وينص القانون الثالث: أن لكل فعل رد فعل مساويًا له في المقدار، ومضادًا له في الاتجاه، وهذا ما يُفهم من قول فخر الدين الرازي (ت 606هـ =1210م) في معرض شرحه لكتاب (الإشارات والتنبيهات) لابن سينا: (فالحبل الذي يجذبه جاذبان متساويا القوة إلى جهتين مختلفتين لا يخلو إما أن يقال: إنه ما فعل واحد منهما فعلًا، وهو محال؛ لأن الذي يمنع كل واحد عن فعله هو وجود فعل الآخر، فلو لم يصدر من كل واحد من القادرين شيء لكان الفعل متعذرًا على القادر من غير مانع؛ وإنه محال، أو يقال: فعل أحدهما دون الآخر، وهو أيضًا محال؛ لأن القادرين لمّا كانا متساويين، لم يكن الحكم بوجود مقدور أحدهما أوْلى من الثاني(10) .
هذا وقد درس المسلمون الحركة في الماء وفي الهواء وفي الخلاء، واستنبطوا (أن الجسم إذا تحرك في مسافة فكلما كان الجسم الذي في المسافة أرق(أقل لزوجة) كانت الحركة فيه أسرع، وكلما كان أغلظ (لزجًا أكثر) كانت الحركة فيه أبطأ) (11) .
أو بعبارة أفصح وأوضح: (لو تحركت الأجسام في الخلاء لتساوت حركة الثقيل والخفيف والكبير والصغير) (12) ، وهذا ما توصل إليه الفيزيائيون من واقع التجربة، وبهذا بطل الرأي الذي خلفه اليونان وساد في أوروبا طويلًا ومفاده: أن سرعة الجسم الساقط تزداد بازدياد وزنه.
وللمسلمين باع طويل في موضوع الجاذبية الأرضية وتجاذب الأجسام بعضها من بعض، وفي هذا نقتبس النص الآتي: (المدرة تعود إلى السفل؛ لأن بينها وبين كلية الأرض مشابهة في الأعراض: البرودة واليبوسة والكثافة، والشيء ينجذب إلى مثله، والأصغر ينجذب إلى الأعظم) (13) .
وقد ابتكر المسلمون الساعة المائية، والساعات ذات الأثقال التي تفننوا في تركيبها حتى غدت أعجوبة من الأعاجيب، منها ساعة الجامع الأموي الشهيرة التي وصفها ابن جبير في رحلته (14) ، وقد بقي ذكرها يرن طوال أربعة قرون.
إلا أن أَجَلّ ابتكار عمله المسلمون في مجال الفيزياء كان في علم البصريات الذي طوره ابن الهيثم أبو علي الحسن البصري (429هـ = 1038م) ، وأبدع فيه حتى أوصله إلى الأوج، وهذا ما دفع المستشرق (مايرهوف) أن يصرح، وقد بهرته بحوث ابن الهيثم في الضوء وأثارت إعجابه قائلًا: (إن عظمة الابتكار الإسلامي تتجلى لنا في البصريات) (15) .
وقد ثبت بالتحري والتدقيق أن (روجر بايكون) (ت 692هـ = 1292م) وفيتلو (ت 669 هـ =1270م) ، ومن بعدهما ليوناردو دافنشي (ت 917هـ =1519م) ثم كبلر (ت 1040هـ =1630م) الذي كان يعمل على أثر فيتلو، والذي تنسب إليه القوانين الثلاثة في حركات الأجسام السماوية، ثبت أنهم جميعًا استفادوا كثيرًا من كتاب ابن الهيثم: (المناظر) .
وإلى ابن الهيثم ترجع الحقيقة التي يدرسها طلابنا في المدارس والجامعات وهى أن زاويتي سقوط الضوء وانعكاسه (وهما متساويتان) تقعان في مستوى واحد، وهو أول من نقض رأي إقليدس وبطليموس (16) حين قال: إن شعاع النور يأتي من الجسم المرئي إلى العين وليس العكس، وهو أول من صرح بأن الضوء لا ينتشر إلا في زمان، وإن كان (هذا الزمان) خفيًا على الحس؛ أي أن للضوء سرعة معينة ينتشر فيها.
ولا تقلّ إنجازات المسلمين في الكيمياء عنها في الفيزياء؛ فهم الذين جعلوه علمًا يقوم على أسس مدروسة، وذلك بعد طول معاناة وطول بحث أكسبهم خبرة ومرانًا في اكتشاف مواد جديدة مثل اكتشاف حمض الكبريت (17) ، وكانوا يسمونه: (الزاج الأخضر) . ومعلوم لدى الكيميائيين في الوقت الحاضر أن تقدم الأمم صناعيًا كان يقاس إلى وقت قريب بمقدار ما تستهلك من حمض الكبريت، حتى سُمّي: (خبز الصناعة) . واكتشفوا حمض الآزوت (النيتروجين) وكانوا يسمونه: (ماء الفضة) أو (الماء الناري) ؛ لأنه يفصل الفضة عن الذهب. وتوصل المسلمون إلى أن المواد إذا تفاعلت فبنسب وأوزان: (الزنجفر يتخذ من الزئبق والكبريت. يجمعان في قوارير ويوقد عليها فيصير زنجفرًا، وللنار قدر تخرجه التجربة مرة بعد أخرى، والوزن أن تأخذ واحدًا من زئبق وواحدًا من كبريت) (18) .
وهذا مفاد القانون الذي ينسب إلى بروست (ت 1242هـ = 1826م) ، وقد تُوفي بعد الخوارزمي بأكثر من تسعة قرون.
بل إن القانون الذي ينسب إلى لافوازيه (ت 1209هـ = 1974م) وإلى بريستلي (ت1219هـ =1804م) باسم: (مصونية المادة) ، مأخوذ على ما يبدو من كتاب (رتبة الحكيم) لمسلمة بن أحمد المجريطي (ت 398 هـ = 1007م) ، وهذا ما حدا بغوستاف لوبون أن يقول: (قال بعض المؤلفين: إن لافوازيه هو واضع علم الكيمياء، فنسوا أننا لا عهد لنا بعلم من العلوم - ومنها الكيمياء - وكأنما صار ابتداعه دفعة واحدة، ومن المعلوم أنه كان عند العرب من المختبرات ما وصلوا به إلى اكتشافات لولاها لما استطاع لافوازيه أن ينتهي إلى اكتشافه) (19) .
بل إن روسكا الكيميائي الشهير وفيدمان الفيزيائي الكبير يربطان تطور الكيمياء في بلاد الغرب بالكتب العربية التي تُرجمت إلى اللاتينية، وبخاصة كتب الرازي (ت 313 هـ = 925 م) وجابر بن حيان (ت 200 هـ =815 م) ، ويؤكد روسكا: (أن الفضل في تحويل السيمياء(وما تتضمنه من خزعبلات) إلى شكل من أشكال العلوم المحضة - إن هذا الفضل يعود إلى الرازي، فكُتُبُه هي التي دفعت السيميائيين في بلاد الغرب أن يسلكوا الطريق الصحيح، وكانت سببًا في تطور الكيمياء التطور المطّرد (20) .
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى أن المسلمين استثمروا خبراتهم في الكيمياء في استخراج الذهب من التبر، وأنهم اكتسبوا خبرة في التدابير الكيميائية كالتقطير والتصعيد والتحليل والتشويه والتشميع... إلى آخر هذه الأعمال التجريبية، وقد أفادتهم خبرتهم هذه في استخلاص العطور من أوراق الورد والنرجس والياسمين والزنبق وأزهار النارنج... وغيرها (21) .
وأخيرًا: لا يحسن أن يُختم موضوع الكيمياء عند المسلمين دون التعريج على اكتشافين عظيمين أنجزهما المسلمون، وكان لهما دور خطير جدًا في حياة الإنسان وتقدّم العلوم وتطورها المذهل بجميع فروعها.
أما الاكتشاف الأول فهو: اختراع البارود الذي عُزي في أول الأمر إلى روجر بايكون، وثبت فيما بعد - نتيجة البحث والدراسة التي قام بها مسيو رينوا ومسيو فافيه: (أن الصينيين هم الذين اكتشفوا ملح البارود واستعملوه في النار الصناعية.. وأن العرب هم الذين استخرجوا قوة البارود الدافعة، أي أن العرب هم الذين اخترعوا الأسلحة النارية) (22) .
وأما الاكتشاف الخطير الآخر فهو: التطور الهائل الذي أصاب اختراع الورق (23) ، فلقد أحدث القرنان الثالث والرابع الهجريان انقلابًا عظيمًا في صناعة الورق، محررًا مادة الكتابة من احتكار بلد من البلاد له، واستئثارها به، وصيره رخيصًا جدًا. وكان الناس - طوال استعمالهم للبردي - يعتمدون على مصر. أما في النصف الأول من القرن الرابع الهجري - العاشر الميلادي، فقد عطلت كواغيدُ سمرقند - كما يذكر الثعالبي - قراطيسَ مصر، والجلودَ التي كان الأوائل يكتبون عليها؛ لأنها أحسن وأنعم وأرفق وأوفق، ولا تكون إلا بسمرقند والصين. وكان أجود الورق آنذاك هو الكاغد الذي نقلت صناعته من الصين وناله على أيدي المسلمين تطوير مهم، فكان حدثًا عظيمًا في تاريخ العالم؛ فلقد كان الأوروبيون يكتبون على الرقوق، وكان غلاء أسعارها مانعًا من توافر المخطوطات فيها، ونشأ عن ندرتها أن تعوّد الرهبان حَكّ كتب كبار المؤلفين من اليونان والرومان ليستبدلوا بها مواعظهم الدينية (24) .