وبينما كانت صناعة الورق تقتصر في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، على بلاد ما وراء النهر فقط، انتشرت مصانع الورق في القرن الرابع، بفضل التطوير والتحسين الذي قام به المسلمون في كلٍ من: دمشق، وطبرية، وطرابلس الشام، وبلغت جودة الكاغد في القرن السادس الهجري بمدينة شاطبة بالأندلس مرحلة لم يكن لها نظير بمعمور الأرض؛ فضلًا عن ذلك؛ فقد عم المشارق والمغارب.
هذا، وانتقلت صناعة الورق الراقية من العالم الإسلامي إلى أوروبا إثر الحروب الصليبية؛ فقد تعلمها أسير صليبي عند المسلمين ونقلها إلى فرنسا ومنها انتقلت إلى أنحاء أوروبا.
ولسائل أن يسأل: لقد كان التراث الإسلامي الضخم في العلوم الكونية والطب نتيجة جهود أعداد غفيرة من العاملين في هذه المجالات. ومنهم: البر والفاجر، والمؤمن والكافر، ومنهم: المسلم واليهودي، والنصراني والمجوسي، فما الذي يجعله تراثًا إسلاميًاَ؟
أَجَلْ، إن هذا ما كان فعلًا؛ غير أن الحقيقة التي لا مراء فيها أنه لو لم يكن - في ذلك العهد - للإسلام سلطانه على الحياة العامة، ولو لم يبسط الإسلام سماحته على الناس جميعًا، ولو لم يهيئ المناخ الخصب للإبداع والابتكار لكل من عاش في ظل سلطانه... لولا ذلك لما تمكن هؤلاء وهؤلاء من أن ينجزوا ما أنجزوا.. دعك من فرار النساطرة والمفكرين من مدرسة الرها، ومن المدرسة الأفلاطونية في أثينا، ومن مدرسة الإسكندرية التي أغلقها جستنيان. دعك من هؤلاء جميعًا؛ فإن فرارهم من ملاحقة السلطان الروماني والكنيسة كان قبل ظهور الإسلام بأكثر من قرن... لكن ما بال حوادث البطش والتنكيل والقتل والحرق التي كانت شريعةَ الكنيسةِ إزاء العلماء والمفكرين إبان القرون الوسطى الأوروبية؟ أي إبان كانت سُرُجُ العلماء والمصنفين والمفكرين في البلاد التي حكمها الإسلام لا تنطفئ في طول البلاد وعرضها.
فقد روى لنا التاريخ الذي كتبه الأوروبيون أنفسهم أن عدد الذين أُحرقوا وهم أحياء في أوروبا وحدها، خلال ثمانية عشر عامًا، وذلك ما بين عام 886 هـ =1481م وعام 905 هـ =1499م، بلغ عشرة آلاف ومائتين وعشرين شخصًا، وشُنق خلال المدة نفسها ستة آلاف وثمانمائة وستون فردًا، وكان من بين من أعدم ثم أحرقت جثته العالم الفيزيائي (برونو) ، بتهمة أنه يؤمن بتعداد العوالم! ولا تخفى على أحد قصة العالم الفيزيائي (غاليليو) ؛ فقد حكم عليه بالإعدام بتهمة أنه يؤمن بدوران الأرض حول الشمس، ولم يَحُلْ دون التنفيذ إلا تظاهره بالتراجع أو النزول على رأي الكنيسة، أما العالم (دي رومنس) فقد أُودع السجن حتى وافاه الأجل فيه، ثم أُخذت جثته وكُتُبه وحوكمتا، وصدر عليهما الحكم بالحرق؛ ذلك لأنه صرّح بأن قوس المطر ليست قوسًا حربية بيد الله ينتقم بها من عباده إذا أراد، بل هي نتيجة انعكاس ضوء الشمس على بخار الماء في الهواء.
والطريف أن ابن الهيثم، قبل دي رومنس بمئات السنين، لم يصرح بما صرح به دي رومنس بخصوص قوس المطر فحسب، بل كتب رسالة بعنوان: (قوس قزح والهالة) لا تزال تُقرأ حتى يومنا هذا، ولم ينل ابن الهيثم أذى، بل استحق الإكبار والإعجاب.
والحق أن الإسلام الذي جاء لتحرير الإنسان من الجهل والضلال ونقله إلى العلم والهدى لأسمى من أن يُهين الإنسان، وكتاب الإسلام الأعظم يقول:
(( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) ) [الإسراء: 70] .
(1) الثقافة العربية في رعاية الشرق الأوسط، جورج سارطون، ترجمة عمر فروخ، ط 1، بيروت 1372هـ 1952م، منشورات مكتبة المعارف، ص 51.
(2) أثر العرب في الحضارة الأوروبية، جلال مظهر، دار الرائد، بيروت، ط 1، 1967م، ص 271.
(3) حضارة العرب، غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 3، 1399هـ 1979م، ص 594 - 595.
(4) تاريخ الحكماء، جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي، مكتبة المثنى ببغداد، ص 188.
(5) عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ابن أبي أصيبعة، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1965م، ص 224 - 225.
(6) الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، ضياء الدين عبد الله بن أحمد الأندلسي المالقي المعروف بابن البيطار، مكتبة المثنى، بغداد، ج 1، ص3.
(7) عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ابن أبي أصيبعة، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1965م، ص 703.
(8) الإشارات والتنبيهات، لأبي علي بن سينا، ذخائر العرب 22، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف بمصر، 1958م، القسمان 3، 4، ص 602.
(9) المعتبر في الحكمة، هبة الله بن ملكا البغدادي، حيدر آباد الدكن، جمعية دائرة المعارف العثمانية، 1357 - 1358هـ، ص 85.
(10) تراث العرب في الميكانيكا، جلال شوقي، عالم الكتب، القاهرة، 1973م، ص 72 - 73.
(11) المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات، محمد بن عمر بن الحسين الرازي المشهور بفخر الدين الرازي، حيدر آباد الدكن، مطبعة دائرة المعارف النظامية، 1343 هـ، ص 232.
(12) المعتبر في الحكمة، هبة الله بن ملكا البغدادي، حيدر آباد الدكن، جمعية دائرة المعارف العثمانية، 1357 - 1358هـ، ص 49.
(13) شرح الإشارات والتنبيهات (المصدر العاشر) للإمام الرازي (الفصل السادس من النمط الثاني) .
(14) رحلة ابن جبير، دار التراث، بيروت، 1388هـ - 1968م، ص 218 - 219.
(15) تراث الإسلام، سير توماس أرنولد، دار الطليعة، ط 2، 1972م، ترجمة جرجيس فتح الله.
(16) أعلام العرب 85، الحسن بن الهيثم، تأليف أحمد سعيد الدمرداش، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1969م، ص 133.
(17) حضارة العرب، غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط3، 1399هـ - 1979م، ص 573.
(18) مفاتيح العلوم، محمد بن أحمد بن يوسف الكاتب الخوارزمي (ت 387 هـ - 997م) ، مطبعة الشرق، القاهرة، 1342هـ، ص 149.
(19) حضارة العرب، غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط3، 1399هـ - 1979م، ص 573.
(21) كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، مكتبة المثنى، بغداد، 1864م، تحقيق أ. ف. مهران A.F.Meh صلى الله عليه وسلم en، ص 196 ـ 198.
(22) حضارة العرب، غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط3، 1399 هـ = 1979م، ص 578، انظر كذلك Sa صلى الله عليه وسلم ton: Into صلى الله عليه وسلم duction to the Histo صلى الله عليه وسلم y of Science, Vol. II, P.II ص 767، ص 1040 حيث ذكر أن حسن الرماح السوري كتب في الثلث الأخير من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) كتابًا في الناريات Py صلى الله عليه وسلم otechnics (يوجد منه نسختان عربيتان فقط، في باريس) ، ربما كان المصدر الذي أخذ عنه الأوروبيون.
(23) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري أو عصر النهضة في الإسلام، آدم متز، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريده، م2، ص 365، وما بعدها، ط 4، 1387 هـ - 1967م، بيروت. وانظر أيضًا:
(24) حضارة العرب، غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 3، 1399هـ - 1979م، ص 580، انظر كذلك\