وقد كان كلّ من جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده بعيد النظر حين رأى أن الأصول الدينية الحقة تنشئ للأم قوة الاتحاد وائتلاف الشمل، وتبعثها على اقتناء الفضائل وتوسيع دائرة العلوم والمعارف، وتنتهي بها إلى أقصى غاية في المدنية. ولم يتوفر هذا الذي رأياه إلا في رسالة الاسلام المكتملة التي جمعت في إعجاز رباني بين متطلبات الدين ومتطلبات الحياة، وحثت على الانفتاح والتعارف والإخاء الانساني طريقًا للتكامل بين البشر، ودعت إلى الاستفادة من علوم الآخرين في مضمار الرقي المادي والعلوم العقلية والتجريبية. قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) سورة الحجرات: 13.
وقال عليه الصلاة والسلام ـ فيما رواه الترمذي والعسكري ـ: (( الحكمة ضالة كل حكيم فإذا وجدها فهو أحق بها ) ).
ومما يؤكد مبدأ الانفتاح والتواصل بين الأمم في دعوة الاسلام العالمية من أجل الخير لكل البشر أنه كفل المحافظة على الحقوق والعهود والمواثيق للذين لم يأتمروا عليه. قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) سورة الممتحنة: 8.
وفي ضوء هذه المبادئ السامية التي سنها الاسلام للتعامل مع غير المسلمين انتشرت رسالة الاسلام في جميع أنحاء الأرض، وازدهرت الحضارة الاسلامية في جوانبها المادية نتيجة التقائها بثقافات الإغريق والرومان والفرس والهنود وغيرهم. حيث تعرف المسلمون على علومكثير من الشعوب من غير ملتهم، وتكونت لديهم خبرات واسعة في شتى المجالات الصناعية والتجارية والزراعية والعمرانية والعلمية والفنية، وترجموا إلى اللغة العربية كل ما عرفوه من تراث الأقدمين، وصهروا هذه الخبرات والمعارف التي أخذوها واستفادوا منها في بوتقة الاسلام، فجاءت الحضارة الاسلامية فيما بعد مطبوعة بطابعه وممهورة بخاتمه، عدا الإسهامات الجديدة التي أبدعوها إبداعًا بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا.
ـ العقلانية في النموذج الاسلامي:
بالرغم من أن تراث الإغريق كان بحق المنبع الأساسي الذي أخذ منه المسلمون في أولى مراحل النهضة العلمية الاسلامية، وبالرغم مما تميز به هذا التراث من إنكار للوحي وتجسيد لهيمنة العقل وسلطان العقلانية في المجتمع المقسم إلى سادة وعبيد، إلا أن الحضارة الاسلامية ظلت محافظة على قوام الدين الاسلامي ومقوماته، حيث نهض الاسلام المرتكز على (( الوحي ) )بدور (( المكون الرئيسي ) )حتى لمعالمها وقسماتها غير الدينية، ومن ثم قاومت (( العقلانية المؤمنة ) )في الحضارة الاسلامية أي تأثير يؤدي إلى شطرها أو تلويثها، وضربت صفحًا عن الصيحة الشائعة لدى الإغريق بأن (( النظر للسادة والتجربة للعبيد ) )وبقي القرآن الكريم حصن الأمان لكل المسلمين، يستحث جميع ملكات الانسان على تحصيل العلم النافع، ويدعو إلى اقتران هذا العلم بالعمل الطيب والسلوك الأمثل ويرسي مبدأ تكريم الانسان وتحقيق المساواة الانسانية. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) سورة الصف: 2، 3.
قال عز من قائل: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) سورة الحجرات: 13.
ـ عالمية الاسلام ليست العولمة:
وهكذا تؤكد لنا حقائق التاريخ أن حضارة الاسلام قدمت لنا (( نموذجًا إرشاديًا ) )Pa صلى الله عليه وسلم adigm لناموس التفاعل الحضاري الذي يلعب دورًا أساسيًا في تقدم الشعوب، بالإضافة إلى مجموعة المثل والمبادئ العقيدية والعوامل الذاتية الخاصة بقدرات ودوافع كل أمة على إحداث التغيير، وهي أبعد ما تكون عن تلك الصفات القائمة على التعصب للجنس أو الدين أو البيئة الجغرافية، فالفكر والإبداع لم يكونا أبدًا قاصرين على شعب دون شعب، أو مكان دون مكان، أو زمان دون زمان، بحيث نقول عن جنس معين من البشر: إنه أذكى بني الانسان، أو نصف الأقدمين بأنهم أقل ذكاءً وعبقرية من المعاصرين، أو نميز منطقة معينة من الأرض بأنها الأصلح دون سواها لاحتضان الفكر الإبداعي وتشيدي البناء الحضاري.
ومهما روجت الأقوام المنسوبة إلى الجنس الآري لمقولة تفوقها على غيرها من الأجناس، أو بالغ الأوروبيون في سرد مزايا إقليمهم و (( عبقرية ) )موقعهم الجغرافي بالقياس إلى القارات الأخرى، فإنهم لو عاشوا منعزلين عن باقي شعوب العالم لظلوا على حالتهم البدائية المتوحشة حتى يومنا هذا. وإن هناك من بين الغربيين أنفسهم مَن راح يسخر جاهرًا من الاعتقاد السائد بينهم بأن الصفات التي تميزهم منط ول فارع وشعر أشقر وعيون زرقاء وبعد عن الفكاهة هي سر التقدم الذي صاحب حضارتهم، ولم يجد المنصفون من علماء الغرب المعنيين بالدراسات الاسلامية أدنى حرج في الاعتراف بحقيقة العطاء المتبادل بين الحضارات بما في ذلك حضارة الغرب الحديثة والمعاصرة، فيقول أحدهم وهو (( كولر يونج ) )في ندوة عن (( أثر الثقافة الاسلامية في الغرب المسيحي ) ): وبعد فهذا عرض تاريخي قصد به التذكير بالدين الثقافي العظيم الذي ندين به للاسلام منذ أن كنا نحن المسيحيين داخل هذه الألف سنة ـ نسافر إلى العواصم الاسلامية وإلى المعلمين المسلمين ندرس عليهم الفنون والعلوم وفلسفة الحياة الانسانية، وفي جملة ذلك تراثنا الكلاسيكي الذي قام الاسلام على رعايته خير قيام حتى استطاعت أوروبا مرة أخرى أن تتفهمه وترعاه. كل هذا يجب أن يمازج الروح التي نتجه بها نحو الاسلام نحمل إليه هدايانا الثقافية والروحية، فلنذهب إليه إذن في شعور بالمساواة نؤدي الدَّين القديم. ولن نتجاوز حدود العدالة إذا نحن أدينا ما علينا بربحه، ولكننا سنكون مسيحيين حقًا إذا نحن تناسينا شروط التبادل، وأعطينا في حب واعتراف بالجميل.
ـ مقومات النهضة العلمية الاسلامية:
إن الفاحص المدقق لواقع الأمة الاسلامية الآن لا يجد صعوبة في تقييم هذا الواقع من مختلف الجوانب: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية وغيرها، مقارنة بالأحوال المناظرة في دول العالم المتقدم. الأمر الذي يتضح معه أن فجوة التخلف العلمي والتقني التي تفصل بين دول العالم الأول ودول العالم الثالث فجوة هائلة تزداد اتساعًا يومًا بعد يوم. ويعتقد الكثيرون أن سدّ هذه الفجوة يكاد يكون مستحيلًا.. ويروج البعض لما يقول به الغرب من أن حالة التخلف التي نعيشها نتيجة طبيعية لارتباطنا بالاسلام.. وأن ما نقاسيه اليوم عقوبة نستحقها لانسلاخنا عنه (أي عن الغرب) خاصة وأنه يزعم أن حضارته وتصوراته وثقافته هي المعيار الذي يجب أن يقاس عليه الحال عند الأمم الأخرى، فكل ما وافق الفكر الغربي اعتبروه حضارة وتقدمًا، وكل ما خالف النظام الغربي وصف بالتخلف والبعد عن الحضارة.
وتبلورت هذه الصورة مؤخرًا فيما يسمى (( بالعولمة ) )أو (( الكوكبة ) )التي تعني ضرورة تعميم النموذج الغربي ليشمل الكرة الأرضية سياسيًا وثقافيًا وعلميًا واقتصاديًا، وتذوب فيه كل الثقافات والهويات غير الغربية.. ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى التهوين من شأن الحضارات الأخرى والحط من قدرها، ويتم التركيز بصورة رئيسية على دين الاسلام وحضارته. حيث يعتبرونه الخطر الأول الماثل أمامهم.. ويرون في النموذج الاسلامي مصدر قوة تضعف سيطرتهم وهيمنتهم، وتهدد بقاء حضارتهم.
ولهذا إن العولمة الغربية تسعى إلى تدمير النموذج الاسلامي بكل السبل وتستخدم لذلك أساليب عديدة منها: