أما النصارى فنقلوا عن المسيح - عليه السلام - كما في إنجيل متى ما نصه: 'لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا، وإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته، من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني، ومن لا يأخذ صليبه* ويتبعني فلا يستحقني، من وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها'، وعلى كل حال يغنينا عن هذا النص واقع الحروب التي شنت باسم المسيح على ديار الإسلام بل على شعوب الأرض، وكذلك معركة هرمجدون التي يروج لها بعض متدينيهم في الحاضر، وأما التوراة فشواهد تشريع القتال فيها أكثر من أن تحصى، وأشهر من أن تذكر.
ومن جيد أبيات الحكمة المعاصرة قول الأمير:
وَالشَرُّ إِن تَلقَهُ بِالخَيرِ ضِقتَ بِهِ ذَرعًا وَإِن تَلقَهُ بِالشَرِّ يَنحَسِمِ
سَلِ المَسيحِيَّةَ الغَرّاءَ كَم شَرِبَت بِالصابِ مِن شَهَواتِ الظالِمِ الغَلِمِ
طَريدَةُ الشِركِ يُؤذيها وَيوسِعُها في كُلِّ حينٍ قِتالًا ساطِعَ الحَدَمِ
لَولا حُماةٌ لَها هَبّوا لِنُصرَتِها بِالسَيفِ ما اِنتَفَعَت بِالرِفقِ وَالرُحَمِ
وأما تاريخهم فما أشد ممراته، حتى قال بعض باحثيهم: إن أعداد المسيحيين الذين قتلوا بالتعذيب في عهد الإمبراطور دقلديانوس الروماني [حكم 248 - 305] يقدر بأكثر من مليون مسيحي، إضافة إلى المغالاة في الضرائب التي كانت تفرض على كل شيء حتى على دفن الموتى، لذلك قررت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر تسمية ذلك العهد بعصر الشهداء، وأرخوا به التقويم القبطي تذكيرًا بالتطرف ضد المسيحيين.
وأشار الباحث إلى الحروب الدموية التي حدثت بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا، وما لاقاه البروتستانت من العذاب والقتل والتشريد والحبس في غياهب السجون إثر ظهور المذهب البروتستانتي على يد مارتن لوثر الذي ضاق ذرعًا برجال الدين الذين احتكروا تفسير النصوص، وتقسيم صكوك الغفران، وقد كتبت لنا يد التاريخ صراعات المسيحية بين كنيسة الإسكندرية وكنيسة روما والقسطنطينية، الأمر الذي انتهى إلى انقسام الكنيسة بعد مؤتمر الكلدونية عام 451م، وخلال حكم الإمبراطور البيزنطي مرقيانوس 450 - 457م إلى مذهبين:
مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح بزعامة كنيسة الإسكندرية.
ومذهب الطبيعتين وتتزعمه كنيستا روما والقسطنطينية.
ومع ذلك فإن المسلمين ينظرون إلى هذا النص وذلك الواقع ونحوهما بموضوعية لإدراكهم المقاصد الكلية من أديان الرسل، وما جاءوا به، ولجمعهم بين النصوص، وعدم اختزال جميعها في واحد، وأيضًا لتفريقهم بين دين الحق والممارسات التي تزور باسمه، ولهذا فلا يقول المسلمون بأن اليهودية والنصرانية من حيث المبدأ انتشرتا بحد السيف - مع أنهما بتلك التهمة أجدر من الإسلام - على الرغم من محاكم التفتيش، والإبادات الجماعية، والحروب الصليبية التي وقعت في تاريخ المسيحية بين أهلها فضلًا عن غيرهم، بل نحن على يقين من أن موسى - عليه السلام - يقدم يوم القيامة ومعه سواد عظيم قد ملأ الآفاق من أتباعه كما صحت الأخبار عن نبينا - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا الرأي لا يتوجه في الشيوعية الاشتراكية التي أجبر الناس على اعتناقها من قبل سلطة متحكمة بقوة الحديد والنار، والسبب هو معارضة فكرة الإلحاد لبدائه العقول، وفطرة الخلائق، وأديان السماء، فلما أطر الشيوعيون الناس على مذهبهم انساقوا لهم عندما كانت السطوة لهم، ولما كانت العقائد لا تستقر في نفوس الناس تحت حد السيف - وإن أظهروا الإذعان يومًا ما - فما أن كُسِرت يد الظلم الباطشة الاشتراكية الممتدة إلى الشعوب المقهورة في الشرق والغرب حتى أظهر الناس ما كانوا يكنونه من عقائد، فمضى الشيوعيون وألسنة تلك الأجيال تلعنهم.
ولا ينقض ما سبق تدين مجموعات من الانتفاعيين بدين السلطان أنى كان، فهؤلاء لا دين لهم في الحقيقة إلاّ حيث كانت مصالحهم ورغباتهم العاجلة.
ولإدراك المسلمين هذه الحقيقة لم يكن للسيف عندهم في جهاد الطلب دور غير إزاحة من حال دون الناس ونور الإسلام ليتوجه الناس إلى الدين الصحيح، ويسترشدوا بتعاليمه، فتنبت النابتة الجديدة في أجواء صحية، وتتحقق لهم مصالح الدارين بالتزامهم تشريعات الإسلام السمحة، وأما من أبى فهو مخير بين أن يعيش في كنف الإسلام وتحت عدالة دولته ورعايتها مع فرض جزية يدفعها - إن كان من أهل القتال - جراء ذلك وهو مقيم على دينه، أو مفارقة تلك الأرض التي لا يرتضيها، فإن رفض قانون الإسلام والخضوع لدولته فيحكم عليه بحكم الخارجين عليها، والمصلحة في ذلك ظاهرة، فحيث وُجد من يتمرد على قوانين الدولة المتحكمة فلا بد من أن ينال جزاءه، كما أن المتمرد عليها من المسلمين يناله جزاؤه أيضًا، وشأن الإسلام في هذا شأن الأديان من قبله، فالجزية مذكورة في التوارة والإنجيل، مضروبة منذ القرون الأولى وليست بدعًا من بني الإسلام.
وعلامة صحة هذا الطريق - جهاد الطلب لأجل تبليغ الدين لمن حيل بينهم وبينه - وكون الغرض منه عند أهل الإسلام هو ما سلف بيانه؛ دخول الجم الغفير في دين الله أفواجًا، مع التزامهم به في السر والعلن، وتوريثه البنين والبنات الذين نشأوا على حب ما حببه إليه آباؤهم.
ويبدو أن هذا المبدأ لم يعد مرفوضًا اليوم من الناحية العملية، بل أصبح واقعًا يفرض على البلدان الإسلامية من قبل دول تزعم تصدير الحرية والديمقراطية بطائرتها ودباباتها وصواريخها الذكية.
وليس في هذا الفهم ما يستنكر إذا علمنا أن كثيرًا من الدول الغربية كان مبدأ تحولها إلى الديمقراطية عن طريق ثورات على النازية، والبلشفية، والماركسية؛ وغيرها من الاتجاهات الاستبدادية، أو الشمولية، والتي انتصرت عليها بعد جراحات ودماء وأشلاء.
وفي اعتقادي أن من أسباب نجاح ذلك التحول القسري في كثير من الشعوب الأوروبية والأمريكية تلك القناعة الداخلية للشعوب بأن النظم القمعية أو الاستبدادية الشمولية التي سيطرت عليها ليست صالحة، وأن البديل الديمقراطي الرأسمالي أصلح لهم، فظلت المدافعة ردحًا من الزمن ثم كتب البقاء للأصلح.
ولكن ما يجهله هؤلاء أثناء تصديرهم لتلك الثقافة عن طريق الدبابة إلى البلدان الإسلامية هو أن الإسلام دين لا يعتنقه حقًا إلاّ من اعتقد أن نظامه هو الأصلح، ولذلك فلن يرتضي به بدلًا إلاّ من بدل دينه منهم، والنتيجة الطبيعية لهذا أن تتكرر ظاهرة ظهور الإسلام في تلك الأرجاء ولو بعد حين من القهر والاستبداد، سواء أتم ذلك باسم الاشتراكية أو الديمقراطية.
ولو أردنا أن نأخذ نموذجًا حيًا فسوف نجد العراق أمثل نموذج، وقبل أن أدخل في بيانه أنبه القارئ الكريم إلى أن هذا الكلام مبني على أحسن أحوال مدعي تصدير الحضارة أو الحرية أو الثقافة على متن الدبابة، مفترضًا على سبيل التنزل أنه لا مآرب أخرى للجنود، ولا لمن أرسلهم؛ غير بذل المهج والنفوس من أجل الحرية!
لقد دخلت القوات البريطانية محتلة العراق ما بين 1904 - 1918، وقدم الجنرال [مود] عندما احتل جيشه بغداد يوم11 مارس 1917 فخاطب العراقيين قائلًا عبارته المشهورة: 'إننا جئناكم محررين لا فاتحين'، وألقى وعوده وتباشيره بعصر الحرية والغد المشرق.