فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 2255

إن أول ما يتبادر إلى الذهن أن كلمة الاستشراق مشتقة من كلمة شرق ، وقد أضيف إليها الألف والسين والتاء لتعني طلب الشيء فيصبح المعنى: طلب لغات الشرق وعلومه وأديانه. أو التعرف إلى العالم الشرقي من خلال الدراسات اللغوية والدينية والتاريخية والاجتماعية وغيرها. وهذا المعنى صحيح إلى حد كبير لولا أن أحد الأساتذة الكرام بحث في أصل الكلمة في معاجم اللغات الأوروبية وهي O صلى الله عليه وسلم ientalism فوجد أنها لا تعني الشرق الفلكي أو الجغرافي كما يقولون ولكن لها أصول أخرى تعني التعلم والمعرفة والتنوير ، وأن الشرق الذي تبدأ منه الشمس حركتها إنما هو منبع الرسالات السماوية ولذلك كان على الغرب أن يسعى إلى العلم والمعرفة والنور. ولدينا دليل آخر على أن الاستشراق آت من كلمة التعلم والتفهيم والتدريب أن السنة الأولى في الجامعات أو الأسابيع الأولى للموظف الجديد في وظيفته تسمى تدريب أو تعليم (O صلى الله عليه وسلم ientation) .

ومن أبرز من تناولوا نقد الاستشراق في العصر الحاضر بأسلوب علمي ومنهجية صارمة الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله الذي قام بعدد من الرحلات الميدانية لمعاقل الاستشراق وأقام حوارات مع الباحثين الغربيين ، ولكن جهود السباعي لم تجد من يواصلها حتى ظهر كتاب البروفيسور إدوارد سعيد الاستشراق الذي صدر باللغة الإنجليزية عام 1978وترجم إلى عشرات اللغات وقد قصد سعيد في هذا الكتاب إلى تطبيق نظرية ميشال فوكو عن العلاقة بين العلم والسلطة وأكد أن الاستشراق نظام معرفي غربي يسعى إلى السيطرة والهيمنة ، وان الغرب خلق الشرق الذي يريد ويتصور ولم يبحث في الشرق حقيقة. ولم يسع سعيد إلى تقديم دراسة تاريخية عن هذا العلم ولكنه اختار نماذج من الاستشراق الإنجليزي والفرنسي تؤكد هذه النظرية. ومع ذلك فلا يمكن أن نخضع الاستشراق كله لهذه النظرية بالرغم من وجاهة البحث الذي قدمه سعيد.

ولعل ما قامت به جامعة الإمام من إنشاء وَحدة الاستشراق والتنصير في عمادة البحث العلمي بالرياض كان نواة لإنشاء قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة عام 1403 (1983م) وبدأ هذا القسم بدراسة الاستشراق من خلال التخصصات المختلفة:الدراسات العقدية والدراسات اللغوية والدراسات الفقهية ومراكز الاستشراق والتنصير وغير ذلك من التخصصات وقد أنجزت العشرات من البحوث التكميلية وعدد من رسائل الدكتوراه في هذا المجال. ويعد هذا القسم الوحيد في العالم الإسلامي الذي يدرس الاستشراق دراسة علمية منهجية. ويرجى أن تقوم جامعات أخرى بالاهتمام بهذا الموضوع . وقد أعلن الأزهر قبل عدة أشهر عن إنشاء مركز للدراسات الاستشراقية .

مهما كان الاختلاف حول بداية الاستشراق فإن الأمر المعروف أن قيادة النصرانية التي كانت للبابوات في روما رأت تقدم الدين الإسلامي وزحفه على الممالك التي كانت تابعة لها وإقبال الأعداد الكبيرة من النصارى على الإسلام يعد خطرًا كبيرًا على مكانتها ونفوذها ، فكان لا بد من فهم هذا الدين الجديد للوقوف في وجهه وتحذير النصارى منه ،وثالثًا لدعوة المسلمين إلى النصرانية. فبدأت ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية بأمر بابوي. كما أن الاحتكاك الثقافي بين المسلمين والأوروبيين في الأندلس وبعد ذلك من خلال الحروب الصليبية فتح أعين الغربيين على أهمية معرفة هذا الدين.

وبدأت أوروبا تدرس الإسلام بطريقتين إحداهما البحث عن نقاط القوة في هذا الدين وفي أتباعه للإفادة منها في نهضة الشعوب الأوروبية ومن ناحية ثانية لمعرفة هذا الدين ونقله مشوهًا إلى الجماهير الأوروبية. وقد كتب كل من ريتشارد سوذرنRicha صلى الله عليه وسلم d Southe صلى الله عليه وسلم n في كتابه ( صورة الإسلام في العصور الوسطى ) وكتب نورمان دانيانNo صلى الله عليه وسلم man Daniel كتاب ( الإسلام والغرب) تحدثا في كتابيهما عن الصورة القبيحة جدًا والبعيدة جدًا عن الحقيقة للإسلام في الكتابات الغربية التي صدرت في العصور الوسطى وأنه إذا جاءت بعض الكتابات الأوروبية بعيدة عن الموضوعية ومتحيزة جدًا ضد الإسلام والمسلمين فإنما ذلك للتراث الطويل والعميق في وجدان الشعوب الأوروبية ضد الإسلام.

وجاءت المرحلة الثانية لدراسة العالم الإسلامي حينما بدأت أوروبا بحملاتها الاستعمارية للعالم الإسلامي فجاءت حملة نابليون إلى مصر قبل مائة عام مصطحبة معها عددًا كبيرًا من المستشرقين.وكان هدفها كما قال محمود شاكر وكما أكدت الدكتورة ليلى عنان إجهاض أي محاولة حقيقية للنهوض في مصر والسيطرة على هذه البلاد ليس من الناحية العسكرية فحسب بل من النواحي الثقافية والفكرية والعقدية أيضا.

وبدأت بريطانيا احتلالها للهند في منتصف القرن السادس عشر. وكان الاحتلال يحتاج إلى عدد من الباحثين الغربيين الذين يعرفون البلاد الإسلامية معرفة جيدة حتى يتمكنوا من التعامل مع تلك الشعوب والسيطرة عليها. فكان هذا الدافع الاستعماري الاقتصادي ذلك أن أوروبا كانت في بداية نهضتها الصناعية وكانت تحتاج إلى المواد الخام بأسعار رخيصة كما كانت تحتاج إلى الأسواق لتصريف بضائعها ومنتجاتها.

وفي بداية القرن التاسع عشر أنشئت في أوروبا الجمعيات الاستشراقية فكان منها الجمعية الملكية الآسيوية البريطانية والجمعية الاستشراقية الفرنسية ثم الألمانية والأمريكية. و قبيل انتهاء القرن التاسع عشر وبالتحديد في عام 1883 بدأت الجمعية الدولية للمستشرقين تعقد مؤتمرًا عالميًا كل عدة سنوات تجمع فيه عددًا كبيرًا من الباحثين الغربيين والمسلمين لدراسة قضايا تتعلق بالعالم الإسلامي. وما تزال هذه المؤتمرات تعقد على فترات لا تزيد على خمسة سنوات ولا تقل عن ثلاثة. وظهر في أوروبا عدد من المستشرقين الكبار في نهاية القرن الثامن عشر من أمثال جولدزيهر وسيلفستر دو ساي وهذا الأخير أنشأ مدرسة اللغات الشرقية الحية في باريس عام 1795 وأصبحت باريس كعبة المستشرقين واصطبغ الاستشراق بالصبغة الفرنسية عدة عقود. كما أن الاستشراق الألماني ازدهر بظهور عدد من كبار المستشرقين من أمثال نولدكه وبيكر وبروكلمان وغيرهم.

وكان الاستشراق في نشاط دائم تحقيقًا للمخطوطات ونشرًا لكتب التراث العربي والتأليف في التاريخ الإسلامي وفي اللغة العربية وفي العقيدة الإسلامية وفي شتى المجالات التي تهتم بالعالم الإسلامي .ولكن بعد منتصف القرن الحالي ظهرت أصوات في أوروبا وأمريكا تنادي بمزيد من التخصص في الدراسات العربية الإسلامية وأن هذه الدراسات لا يمكن أن تخضع لمجال واحد.وقد أصبحت الدراسات العربية الإسلامية تتم من خلال ثمانية عشر قسمًا علميًا في جامعة بيركلي بكاليفورنيا يتم التنسيق فيما بينها من خلال معهد دراسات الشرق الأوسط. ولذلك فإن المستشرقين اجتمعوا في المؤتمر العالمي للاستشراق الذي عقد في باريس عام 1973، وفي هذا المؤتمر تم التصويت على إلغاء اسم الاستشراق وأطلق على هذه المؤتمرات منذ ذلك الحين (المؤتمر العالمي للعلوم الإنسانية حول آسيا وشمال أفريقيا) وبعد مؤتمرين تم تعديل الاسم مرة أخرى ليصبح ( المؤتمر العالمي للدراسات الآسيوية والشمال أفريقية) وقد عقد المؤتمر الخامس والثلاثون في بودابست عاصمة المجر في الفترة من 7-12يوليه 1997. وسوف يعقد المؤتمر التالي عام 2000 في مونتريال بكندا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت