فهرس الكتاب

الصفحة 2204 من 2255

فإذا العراق ترزح تحت نير احتلال تبدو مطامعه يومًا بعد يوم، ومع ذلك لا يزال المحتل يجد له أنصارًا وأعوانًا وأذنابًا كما هي الحال اليوم، وعلى الطرف الآخر تتوالي أعمال المقاومة وتتصاعد حتى جاءت ثورة العشرينات فعزل الكولونيل [ولسن] الحاكم الملكي في العراق، وعين بدلًا عنه [برسي كوكس] ليمثل الحكومة البريطانية في العراق، ومهمته المعلنة تأسيس حكومة عربية في العراق، وتنفيذ مطالب الثوار؛ فوصل بغداد في يوم 11أكتوبر 1920، فاستقبل في بغداد من قبل العملاء استقبالًا حافلًا حتى قال جميل صدقي الفيضي ابن الملا أحمد بابان زهاوي [1] قصيدة ترحيبية حمل فيها على المقاومة حملة شعواء من جملة ما جاء فيها:

عُد للعراق وأصلح منه ما فسدا وابثث به العدل وامنح أَهله الرغدا

الشعب فيه عليك اليوم معتمدٌ فيما يَكون كَما قد كانَ معتمدا

حييت من قادم إِبَّانَ حاجِتنا إليه نَرجو به للأمة الرشدا

إنَّ العِراق لمسعودٌ برؤيته أبًا له من بلاد العدل قد وردا

وبفضل هؤلاء الأذناب أو المغفلين - وأنت تراهم في كل عصر ومصر - الذين يفتون في عضد الأمة؛ يظن المحتل أن يده ملأى.

لقد تأسس ما سمي بالدولة العراقية عام 1921 تحت الوصاية البريطانية التي جاء الدستور والبرلمان وفق هواها بعد أن مهدت لإقامتهما كما هي الحال اليوم، فكان ماذا؟ حفظ لنا الأدبُ التاريخَ فنقل قول معروف الرصافي معبرًا عن حال الشعب، ناقدًا الحكومة الاسمية في أبيات أطول من هذه:

سأقول فيها ما أقول ولن أخف من أن يقولوا شاعر مُتَطَرِّفُ

ويبدو أن القاعدة وجماعة الزرقاوي لم تعرفا في ذلك العصر أو لا يجيء عليهما وزن الأبيات، فاكتفى بأعظم التهم في زمانه التي تطلق على المناضلين المقاومين للاحتلال من المجاهدين ألا وهي التطرف! ثم أردف مبينًا:

هذي حكومتنا وكل شُموخها كَذِب وكل صنيعها متكلَّفُ

عَلَم ودستور ومجلس أمة كل عن المعنى الصحيح محرف

أسماء ليس لنا سوى ألفاظها أما معانيها فليست تعرف

مَن يقرأ الدستور يعلمْ أنه وَفقًا لصكّ الانتداب مصنَّف

من يأتِ مجلسنا يُصَدِّق إنه لمُراد غير الناخبين مؤلَّف

أفهكذا تبقى الحكومة عندنا كلمًا تموَّه للورى وتُزخرَف

للإنجليز مطامع ببلادكم لا تنتهي إلاّ بأن تتبلشفُوا

أفتقنعون من الحكومة باسمها ويفوتكم في الأمر أن تتصرّفوا

أنتم عليها والأجانب فوقكم كلّ بسلطته عليكم مُشرِف

أيُعَدّ فخرًا للوزير جلوسه فَرِحًا على الكرسيّ وهو مُكتَّف

إن دام هذا في البلاد فإنه بدوامه لسيوفنا مُسترعِف

لا بُدّ من يوم يطول عليكم فيه الحساب كما يطول المَوْقفُ

ولما قرر الانتداب البريطاني تخريج دفعة من الضباط العراقيين وتنصيبهم في مناصب قيادية وعسكرية - كما يفعل الأمريكان في الوقت الراهن - قال:

وكم عند الحكومة من رجالٍ تراهم سادة وهم العبيدُ

كلاب للأجانب هُم ولكِنْ على أبناء جِلدتهم أسودُ

وبمثل هذا النفس كانت المقاومة الصادقة تشتعل، فكان من الطبيعي ألا يدوم الأمر للمتغلب، فما مرت ثلاثة عقود حتى اجتاحت المقاومة عام 1958 أرجاء العراق، قاطعة أذناب الاستعمار، ليعلن انسحابه ذليلًا، وفي صورة أُراها شبيهة بصورة انهيار تمثال صدام توجهت الحشود الجمة إلى تمثال الجنرال [مود] لتجعله جذاذًا تحت الأقدام.

وهكذا خرج المحتل من العراق نهائيًا بعد زهاء ثلاثة عقود من تشكيله حكومته العربية، وكذلك أخرج من سائر أرجاء الأرض العربية، وهكذا سوف يخرج المحتل اليوم بعد ثلاثة عقود من تشكيله حكومته أو قبلها.

وهذه الصورة صورة متكررة عبر تاريخ المسلمين الأول، فما أرض من تخومهم أو أراضيهم التي احتلت في حروب صليبية أو غارات معادية إلاّ ورجعت إسلامية بمجرد رجوع الغازي أو خروجه منها، وبطل سحر حضارته التي تبدت للناس إبان الاحتلال على حقيقتها، وكذلك الأمر في التاريخ الحديث، ولعل أفغانستان الجريحة وما دار فيها بين أنصار الإسلام وأنصار الشيوعية شاهد قائم، وما سينتهي إليه أمرها مع دولة الاستكبار سوف يكون شاهدًا للأجيال من بعدنا، ومن يدري ربما يكون شاهد على هذا لنا، ومثل أفغانستان بلاد الشيشان.

ومع ذلك لم تستفد أمريكا من هذا التاريخ في احتلالها للعراق الواعد بتصدير الحرية والديمقراطية على ظهر الدبابة الأمريكية لأجل سلام ورخاء المنطقة، وليتها لم تستفد من التاريخ وحده بل إنها لم تستفد من دين ساستها البروتستانت الواعد في آخر الزمان بمعركة هرمجدون، ولا أظنهم يتوقعون نشوبها مع نظام ديمقراطي حر يرضونه في المنطقة!

فماذا بقي غير نهب الثروات باسم الديمقراطية، والتوطيد لدولة العدو الصهيوني، وتقويض القوى النادة عن الطاعة الأمريكية باسم الحرية؟

ولعل ما غر أمريكا هو نجاحها في تصدير ثقافتها عبر السيف والبندقية والقنبلة النووية في بلدان قهرتها عسكريًا، وتفوقت عليها حضاريًا كما في حالها مع اليابان مثلًا، فما أن أُلقيت القنابل النووية حتى أعلنت البلاد الصفراء الاستسلام والخنوع الكامل بغير مقاومة تذكر وإلى اليوم، وهنا ظنت أمريكا أن مقوم نصرها هو التفوق العسكري، وما حسبت أن سر نجاحها هو في تفوقها الحضاري الذي كفل لها البقاء في اليابان بعد مغادرتها!

وكل هذا يظهر أن السيف في الماضي أو الدبابة فما فوقها اليوم آلآت مهمتها فسح المجال لولوج الحضارة، وتنوير الناس بها، فإذا كانت تلك الحضارة بمفهومها الشامل الذي ينظر إلى الطبيعة وما ورائها لا توازي في معتقداتها وتعاليمها وقيمها ومبادئها وأخلاقها ما كان عليه المُتَغَلَّب عليهم بحد السيف أو فوهة البندقية، فجدير بحضارة المُتَغَلِّب أن تزول متى رفع حد السيف أو كُسر، وهذا ما ينبغي لأهل الإسلام السعي في التعجيل به ما داموا يعتقدون بأنه لا صلاح للإنسانية في دنياهم وآخرتهم إلاّ بحضارة الإسلام ومنهجه.

وهذا ما يفسر انكسار الدول والحكومات الإسلامية دون انكسار الشعوب التي تبقى مقاومتها للحضارة الدون باقية ما دام دين الإسلام باق في بنيها، وهذا كله إذا لم تكن للمتغلب الظاهر مآرب أخرى ظاهرة غير تصدير حضارته!

وإذا فهم ما سبق فإنه يسرنا أن تصدر إلينا حضارة غربية أو شرقية على ظهر دبابة، أو متن مروحية؛ شريطة أن تثبت أنها الأصلح والأنفع، وهيهات هيهات.

وعليه فإن مصيرها ولا بد إلى الزوال والاضمحلال بمجرد اختلال موازين القوى ولو بعد أجيال.

كما لا يسؤونا تصدير تلك الحضارة إلى من بها قوام حياتهم إن كان لا بد من ترحيلها عبر ظهور المجنزرات والآلات الحربية، ولاسيما إن كانت تلك الحضارة المنقولة أدعى للقبول من قِبَل تلك الشعوب، وحينها يكون تحريرهم من الأنظمة الحائلة بينهم وبينها مهمة مقدسة نبيلة، ولكننا لا نرضى بحال أن يعتدي متكبر جبار على قوم لينهب خيراتهم، ويخضعهم لمصالحه وأهوائه، ونرى أن جرمه يتضاعف إذا فعله تحت شعار تصدير الحضارة أو الحرية.

إن أهل الإسلام يرفضون كل دعوى جوفاء بتصدير الحرية أو رغد الحياة من أناس يتفنن جندهم في ابتذال وإهانة من أرسلوا إليهم، ومقدساتهم، فكيف ينقل الحرية أو يبعث الأمل من يعد الشذوذ والتعذيب والتدنيس للمقدسات من الحرية، أو - على الأقل - أثبتت وقائعه أن رسله لا يفهمون معنى الحضارة ولا الحرية!

* واضح من النص أنه مكذوب عن عيسى - عليه السلام -؛ إذ أن عيسى لم يأمر بأخذ الصليب، ولا هو شعار دينه - عليه الصلاة والسلام -، بل الصليب بدعة وثنية ابتدعها من بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت