فهرس الكتاب

الصفحة 2129 من 2255

مأساة مريرة: لاشك أن الحديث عن مأساة آثار العراق المنهوبة يمتزج بمشاعر عميقة ومريرة بسبب عدم اكتراث العالم المتحضر وهيئة أممه المتحدة ولا مجلس أمنه، لهذا الوضع المأساوي لحضارة أرض الرافدين التي تبتطن كل بقعة منها جزءًا من قصة الإنسان الأولى نحو بناء الحضارة الآدمية. بيد أن ما قيل ويقال حول هذا الموضوع يبقى حبيسًا في الصفحات الثقافية التي تقرأ ثم تطوى، إذا ما قرأت من قبل أصحاب الشأن!!. هذا بحد ذاته مأزق للإنسان المرهف في كل مكان، خاصة إذا ما ارتقى بوعيه"الكوني"إلى مستوى الشعور بأن هذه المواقع الأثرية ليست ملكًا لأحد، فلا هي مُلك فقط لأحفاد السومريين والأكاديين والآشوريين والبابليين في بلاد الرافدين اليوم، بل هي من ممتلكات وتراث الإنسانية جمعاء، لأنها تقص أول قصة حدثت في التاريخ، حيث تم ابتكار الزراعة وتأسست أول قرية، ثم أول مدينة، وابتكرت أول عجلة في التاريخ، ومن هناك نشأت الكتابة، زد على ذلك قصة الصراع بين الإنسان المتوثب للاستقرار الحضري على ضفاف دجلة والفرات؛ لذا كان"الصراع الأول"في وادي الرافدين: بين الصحراء والماء، البداوة والحضارة، الارتحال والاستقرار.

إن قصة الكنوز الأثرية في بلاد الرافدين قصة"مأساوية"بكل ما تنطوي عليه اللفظة من معنى. فقد بدأت القصة مع عصر النهضة الأوروبية حيث بدايات حملات الارتحال إلى الشرق من أوروبا، ثم جاءت الاحتلالات والوصايات الأوروبية للمنطقة لتجعل من التنقيب عن الآثار"حرفة"فنية ولصوصية منظمة ملأت من بين معطياتها متاحف بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة بالتماثيل والثيران المجنحة والأختام الأسطوانية المستخرجة من تحت تراب وادي الرافدين. حتى إذا ما جاء الاستقلال السياسي للعراق كي يفتح الباب لشيء من الأمل للحفاظ على ثروات العراق الأثرية، وهي ثروات لم يزل معظمها"حتى اللحظة"دفينًا في مواقع تعد بعشرات الآلاف، تمتد ما بين دهوك والفاو. ومع هذا، ومع ظهور مؤسسات وطنية متخصصة وبروز مدرسة أثرية عراقية من الطراز الأول، وآثاريين عمالقة من عيار المرحوم طه باقر (مترجم أسطورة كلكامش) فإن دناءة نفوس بعض المتنفذين في الحكومات السابقة جالت بهم حد التطاول على عدد من هذه اللقى النفيسة لتهريبها وبيعها في مزادات من نوع"كرستي"عبر تجار وسماسرة متخصصين.

اهتمام يهودي بالآثار!: كان اليهود في مختلف أنحاء العالم ومازالوا من أكثر المهتمين بالآثار العراقية نظرًا لأن أرض بابل هي جزء لا يتجزأ من إرثهم الروحي والديني، حيث قصة السبي البابلي واستقرار بعض سلالاتهم، على ضفاف النهرين العظيمين، دجلة والفرات. على هذه الضفاف الخضر المظللة ببساتين النخيل الغنّاء كتب الأحبار العبريون الأوائل تحت ظلالها الوارفة أهم النصوص الدينية العبرانية، فسجلوا أهم الوصايا القديمة، من التوراة إلى التلمود، على لفائف حفظت في أسطوانات معدنية مصفحة في مخابئ وأماكن سرية: منها ما بُني في جدران بيوتهم ومعابدهم، ومنها ما دفن في مواقع خاصة لا يعرفها سوى الأحبار ومن ورثهم من كبار الحاخامات.

لذا فإن أرض أور، الموطن الأول لإبراهيم أبي الأنبياء صلى الله عليه وسلم ، زيادة على أرض بابل، إنما تمثل جزءًا مهمًا مما يسمى في التراث الثقافي الغربي بأرض الكتاب المقدس، وهم لهذا السبب يهتمون بل ويستميتون من أجل استخراج مثل هذه الكنوز التي لم تعد يهودية فحسب، بوصفها جزءًا من الأرض التي تبتطنها أرض العراق. وقد وجه كبير الوثائقيين العراقيين أسامة النقشبندي نداء استغاثة بإعادة نسخ من التوراة مكتوبة على جلد الغزال سرقها اليهود من العراق بعد الغزو الأمريكي!

معسكرات الغزاة

أما الأمريكان، الذين أقاموا معسكراتهم في بعض المواقع الأثرية أو على مقربة منها، مثل زقورة أور، ومدينة بابل، وآثار النمرود، وتل عكركوف وغيرها، فإن اهتمامهم بالآثار العراقية لا ريب فيه، ليس فقط لأن هذه الآثار تريهم معنى هيمنة"العالم الجديد"على"العالم القديم"كتعبير عن الشعور بالقوة والخيلاء، بل لأنها كذلك سلع يمكن أن تحيل الضابط أو الجندي الأميركي البسيط إلى مليونير، حيث يمكن أن يدس ختمًا أسطوانيًا أو تمثالًا صغيرًا، أقل حجمًا من علبة الكبريت، في حقائب أمتعته، ليظهر في نيويورك أو لندن فجأة وهو يحمل ثمن مملكة بيده. وإذا كانت هذه الجماعات جلها من الأجانب الطارئين على العراق، حيث تغيب المسؤوليات التاريخية والوطنية والحرفية عند التعامل مع هذه الآثار الثمينة، ويبقى السؤال الأهم والأكثر إلحاحًا، هو: من الذي يمكن أن يؤتمن على الآثار العراقية؟ القوات الأجنبية، كما لاحظنا، لا يمكن أن تخدم التراث العراقي بذلك: فإضافة إلى انشغالاتها الآنية المباشرة، لا يمكن قط لهذه القوات أن تمنع جنديًا، جاء للعراق من أجل المال أصلًا، من أن يحتفظ بشيء من آثار هذا البلد لل"ذكرى". أما الحكومة العراقية، فلم تتمكن حتى اللحظة من احتواء هذه المأساة بسبب المأزق الأمني المعروف. المنظمات الدولية، من اليونسكو إلى الصندوق العالمي للآثار، تخشى الوصول إلى العراق، وهي تكتفي بكتابة القوائم الخاصة بالإرث العالمي وبمواقع التراث القديم، هذا مأزق إنساني خطير فقد شهدنا كيف أقامت قوات الغزو الأمريكي قاعدة عسكرية في مدينة بابل الأثرية ومن ثم سلمتها للقوات البولندية، وتحدثت الأنباء عن دبابات قامت بهرس وتحطيم أرصفة قرميدية عمرها يزيد عن 3500 سنة إضافة إلى تصدع كامل بالجدران الأثرية التي قال عنها أحد الخبراء أنها غير قابلة للإصلاح بعد اليوم وهي في طريقها الى الدمار الكامل، و لنقل في سياق هذا الكلام تحطيم جدران وقطع أثرية أخرى كي تتحول إلى أكياس للمتاريس التي تقيمها القوات المحتلة الأميركية خوفًا من الهجمات التي تشنها المقاومة أو خوفًا من"نبوخذ نصر"القادم من أعماق الأرض والحضارة.

لقد حذرت منظمة اليونيسكو من أن الآثار العراقية معرضة للضياع بسبب عمليات التنقيب غير الشرعي، وبسبب ووجود القوات الأميركية في مواقع بابل وأور جنوب البلاد. جاء ذلك في كلمة ألقاها"كوتشيرو ماتسورا"مدير عام المنظمة، في الاجتماع الثاني للجنة الدولية للحفاظ على التراث الثقافي العراقي، المنعقدة في باريس.

محو حضارة

إن أحد أهم أهداف الغزو كان تدمير الذاكرة العراقية بشكل كامل إلى درجة يستحيل فيها قيام قائمة لها وهذا الأمر يتقاطع مع الرغبة اليهودية التي تسعى إلى الانتقام من نبوخذ نصر والسبي الشهير وبالتالي رد الصاع صاعين عبر دولة أخرى متهودة جدا.ً

ومن هنا فنحن أمام كارثة حقيقية لن نشعر بهولها إلا يوم يختفي تاريخنا وبشكل كامل عبر محو هذه الحضارات عن طريق رموزها الأثرية وبالتالي تشكيل الشرق الأوسط الكبير بزعامة يهودية واضحة وهذا ما تسعى لتحقيقه كل من اسرائيل وأميركا والحلفاء الآخرون.

لقد قال مدير هيئة الآثار والمتاحف العراقية هناك 38 قطعة نفيسة سرقت من قاعات متحف بغداد غير إن السرقات التي طاولت مخازن المتحف اكبر بكثير وتعد بالآلاف من القطع.

وقال المدير العام للآثار العراقية: لقد أعادت جهة واحدة إلى المتحف الوطني 450 قطعة مسروقة، فكيف يكون حجم السرقات بالمئات فقط؟. وقال أيضًا:"لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد المسروقات للآثار العراقية، لكنها بحدود 17 ألف قطعة، وأضاف:"لقد تعرضت التلال الأثرية إلى الحفر غير المشروع وسرقت كميات كبيرة من الآثار وهربت إلى الخارج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت