فهرس الكتاب

الصفحة 995 من 2255

وسأدافع عن عبادتها أما العالم أجمع"وقال"وأمي البقرة تفضل أمي الحقيقية من عدة وجوه ، فالأم الحقيقية ترضعنا مدة عام أو عامين وتتطلب منا خدمات طول العمر نظير هذا، ولكن أمنا البقرة تمنحنا اللبن دائمًا ولا تطلب منا شيئًا مقابل ذلك سوى الطعام العادي (2) ويمكن أن نقول أننا كذلك نشرب حليب الغنم والماعز ولماذا لا نعبد الشجرة المثمرة ؟ ولو تمسكنا بالحقائق الفكرية التي جاء بها الرسل لما ضاع العلمانيون ، ولو سألنا العقل الأمريكي لقال عن البقرة إنها مصدر أساسي للبروتين ولحياة الناس ، وقد تصيب العالم مجاعات إذا لم نأكل اللحوم وقد يزيد البقر ويأكل الأخضر واليابس وهذا ضد التوازن البيئي ، وعمومًا فذكر الإيجابيات والسلبيات ليس الأسلوب الصحيح للحكم على صواب أو خطأ فكرة ما ، فالخمر كما لها سلبيات لها منافع تجارية لمن يزرعها ويتاجر بها ، والقطاع الخاص له إيجابياته وسلبياته ، وكذلك القطاع الحكومي وكذلك الزواج والإجهاض والحرب والسلم ولا يتم الوصول للحقائق في العلم المادي من خلال آراء لإيجابيات وسلبيات أن يغلي الماء عند 20 درجة أو مئة أو مئة وخمسين بل التجربة والمشاهدة والاستنتاج أي الدليل المادي هو الذي يحدد الحقيقة المادية والمفروض أن نسأل ما هو الدليل الفكري على صحة الفكرة لا إيجابياتها وسلبياتها ولنتذكر أن مصالح أمريكا وغيرها من الدول القوية هي التي تعطي لها"الحق"في التدخل في الدول الأخرى فهي تقيس الأمور بالإيجابيات والسلبيات من زاويتها وليس ما هو حق وصواب باختصار: هناك مبررات عقلية منطقية بإمكانها أن تجعل كثيرًا من الآراء تبدو كأنها حقائق ، وللعقلية العلمانية قدرة عجيبة على تقديم مبررات منطقية لبيان أن كل شيء سواء كان حق ، أو باطل ( ومنها آراء الآخرين ) باطلًا ، فمثلًا إذا عفوت عمن ظلمك قالوا هذا ضعف وجبن وتشجيع للانحرافات ، وإذا عاقبته قالوا لماذا لا تسامح أليس في قلبك رحمة أنه تعلم من خطئه ولهم قدرة عجيبة على مدح الحرب أو السلم ، ولهم قدرة عجيبة على مدح أمة أو شعب وذم شعب آخر والعكس ، فهم يختارون ما يشاءون من معلومات ومبررات للمدح أو الذم وهذا يجعلهم يرون العدل ظلمًا والظلم عدلا والحرية فوضى والفوضى حرية ، وعمومًا فسياسة الكيل بمكيالين عند العلمانيين في تعاملهم مع الأحداث العالمية تأتي أحيانًا نتيجة نوايا فاسدة ، وأحيانًا نتيجة طبيعية للعقلية العلمانية ، فالمشكلة التي لا زالت تواجههم أنهم لا

ــــــــــــــــــــــ

(2) ص 37 كتاب الرسل والرسالات للدكتور عمر الشقر

يعرفون الحرية الحقيقية ولا العدل الحقيقي ولا العقائد الحقيقية ، فقد قالوا إجابات كثيرة متناقضة وأعطوا مبررات كثيرة متناقضة ، وعاشوا ولا زالوا يعيشون على التناقض والظنون والآراء وليس الحقائق الفكرية ، بل إن العقل العلماني يقدم أحيانًا مبررات منطقية علمانية تقول إن المصلحة الشخصية للفرد هي في النفاق أو البخل أو التعصب العرقي أو الكسل أو الأنانية وهي أمور اتفق عقلاء البشر على خطئها ورفضها ، فبعض العلمانيين يقولون النفاق هو الطريق المختصر للوصول للمناصب والأموال ، وهذا واقع معروف وكلنا سمع من له هذه العقلية العلمانية ويقدم أدلة واقعية أن هذا الفرد نافق فوصل إلى أعلى المناصب وهكذا وسيجد في العقلية العلمانية ، أدلة منطقية تثبت أن الصدق يؤدي إلى أضرار ونفور وعداوات وأن الأفضل هو الكذب أو المجاملة أو الصمت ، ونذكر هنا مثالًا يوضح تناقض العقول البشرية فيروى أن جحا وابنه وحماره كانوا يسيرون في طريق ، فسمع من يقول من الناس إن هذا الرجل وابنه أحمقان ، لماذا لا يركب أحدهما على الحمار ، فركب جحا ، وبعد مسافة سمع من يقول إن هذا الأب قاسي القلب حيث يركب هو ويترك ابنه يمشي، فنزل جحا وأركب ابنه فسمع بعد مسافة من يقول إن هذا الابن عاق لأنه يترك أباه يمشي ويركب هو ، فركب هو وابنه الحمار ، فسمع من يقول إن هذين ليس في قلبهما رحمة حيث إنهما يرهقان الحمار والمقصود من هذه الحكاية أن العقل البشري قادر على مدح وذم أي حالة وأي قرار وأي عقيدة وأي نظام وسيجد لكل رأي أو عقيدة أو قرار أو نظام مؤيدون ومعارضون مؤيدون يرون أنه الحق ومعارضون يرون أنه الباطل وهذا هو الجنون العلماني والضياع العلماني والعجز العلماني، وهذا يفتح بابًا لا ينتهي من الجدل والنقاش البيزنطي فهذا يستشهد بقول الفيلسوف الأول ، والثاني يستشهد بقول الفيلسوف الثاني ، والثالث يقول هذا رأيي وهذه أدلتي وهكذا مما جعلهم لا يتفقون حتى على حقيقة فكرية واحدة مع أن عمر العلمانية الحديثة عدة قرون ، وعمر العقل العلماني الآلاف من السنين ، قال الرازي"لقد تأملت الطرق الكلامية ، والمناهج الفلسفية ، فما رأيتها تشفي عليلًا ، ولا تروي غليلًا"

وقال:

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا

سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

وقال الإمام الشافعي رحمه الله في من تأثر من المسلمين بالفلسفة وبالطريقة العلمانية في التفكير مما أنتج ما يُسمى بعلماء الكلام من المسلمين:"لو يعلم الناس ما في علم الكلام من الأهواء لفروا منه فرارهم من الأسد"وقال هنترميد"كذلك فإن هذا هو الموقف الطبيعي"ما الحقيقة"؟ لأي شخص في مركز الفيلسوف المحترف ، إذ أنه بدوره قد صادف أنصارًا عديدين لمذاهب متعددة ، كلهم يدعون أن لديهم"الحقيقة"، وكلهم تقريبًا يدهشون حين يجدون أي شخص يتحدى ادعاءهم بسؤال بيلاطس الملح"ما الحقيقة" (1) وقال المفكر الفرنسي بليز باسكال:"الفلسفة كلها لا تستحق ساعة تعب"وقال"التفلسف الحقيقي هو الهزء من الفلسفة" (2) وقال الدكتور عمر الأشقر"يشعل المنهج الفلسفي الكلامي الباحث والناظر فيه في قضايا ينقضي العمر ولا ينتهي من بعضها ، بل إن الذي يحصله منها ينطوي على شبهات تجعل اليقين غير موجود ، فيصاب الباحث بالحيرة والشك والاضطراب" (3) وقال الأستاذ يوسف أبو الهيجاء"حقا ما أسرع ما ينقض العقل نفسه بنفسه ، يصدر اليوم حكمًا وينقضه غدًا ، أرى الآن أن هذا حق وحقيقة ، وأعود فأراه باطلًا ، أقتنع الآن أن هذا العمل جد مثمر ، ثم لا ألبث أن أراه عبثا، أكون رأيًا في الصباح ، أنقضه في المساء مكتفيًا بأن أقول: إنه رأي خاطئ"وقال"صحيح أن العقل هو الملجأ الوحيد لإصدار الأحكام الإيجابية أو السلبية .. أما إذا ثبت أنه يصدر أحكامًا متناقضة أو متباينة ، فعندها وعندها فقط يكون البلاء أشد ، وندرك تمام الإدراك أننا في حوزة قاض وحيد غير ثقة" (4) "

المعايير العقلية العلمانية: لا زلنا نسأل العلمانية نفس السؤال: ما هي الحقائق الفكرية ؟ وما هو الطريق العقلي العلماني لهذه الحقائق ؟ نحن نريد حقائق ، وليس أراء وظنون ، نريد طريقًا مشابهًا لطريق التجربة والمشاهدة والاستنتاج الذي يوصلنا للحقائق العلمية المادية فإذا كان مرفوضًا أن يقول علماء المادة أظن أن الماء يغلي عند 20 درجة مئوية في الظروف العادية أو أظن أن الأكسجين غاز لا يساعد على الاشتعال ومبرراتي هي أن ذرته تتكون من كذا وكذا فإن

ــــــــــــــــــ

(1) ص 152 الفلسفة أنواعها ومشكلاتها - الأستاذ هترميد - ترجمة د. فؤاد زكريا

(2) ص 128 المقدمة في فلسفة الدين الأستاذ أديب صعب

(3) ص 33 العقيدة في الله د. عمر الأشقر

(4) ص 40 ص 41 مشكلة العقل والحقيقة الأستاذ يوسف أبو الهيجاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت