المعبرة، والتجرد، والجمال التى بلغها علم المادة. إذ ليس من المحتمل أن تختلفى العناصر التى أخرت تقدم علم الإنسان ) )000 (ص23)

فمن العجيب - بعد ذلك - أن يجعل اعتماده كله، في حل مشكلة الحضارة، وإعاد إنشاء الإنسان، على (( مزيد من علوم الإنسان ) )0

ولكنا لكى نزيل هذا العجب، يجب أن نواجه مشكلة دكتور كاريل نفسه. فإن مواجهتها تفيدنا في تعيين الجهة التى يمكن أن يأتى منها الخلاص الحقيقى، والاتجاه الواحد الميسور للخلاص00

إن هذا الرجل الواسع المعرفة، العميق الحساسية، الشديد الإخلاص، المتحرر المفكر، الثائر على الحضارة الصناعية، حتى ليرى أن ليس هناك ما هو أقل من (( قلب الحضارة الصناعية وظهور فكرة أخرى للتقدم البشرى ) ).

إن هذا الرجل - على كل هذه الفضائل والخصائص فيه - رجل (( غربى ) )نشأ في البيئة الغربية، بكل ملابسات تاريخها القديم وحاضرها الراهن. كما أنه نشأ في ظل هذه الحضارة، وفى بيئة (( العلم ) )الذى هو طابعها الظاهر ..

وبسبب كل هذه الملابسات فهو …. سجين هذه الحضارة .. سجين بيئتها وتاريخها وملابسات حياتها.. سجين الانطباعات والرواسب العميقة العنيفة في هذه البيئة 0

ومن ثم لا يملك - حين يثب الوثبة الكبرى - أن يخرج من إطارها ..

ونزيد هذه الحقيقة العجيبة إيضاحًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت