وعلى مدى الكتاب كانت المؤلفة تعقد المقارنات بين منهج العرب المسلمين في البحث العلمي وبين ما كان عليه العقل الغربي من تسطّح فتقول:"اتسعت الهوة بين الحضارة العربية الشامخة والمعرفة السطحية في أوربة التي كانت ترى أن من الكفر والضلال القول بأن الأرض كروية ، فمعلم الكنيسة لاكتانتيوس يتساءل مستنكرًا: أيعقل أن يُجنّ الناس إلى هذا الحد ، فيدخل في عقولهم أن البلدان والأشجار تتدلى من الجانب الآخر من الأرض ، وأن أقدام الناس تعلو رؤوسهم؟!!" (3) .
قلت: منذ ألف عام توصل فقيه الأندلس الإمام ابن حزم إلى الجزم بكروية الأرض منطلقًا من القرآن الكريم ومن التنظيم المطّرد لمواقيت الصلاة في محيط الأرض… وقد بسط ذلك في كتابه الموسوم (الفصل بين المِلل والنِّحَل) .
ويقول العلامة بريفولت:"ما من ناحية من نواحي الازدهار الأوربي إلا يمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة ، وإن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه لنا من كشوف مدهشة ونظريات مبتكرة ، بل إنه مدين بوجوده ذاته … ولم يكن بيكون إلا رسولًا من رسل العلم والمنهج الإسلامي إلى أوربة المسيحية ، وهو لم يَملّ قط من التصريح بأن اللغة العربية وعلوم العرب هما الطريق الوحيد لمعرفة الحق (4) .. ولقد انبعثت الحضارة الإسلامية انبعاثًا طبيعيًا من القرآن ، وتميزت عن الحضارات البشرية المختلفة بطابع العدل والأخلاق والتوحيد ، كما اتسمت بالسماحة والإنسانية والأخوّة العالمية" (5) .
ويقول المفكر ليوبولد فايس:"لسنا نبالغ إذ قلنا إن العصر العلمي الحديث الذي نعيش فيه ، لم يُدشّن في مدن أوربة ، ولكن في المراكز الإسلامية في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة" (6) .
"نحن مدينون للمسلمين بكل محامد حضارتنا في العلم والفن والصناعة ، وحسب المسلمين أنهم كانوا مثالًا للكمال البشري ، بينما كنا مثالًا للهمجية" (7) .
ويقول الكاتب الفرنسي أناتول فرانس في كتابه (الحياة الجميلة) :"أسوأ يوم في التاريخ هو يوم معركة (بواتييه) عندما تراجع العلم والفن والحضارة العربية أمام بربرية الفرنجة ، ألا ليت شارل مارتل قطعت يده ولم ينتصر على القائد الإسلامي عبد الرحمن الغافقي"
"حين نتذكر كم كان العرب بدائيين في جاهليتهم يصبح مدى التقدم الثقافي الذي أحرزوه خلال مئتي سنة ، وعمق ذلك التقدم ، أمرًا يدعو إلى الذهول حقًا ، ذلك بأن علينا أن نتذكر أيضًا أن النصرانية احتاجت إلى نحو من ألف وخمسمئة سنة لكي تنشئ ما يمكن أن يدعى حضارة مسيحية ، وفي الإسلام لم يُولّ كل من العلم والدين ظهره للآخر ، بل كان الدين باعثًا على العلم ، وإن الحضارة الغربية مدينة للحضارة الإسلامية بشيء كثير إلى درجة نعجز معها عن فهم الأولى إذا لم تتم معرفة الثانية" (8) .
ويقول المسيو سيديو:"لم يشهد المجتمع الإسلامي ما شهدته أوربة من تحجر العقل ، وشل التفكير ، وجدب الروح ومحاربة العلم والعلماء ، ويذكر التاريخ أن اثنين وثلاثين ألف عالم قد أُحرقوا أحياء ! ولا جدال في أن تاريخ الإسلام لم يعرف هذا الاضطهاد الشنيع لحرية الفكر ، بل كان المسلمون منفردين بالعلم في تلك العصور المظلمة ، ولم يحدث أن انفرد دين بالسلطة ، ومنح مخالفيه في العقيدة كل أسباب الحرية كما فعل الإسلام" (9) .
"لقد ديست بالأقدام تلك المدنية العظيمة في الأندلس ! ولماذا ؟ لأنها نشأت من أصول رفيعة ، ومن طباع شريفة ، نعم من رجال الإسلام . إن المدنية الإسلامية لم تتنكر يومًا للحياة" (10) .
ويقول العلامة جورج سارتون:
"المسلمون عباقرة الشرق ، لهم مأثرة عظمى على الإنسانية ، تتمثل في أنهم تولّوا كتابة أعظم الدراسات قيمة ، وأكثرها أصالة وعمقًا ، مستخدمين اللغة العربية التي كانت بلا مراء لغة العلم للجنس البشري (11) … لقد بلغ المسلمون ما يجوز تسميته =معجزة العلم العربي+".
وتقول الدكتورة لويجي رينالدي:".. لما شعرنا بالحاجة إلى دفع الجهل الذي كان يثقل كاهلنا ، تقدمنا إلى العرب ومددنا إليهم أيدينا لأنهم كانوا الأساتذة الوحيدين في العالم" (12) .
ويقول البروفسور غريسيب ، مدير جامعة برلين:"أيها المسلمون ما دام كتابكم المقدس عنوان نهضتكم موجودًا بينكم ، وتعاليم نبيكم محفوظة عندكم ، فارجعوا إلى الماضي لتؤسسوا المستقبل" (13) .
ويقول المستشرق درايبر:"ينبغي أن أنعي على الطريقة التي تحايل بها الأدب الأوربي ليخفي عن الأنظار مآثر المسلمين العلمية علينا ! إن الجور المبنّي على الحقد الديني ، والغرور الوطني لا يمكن أن يستمر إلى الأبد" (14) .
ويقول روم رولان:"تفرد العلم الإسلامي بأنه لم ينفصل عن الدين قط ، والواقع أن الدين كان ملهمه وقوته الدافعة الرئيسة ، ففي الإسلام ظهر العلم لإقامة الدليل على الألوهية".
ويقول رينان:"ما يدرينا أن يعود العقل الإسلامي الوَلود إلى إبداع المدنية من جديد؟ إن فترات الازدهار والانحدار مرت على جميع الأمم بما فيها أوربة المتعجرفة" (15) .
ونختم بنقول من كتاب (حضارة العرب) لغوستاف لوبون يقول:"إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوربية الوحشية في عالم الإنسانية ، فلقد كان العرب أساتذتنا … وإن جامعات الغرب لم تعرف لها موردًا علميًا سوى مؤلفات العرب ، فهم الذين مدّنوا أوربة مادة وعقلًا وأخلاقًا ، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه … إن أوربة مَدينة للعرب بحضارتها … والحق إن أتباع محمد كانوا يذلّوننا بأفضلية حضارتهم السابقة ، وإننا لم نتحرر من عقدتنا إلا بالأمس ! وإن العرب هم أول من علّم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين … فهم الذين علّموا الشعوب النصرانية وإن شئت فقل حاولوا أن يعلموها التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان … ولقد كانت أخلاق المسلمين في أدوار الإسلام الأولى أرقى كثيرًا من أخلاق أمم الأرض قاطبة …" (16) .
إن القفزة الحضارية الهائلة التي سجّلتها أمتنا الإسلامية ، يمكنها أن تعود ، وأن تتكرر من جديد ، بشرط واحد هو أن نريد بإذن الله ، فالإمكان الحضاري الذي تهبنا إياه القيم المعصومة في الكتاب والسنة والسيرة ، ليس ببعيد على من يريده ويسعى إليه ، وقد بدأت تتفتح أزهار الانتصار العاطفي للإسلام في ضمير الأمة ، ولم يبقَ إلا أن تتعمق جذور الوعي كي تثمر هذه الأزهار . ويقع عبء التوعية أولًا على كاهل النخبة المخلصة المتخصصة المؤتَمنة على إيصال صوت نبيها إلى العالم … وهؤلاء هم (أولو الألباب) الذين مزجوا الحق بالصواب ، والذين باعوا أعمارهم وجهودهم وطاقاتِهم لله تعالى ، فربحوا مرتين إذ البضاعة منه والثمن !"إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم بأنّ لهم الجنة" (17) .
وإن الحضارة في صعود ، إذ كانت النخبة المبدعة المؤمنة هي التي تقود ، ومن بعد النخبة يأتي دور الأمة ، ليقوم كل مسلم بدوره في عملية النهوض الحضاري وإن أول عمل حضاري في تاريخ الإسلام وهو بناء المسجد ، قد شاركت فيه عزائم كل المسلمين ، بقيادة نبيهم الأمين ، وكذلك الأمر في حفر الخندق إذ كان الصحابة كلهم على أمرٍٍ جامع ، وإن الحضارة لن تنجم إلا عن تجمع آلاف الجهود الصغيرة النافعة ، والنهر المتدفق هو قطرات ماء تآخت ثم وجدت طريقها .