آخر تطورات النظام الإداري في أمريكا هو اللامركزية الكاملة . فالقرية وحدة اقتصادية وسياسية واجتماعية مستقلة ، في حدود ترابطها بالمدينة وبالولاية ، ثم بالحكومة المركزية للولايات المتحدة . وفي هذه الوحدة المستقلة تجبى الضرائب التي يفرضها المجلس القروي بنسب معينة . ثم تنفق في ذات القرية ، في شئون تعليمها وصحتها ووسائل مواصلاتها وخدماتها الاجتماعية .. الخ . فإذا فضلت منها فضلة أرسلتها"الحكومة"المدينة أو الولاية . أما إذا احتاجت فهي تستمد من هناك . وهو نظام جميل في ذاته لأنه يوزع العمل ولا يثقل به كاهل الحكومة المركزية التي لا يمكن أن تعرف حاجات الوحدات الصغيرة أو تقوم بها ، كما يعرفها ويقوم بها أهلها المحليون .
والمثقفون هنا يهللون لهذا النظام ويكبرون ..
والإسلام المتأخر قد اهتدى إلى هذا النظام قبل ألف وثلثمائة عام .
فجعل جباية الضرائب محلية ، وجعل صرفها محليًا كذلك ، فإذا فضلت منها فضلة أرسلت إلى بيت المال العام ، وإذا قصرت أخذ لها من بيت المال .
هذا هو المبدأ الذي قرره الإسلام لحسن توزيع العمل وإقامة اللامركزية في نظام الحكم. وهو الذي يندد المثقفون لأنه تأخر وانحطاط !
أما طريقة توزيع الزكاة فقد أسلفنا الحديث عنها . وقلنا إنه ليس في الإسلام ما يحتم صرفها نقدًا وعينًا فحسب ، وليس ما يمنع من توزيعها في صورة مدارس ومستشفيات وخدمات اجتماعية ، بالإضافة إلى الإنفاق المباشر على العاجزين عن العمل بسبب الضعف والشيخوخة والطفولة .. إلخ .
فإذا طبقنا الإسلام في المجتمع الحاضر ، فلن نصنع أكثر من إقامة وحدات صغيرة تقوم بشئون نفسها في حدود ارتباطها بمراكزها الإقليمية ، وبالدولة ، وبالعالم الإسلامي ، وبالعالم الواسع كله في نهاية المطاف . ونكون بذلك تقدميين سابقين في التطور لكل أمم الأرض التي تعجب المثقفين .
أما الخمر والميسر والاختلاط بين الجنسين فحقيقة يحرمها الإسلام ، ويصر على تحريمها مهما ندد به التقدميون والتقدميات !
والجدل في أمرها قد يطول . ولكنا نأخذ المسألة من أقرب طريق . ويكفي من أمر الخمر أن تقوم في فرنسا الداعراة التي لا تفيق .. امرأة - نائبة في البرلمان - تطالب بتحريم الخمر ! ! يكفي ذلك للرد على المخمورين والمخمورات في عصر المدنية الحديثة !
ولست أجد في نفسي في الواقع احترامًا للخمر . ولكني أعلم أنها انعكاس مجتمع مريض في نفس فرد مريض . فالمجتمع الذي تشتد فيه فوارق الطبقات فتعيش طبقة في الترف الفاجر الذي يبلد الحس فيحتاج إلى منشطات صناعية .. وطبقة في الحرمان الكافر الذي يحتاج إلى"مغيبات"يهرب بها الإنسان من الواقع السيئ الذي يعيش فيه . والمجتمع الذي يسوده الإرهاب والحجز على الآراء والأفكار . والمجتمع الذي يحجر مشاعره الصراع على لقمة العيش ، أو يضفي عليه الكآبة طنين الآلات المزعج المكرر الوتيرة ، والجلسة الطويلة المملة على المكاتب وراء الجدران ..
هذا المجتمع يلجأ للخمر وغيرها من المخدرات ، ليخلق لنفسه في الأحلام عالمًا آخر خاليًا من الشقاء .
ولكن هذا كله لا يبرر وجودها .
إن وجودها دليل على المرض ، وداع إلى إزالة أسبابه . وحين حرَّم الإسلام الخمر لم يسقط من حسابه"المبررات"التي تدفع إليها ، بل عمل على إزالة هذه المبررات أولًا ، ثم جاء التحريم بعد ذلك . فلتتعلم المدنية الحديثة من الإسلام كيف يعالج أمراض النفوس بالتنظيم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والفكري والروحي والجسدي .. قبل أن تفتح فمها بانتقاد الإسلام .
والميسر لا يرضى عنه أحد إلا الفارغون والفارغات من التافهين . فلا يحتاج منها إلى إطالة الحديث .
أما الذي يثور بشأنه الجدل فهو مسألة الاختلاط .
إلى متى سنظل متأخرين ؟ إلى متى سنقف في سبيل المدنية والتقدم ؟ !"يا سلام"على مدنية فرنسا ؟ هناك يقف العاشقان في الطريق العام متعانقين متشابكين ، مستغرقين في قبلة عميقة لذيذة ، فلا يكدر صفوهما الأنطاع من دعاة الفضيلة ، ويقف رجل البوليس يحميهما من حركة المرور أن تزعجهما قبل الانتهاء من هذا"البوز"الفني الجميل . والويل كل الويل لمن ينظر إليهما نظرة استنكار ، فإنه يبوء وحده بالازدراء والاحتقار !
"ويا سلام"على مدنية أمريكا ! القوم هناك صرحاء مع أنفسهم ، لا يدورون ولا ينافقون . عرفوا أن الجنس ضرورة بيولوجية فاعترفوا بالضرورة ، ويسروا سبلها ، ومنحوها رعاية المجتمع واهتمامه . فلكل فتى صديقة ولكل فتاة صديق ، يخرجان معًا ويدخلان معًا ، ويتنزهان معًا نزهات خلوية يقضيان فيها الضرورة ، ويتخلصان من ثقلها على الجسم والنفس والأعصاب . فينطلقان في الغداة نشيطين مقبلين على عملهما بالبشر والانشراح ، فينتجان ، وينجحان ، وتتقدم الأمة كلها إلى الأمام .
نعم !
وفرنسا هي التي خرَّت راكعة ذليلة عند أول ضربة وجهها إليها الألمان . لا لنقص معداتها واستعدادها الحربي فقط ، ولكن لأنها أمة لا كرامة لها تذود عنها . أمة غرقت في الشهوات الهابطة ، واستغرقها المتاع الحسي ، فخافت على عمائر باريس الفاخرة ومراقصها الفاجرة أن تحطمها القنابل ويدمرها القتال . فهل هذا هو الذي يدعونا إليه المثقفون ؟ أم أنهم قوم مخدوعون ، لا يفقهون ما يقولون ؟
وأمريكا التي تخايل للمستغفلين في الشرق ..
أُجري إحصاء في إحدى المدن هناك فظهر أن 38% من فتيات المدارس الثانوية حبالى! وتقل النسبة بين طالبات الجامعة لأنهن أكثر تجربة وأخبر باستخدام موانع الحمل !
فهل هذا ما يدعو إليه المثقفون ؟ أم إنهم مخدوعون ، يقولون ما لا يفقهون ؟
إن التخلص من ثقلة الجنس على الأعصاب هدف صحيح ، والإسلام يوليه أكبر عنايته ، لأنه يعلم - قبل أن يكتشف الأمريكان ذلك - أن اشتغال المحرومين بمسائل الجنس يعطلهم عن قدر من الإنتاج ، ويحبسهم في ميدان الضرورة فلا يرتفعون إلا ريثما يعودون فيهبطون . ولكن الهدف الصحيح ينبغي أن تتخذ له الوسائل الصحيحة . وتلويث المجتمع كله ، وإطلاق فتيانه وفتياته كالبهائم ينزو بعضهم على بعض ليس هو الطريق الصحيح . فإذا كان الإنتاج الأمريكي الضخم ناتجًا - كما يفهم المغفلون - من هذه الفوضى الجنسية ، فليعلموا أولًا أنه إنتاج مادي بحت ، يمكن أن يغني فيه الإنسان الآلي عما قريب عن الإنسان الحي . أما في عالم الأفكار والمبادئ فأمريكا هي التي تسترق الزنوج أبشع استرقاق عرفته البشرية في تاريخها الحديث ، وهي التي تؤيد كل قضية استعمار على ظهر الأرض . ولا يمكن الفصل بين الهبوط النفسي المتمثل في حيوانية الغريزة ، والهبوط النفسي المتمثل في الاسترقاق والاستعمار ، فكلاهما انحدار لا يمكن أن يلجأ إليه"المتحضرون".
أما البهجة التي تشمل المجتمع حين تخرج إليه المرأة متبرجة خفيفة رشيقة ترف من حولها الأشواق وتهفو إليها الأنظار والقلوب … هذه البهجة حقيقة واقعة دون شك . فالصحاف المختلفة من الطعام أشهى بلا ريب من اللون الواحد المكرور .