من ناحية أخرى، يتفق دعاة العولمة الغربية على اعتبار الاسلام في مقدمة الأخطار التي تواجههم أو تقوض أركان دعوتهم في جانبها الأيديولوجي، وقد ظهرت عقب انهيار الشيوعية كتابات وبحوث ومقالات تحذر من الاسلام على أنه الخطر الجديد. وفي المقابل هناك بعض المعتدلين الذين ينصفون الاسلام بمبادئه وقوته الروحية، ولا يجدون غضاضة في التعامل معه ومع أتباعه من خلال الحوار، ولا مانع لديهم من أن تكون الغلبة لمن يصلح للبشرية حتى ولو كان هو الاسلام.. فهم يرون البون واسعًا بين (( عالمية ) )النموذج الاسلامي، و (( عولمة ) )النموذج الغربي، حتى وإن حاول الغرب أن يضفى على تصوراته طابعًا إنسانيًا، ويرفض أي نوع من الاختلاف حولها.
ولم يسلم العلم من السقوط في أسر أيديولوجيا العولمة الغربية (الأمريكية والأوربية واليابانية) ، فتحول البحث العلمي إلى سلطة سياسية مرتبطة بنفس الأيديولوجيا، وأصبح (( العلم السري ) )تعبيرًا عاديًا يبرر استثناء بعض مجالات البحث العلمي التي يتوقع أن تضر بالمركز التنافسي الاقتصادي والأمن القومي، من قانون حرية المعلومات الأمر الذي يؤدي إلى تخلف العلم نفسه في بعض الميادين.
كذلك أصبح العلم سلعة وموضوعًا للإنتاج في صناعة جديدة هي (( صناعة المعرفة ) )التي حلت تدريجيًا محل المادة في الإنتاج. الأمر الذي جعل مكانة المواد الأولية الطبيعية أكثر تدهورًا، لأن الحاجة إليها تقل تدريجيًا، وهذا ينعكس سلبًا على حركة التقدم العلمي في الدولة التي تلهث وراء تقنيات جديدة تحتكر العولمة إنتاجها. ومن الأمثلة الصارخة على الخلل الذي أحدثته العولمة في توجيه مسيرة العلم والتقنية مشكلة التلوث البيئي التي تزداد تفاقمًا يومًا بعد يوم، وأصبحت خطرًا قائمًا يهدد حياة الانسان في كل مكان على الأرض، وينذر بأوخم العواقب.
ـ قانون التفاعل الحضاري:
يمكن القول بأن المعادلة التي تبلورت من خلال الدراسات الموضوعية الجادة في تاريخ المعرفة والحضارة الانسانية قد أصبحت في حكم الحقيقة التاريخية الثابتة التي تعبر عن العلاقة بين ثقافات الأمم على أساس التفاعل المتبادل من جهة، مع الاحتفاظ بالهوية والقسمات المميزة من جهة أخرى.
أما التفاعل المتبادل فيعني أن الثقافة الانسانية ذات موارد متعددة بين شرقية وغربية، يغذي بعضها بعضًا، دون أن تقام بينها حواجز منيعة، لا تسمح باتصال أو تبادل، ومن ثم نجد أن حضارات العصور القديمة والوسطى قد أخذت وأعطت مثلما تأخذ الأمم اليوم وتعطي، لتبقى شجرة العلوم والمعارف خضراء يانعة، وارفة الظل وغزيرة الثمار.
ويمكن الاستشهاد على صحة هذا الطرف من معادلة التفاعل الحضاري بأمثلة عديدة لا يسمح المقام بحصرها، ولكن أحد هذه الأمثلة نستخلصه من مجال تاريخ العلوم، حيث نجد أن تقديس (( فيثاغورث ) )وأتباعه للأعداد يشبه تلك المعتقدات التي وجدت في بابل، ونجد أيضًا أن مضمون نظريته المعروفة باسمه، نظرية (( فيثاغورث ) )كان معروفًا في مصر والهند وبابل، ويربط بعض المؤرخين بين صحة هذه المقولة، وبين ما يروى عن (( فيثاغورث ) )من أنه سافر إلى بابل ودرس بها، وأنه عاش في مصر وشاهد إنجازات المصريين وعني باستخلاص المبادئ النظرية التي قامت عليها تلك الإنجازات، مستعينًا في ذلك بأفكاره العقلية، فقد توصل المصريون القدماء للعلاقة بين الأعداد 3، 4، 5 في مثلث قائم الزاوية، ثم صاغ منها فيثاغورث نظريته التي تقضي بأن المربع المنشأ على الوتر في المثلث القائم الزاوية يساوي مجموع المربعين المنشأين على الضلعين الآخرين.
واستطاع علماء الحضارة الاسلامية بعد ذلك، وعلى أساس ما توصل إليه القدماء، أن يستنبطوا تعميم نظرية فيثاغورث لأي مثلث، وكان لكل هذه الإنجازات مجتمعة كبر الأثر في تطوير علم الهندسة المستوية، ثم انبثاق باقي الفروع الهندسية في العصر الحديث.
وعن تفاعل الحضارات كثيرًا ما يحدثنا التاريخ السياسي أيضًا، فقد قامت علاقات تجارية بين الهند واليونان والعرب منذ عهد الإسكندر المقدوني وحتى الفتح الاسلامي، وتشهد ألواح حضارة بلاد ما بين النهرين وكتابتهم المسمارية على تفوقهم في عدد من فروع العلم والمعرفة نتيجة اتصالهم بالمصريين القدماء، وتعتبر الحضارة الفارسية حصيلة لحضارات الأمم والشعوب التي أخضعتها حتى امتدت إلى بلاد السند في الشرق وبلاد ما بين ا لنهرين والساحل الفينيقي ومصر وآسيا الصغرى وشمالي اليونان في الغرب. ولطالما فاخر ملوك الفرس بأن أمبراطوريتهم ضمت عشرين أمة، حتى أن البلاط تكاثر فيه علماء وأطباء ومنجمون من بابل ومصر والهند واليونان، كما أن الكتابة المسمارية استخدمت في البدء مع بعض التعديل للتدوين، وبعد ذلك اعتمدت اللغة الآرامية لغة رسمية.
وينبغي ألا يغيب عن الأذهان ما يقتضيه اتصال الشعوب واندماجها من تبادل وتلاقح بين الثقافات، وأن ما نشهده في عصرنا الحاضر من تفاعل وتبادل بين ثقافات الأمم المختلفة ينبغي أن يكون امتدادًا لعمل نفس القانون الذي اتبعته حضارات العصور القديمة والمتوسطة والحديثة، برغم الفارق الكبير بين وسائل الاتصال وآلياته ومعدلاته في كل من تلك العصور.
وأما الطرف الآخر لمعادلة التفاعل بين الثقافات والحضارات، فهو احتفاظ كل ثقافة وكل حضارة بخصوصياتها المميزة، والإبقاء على طابعها ومقوماتها التي تنفرد بها، ومقاومة كل أمة للذوبان في أية أمة أخرى إلى الحد الذي تنطمس فيه معالم هويتها وقسمات شخصيتها.
ولقد تحقق التفاعل الحضاري بصورة واضحة في مختلف مراحل التاريخ الإنساني، لكن صبغته (( العالمية ) )كانت أوضح ما يمكن في النموذج الاسلامي لعصور الازدهار في ديار الاسلام إبان القرون الوسطى.
ـ النموذج الاسلامي للعالمية:
لم يكن البعد الديني بصورة عامة غائبًا أو بعيدًا عن مجال التأثير في طبيعة التفاعل بين الحضارات فقد نمت الحضارات القديمة كلها في ظل ديانات وضعية أو سماوية محرفة، تقوم في أغلب الأحيان على التحيز التعصبي وتمجيد عنصر على سائر العناصر، وتستند في مجملها إلى مجموعة من الأفكار والآراء والمعتقدات التي تتعلق بالحياة وما بعد الحياة، والتي يتوصل إليها فيلسوف من الفلاسفة، وقد تكون متفقة مع العقل والمنطق أو قريبة في تصوراتها مما جاء في الرسالات السماوية، وقد لا تكون، ولكنها على أية حال فعلت فعلها في دفع الشعوب التي آمنت بها إلى الأخذ بسبب في طريق الحضارة والمدنية.
وفي داخل هذا الإطار العام كان كم العطاء الحضاري ودوامه متوقفين على مدى اقتراب تلك الديانات الوضعية من المثل الأعلى الذي حدده الله ـ سبحانه وتعالى ـ للإنسان، وعلى مدى تعبيرها عن القانون الإلهي الذي أراده الله تعالى ناموسًا طبيعيًا لحركة الكون والحياة.